Uncategorizedتشكيل

خـطـوط تـنـبـض بـالـحـزن والـمـطـر

 

أثير الهاشمي

ما العلاقة بين الفنان والشعراء؟

ثمة علاقة تتّضح كلّما اتسعت مرايا الوعي، وتختفي كلّما ضاق خيط الحكاية، إذ يؤسّس الفنان بريشته تنهداته في فراغٍ من بياض، ليملأ وجه ذلك البياض بما يحلو له من ألوان وحكايات.  يرسم الفنان ستّار كاووش – لوحاته – بأناقة تامة، فهو يُحيي خطوط الحزن إلى فرح، ويحوّل السواد إلى ألوان زاهية، بخطوط تنبض بالملامح نفسها.

يتّحد الضوء بالعتمة لديه، لتنتصر حكاية الحياة، تتماسك الألوان المغايرة في لوحاته، فيتفوق الكبرياء على الألم، تتداخل خيوط الفراغات فيجتمع الجمال بلا قبح، يستهلّ البداية بآخر الحكاية، فتنطق حروفها فرحا، يكتفي بروح الملامح، فيكتمل النقصان بلا زيادة، يجذب الماضي إلى الحاضر، فيُظهر المستقبل من دون خفاء.

يستحضر كاووش لوحته (بورتريه الشاعر السيّاب)، بوصفه شاعراً مثّل شكلاً شعرياً جديداً، وكسر حاجز الكلاسيكية في شكلها، وتعدّى قوانينها التي نشأت عليها الشعرية العربية منذ عصر الجاهلية إلى أيامه.

اهتم ّ كاووش بتفاصيل السيّاب، إذ حاول خلق (بورتريه السيّاب) من خلال تفاصيل دقيقة تُدار عبر كفتين متوازنتين:

الأولى: تحمل دلالات الألوان، ورمزيتها، التي يكشفها المتلقي، وبما يتّسم من وعيّ، وتذوق الألوان وتشكيلاتها المتنوعة، أو الخطوط وتمثلاتها المُتقنة، التي عمدَ الفنان إليها في رسم التفاصيل.

والثانية: تُشير في تشكيلاتها الى الحزن والألم والمرض والغربة، التي تعرّض إليها الشاعر، فظل، أي الشاعر، أن يمزج كلّ الهواجس مخاطباً زوجته بروح المتأمّل المجرّب لتلك الصور ومعانيها المؤثرة: (أتعلمين.. أي حزنٍ يبعث المطر؟).

يمزج ستار كاووش ما بين شعر السيّاب من جهة، وتعابير وجهه وملامحه من جهة أخرى، وكأنه يتحدّث بما كتب، ويلوّح بما يبعثه (المطر) من (حزن)، تحت طلب الاستفهام (أتعلمين؟).

تتجلّى التعابير التي يفترضها كاووش على وفق ترجمة دقيقة لمعاني السيّاب الشعرية، ودلالات لغته التي تتعدّى حدود التأمل، فيُظهر الفنان إحساس الشاعر المخفي عبر تفاصيل وجهه، ويُحصر دلالاته المتسعة، من خلال رمزيات الأشياء، كلون الاصفرار، الذي يدل ّعلى حتمية المرض، أو حجم الداء الذي ألمّ به، يقابله رمزية الضوء الذي يُشير إلى وجود الأمل مهما استطال الألم، مع دلالات الرؤية في يوم ما.

يُفضي الفنان كاووش تفاصيل السيّاب من خلال (الرؤية المُتخيّلة)، إذ يُعطي الفنان حركية مُتجدّدة للّوحة، مما يجعل حجم التفاؤل مهيمنا على الرغم من إشارات الحزن الواضحة، فتتسع الرؤيا عبر مساحات اللوحة التي تُضفي بالانعكاس الداخلي الضيق  لكفّين متوازنين، يدٌ واثقة، وهي تمسك الضوء المفعم بالاصفرار، ويدٌ مرفوعة، تحمل أوراقاً ثلاث:

الأولى: تعجّ بالفراغات التي تعكس خطوطا لظلّ رمادي.

الثانية: تنتقل من حجم الفراغ إلى الامتلاء، إذ تصف (ليلاً يطبق مرة أخرى، تشربه المدينة والعابرون، إلى القرارة مثل أغنية حزينة)، فالليل، يطبق مرة أخرى، ويتحول إلى سائل، تشربه المدينة والعابرون، إذ يؤنسن الفنان -المكان – كما الشاعر، فهي، أي المدينة، كالعابرين، تشرب ذلك الليل، حتى القرارة كأغنية حزينة.

والثالثة: ورقة يحدّها ظلّ أخضر يعلوه الاصفرار، تتوسط الظلّين خطاب السيّاب: (أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟).

تهيمن على اللوحة الألوان التي عُرف بها كاووش، بِما تحمله من زهوّ، وتنوع، وما تدل عليه من تجانس في تشكيل الألوان ودلالاتها المختلفة.

يبلغ (بورتريه السيّاب) للفنان كاووش، رؤية هندسية تفترض شكلاً مُنظوراً دقيقاً، قابلاً للتأمّل، في كل ّ تفاصيلهِ، إذ يوحي الفنان في تشكيلاته الهندسية رؤية جسدية معبّرة، تفترض ألواناً معينة، يُشير بها إلى رمزية غير عابرة، بل يمكن لنا كمتلقين أن نتحسّس ألوانها ونتذوقها، فالأخضر مثلاً، يرمز للحياة، والرغبة في استمرار المطر من أجل إحياء الأرض، وهو اللون الذي يطغى ويهيمن على مدى الرؤية في اللوحة.

بينما يتشكل اللون الأصفر على مناطق مهمة، على الرغم من محدوديته على تفاصيل اللوحة، وهي إشارة إلى الإيحاء بالألم الذي يتحدث عنه الشاعر، أما اللون الأحمر فهو انطباع يُسهم في تشكيل رؤية بارزة، تفترض بريقاً مغايراً للحياة، وهو ما يقابل الاخضرار في الإيقاع والدلالة.

ويأتي اللون الأزرق من خلال تشكيل صوري يُعطي اللوحة معنى دافئ، يتكافأ بصرياً مع اللونين (الأخضر في انسيابته)، و (الأحمر في تفاصيله).

محنة الفنان تكمن في نقله للغة عميقة تحاكي اللفظ والسمع والبصر، إلى لوحة تحاكي البصر، لُترجع الرؤية مرتين، مرة في تحليلها البصري، ومرة في تقنياتها الحديثة، التي استعارها الفنان، والتي تتمثل بلغة السياب التي تُحاكي اللوحة، من خطاب الحزن والمطر، ثم الإشارات المكثفة التي تنطوي على زمنية الإدراك الداخلي، لتفاصيل ما يؤديه الليل من رؤية لغوية بصرية، وما تمر ّمن خلاله هواجس العابرين، العابرون إلى ضفاف شط العرب، إذ تحطّ النوارس، وتطير الهواجس، وتبقى الذاكرة، محطة انتظار القادمين من الغربة.

*كاتب، مترجم وناقد عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى