أدب

توفيق الحكيم.. مؤسس الدراما الذهنية وصانع الأسئلة الكبرى

*بعد عقود من الرحيل: لماذا لا يزال توفيق الحكيم حاضراً؟

*يحتل مكانة مركزية في خريطة الأدب العربي الحديث، لا بوصفه كاتباً مسرحياً فحسب، بل باعتباره أحد العقول المؤسسة لمفهوم جديد للفن

*كتب الرواية والقصة القصيرة، وحقق فيها نجاحاً كبيراً

*تميّز أسلوبه السردي بالوضوح والاقتصاد في اللغة

أحمد سليم عوض

بعد مرور سنوات طويلة على رحيل توفيق الحكيم، لا يزال اسمه يحتل مكانة مركزية في خريطة الأدب العربي الحديث، لا بوصفه كاتباً مسرحياً فحسب، بل باعتباره أحد العقول المؤسسة لمفهوم جديد للفن، يقوم على التأمل، والحوار، والبحث الفلسفي في قضايا الوجود والإنسان والزمن.

لقد كان الحكيم كاتباً يسبق عصره، ويصوغ أسئلته الكبرى بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وبين السخرية والجد، فاستحق أن يُلقَّب برائد المسرح العربي الحديث.

النشأة والتكوين الاجتماعي

وُلد توفيق الحكيم في 9 أكتوبر عام 1898 بمدينة الإسكندرية، في بيئة اجتماعية تجمع بين الانضباط العقلي والترف الثقافي؛ فقد كان والده مصرياً يعمل في سلك القضاء، بينما تنتمي والدته إلى أصول تركية أرستقراطية. وقد أسهم هذا التكوين الأسري المزدوج في تشكيل شخصيته المبكرة، إذ عاش منذ طفولته بين عالمين: عالم القانون والنظام والمنطق، وعالم الجمال والخيال والذوق الفني. غير أن مرحلة الطفولة التي قضاها في دمنهور تركت أثراً أعمق في وجدانه، حيث احتك بالمجتمع الريفي المصري، وتعرّف على بساطة الناس، وعلى التناقضات الاجتماعية بين السلطة والفقر، وبين القانون والعدالة الواقعية. وقد ظهرت ملامح هذه التجربة بوضوح في أعماله اللاحقة، خاصة في «يوميات نائب في الأرياف»، التي تُعد من أهم النصوص التي كشفت عن خلل العلاقة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي.

التحق توفيق الحكيم بكلية الحقوق، وتخرج فيها عام 1925، وهو اختيار فرضته التقاليد العائلية أكثر مما فرضه الميل الشخصي. غير أن دراسة القانون زوّدته بأدوات التحليل والجدل، وأسهمت في تشكيل أسلوبه القائم على الحوار المنطقي، والدقة في اختيار الألفاظ، والقدرة على بناء الحجة. بعد التخرج، سافر إلى باريس لاستكمال دراسته العليا في القانون، لكن هذه الرحلة تحولت إلى منعطف حاسم في حياته الفكرية؛ إذ انجذب إلى الأدب والمسرح والفنون، وبدأ يتردد على المسارح الفرنسية، وقاعات الأوبرا، ودور السينما، والمتاحف الكبرى. هناك، تعرّف على المسرح بوصفه فنّاً فكرياً قادراً على احتضان الفلسفة، لا مجرد وسيلة للتسلية، وهو ما غيّر نظرته إلى الكتابة تغييراً جذرياً.

الصراع مع الوظيفة

عاد الحكيم إلى مصر عام 1928، والتحق بالسلك القضائي، حيث عمل وكيلاً للنائب العام في المحاكم المختلطة بالإسكندرية، ثم في المحاكم الأهلية. غير أن هذا العمل، بما يحمله من رتابة إدارية، لم يكن منسجماً مع طبيعته الإبداعية، فدخل في صراع نفسي بين الالتزام الوظيفي والرغبة في التفرغ للأدب. وقد انعكس هذا الصراع بوضوح في كثير من كتاباته، حيث تتكرر صورة الإنسان الممزق بين الواجب الاجتماعي والطموح الشخصي، وبين الواقع الصلب والحلم الحر. وفي النهاية، حسم الحكيم أمره، وترك القضاء ليتفرغ للفكر والإبداع.

لم يكن انسحاب الحكيم من القضاء انسحاباً من الشأن العام، بل انتقالاً إلى فضاء أوسع من التأثير. فقد تولى عدداً من المناصب الثقافية المهمة، منها: مفتش التحقيقات بوزارة المعارف، ومدير إدارة الموسيقى والمسرح، ومدير دار الكتب المصرية، ومندوب مصر لدى منظمة اليونسكو في باريس، ومستشار جريدة الأهرام وعضو مجلس إدارتها، وعضو مجمع اللغة العربية. وقد مكّنته هذه المواقع من الاطلاع المباشر على آليات العمل الثقافي الرسمي، وأكسبته رؤية نقدية عميقة لعلاقة الثقافة بالسلطة والمجتمع.

ارتبط اسم توفيق الحكيم بما يُعرف بـ«المسرح الذهني»، وهو اتجاه مسرحي يعتمد على الفكرة قبل الحركة، وعلى الحوار قبل الفعل الدرامي. وقد عبّر الحكيم عن هذا التصور بقوله الشهير: «إني أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكاراً تتحرك في المطلق». بهذا المعنى، لم يكن المسرح عند الحكيم مجرد خشبة وعرض، بل فضاءً فكريًا تُطرح فيه الأسئلة الكبرى: معنى الزمن، وجدوى الحياة، والعلاقة بين الإنسان والمصير. ولهذا السبب، واجهت مسرحياته صعوبة في التمثيل، وتعرّضت لنقد بعض المسرحيين الذين رأوا فيها افتقاراً للحركة. غير أن الحكيم ظل مؤمناً بأن الأدب ليس ملزماً دائماً بإرضاء شروط العرض المسرحي التقليدي.

«أهل الكهف»: الانطلاقة الكبرى

تُعد مسرحية «أهل الكهف»، التي كتبها عام 1929 ونُشرت عام 1933، حجر الأساس في مشروع الحكيم المسرحي. استلهم موضوعها من قصة أصحاب الكهف الواردة في التراث الديني، لكنه أعاد صياغتها في إطار فلسفي يتأمل سلطة الزمن على الإنسان. في هذه المسرحية، يستيقظ الأبطال بعد سبات طويل ليجدوا عالماً غريباً، فقدوا فيه كل الروابط التي كانت تمنح حياتهم معناها. الزمن هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل قوة قاهرة تُعيد تشكيل الوجود الإنساني. وقد رأى الناقد محمد مندور أن «أهل الكهف» تمثل ذروة نضج الحكيم المسرحي، وأنها من أعمق الأعمال الفكرية في المسرح العربي.

بعد «أهل الكهف»، واصل الحكيم توظيف الأسطورة في عدد من مسرحياته، مثل «شهرزاد»، و«بجماليون»، و«إيزيس». ولم يكن يلجأ إلى الأسطورة هروباً من الواقع، بل بحثاً عن صيغة رمزية تسمح له بتناول قضايا معاصرة، مثل الصراع بين الفن والحياة، وبين المثال والواقع، وبين الخير والشر. وقد تطورت معالجة الحكيم للأسطورة بمرور الزمن، إذ حاول في أعماله المتأخرة أن يخفف من طابعها الخارق، ويقرّبها من الواقع الإنساني، مع إدخال عناصر درامية أكثر حيوية.

الرواية والسرد عند الحكيم

إلى جانب المسرح، كتب توفيق الحكيم الرواية والقصة القصيرة، وحقق فيهما نجاحاً كبيراً. ومن أبرز أعماله السردية: «عودة الروح»، و«عصفور من الشرق»، و«يوميات نائب في الأرياف». وقد عالج في هذه الأعمال قضايا الهوية الوطنية، والصراع بين الشرق والغرب، وأزمة المثقف العربي في مواجهة الحداثة. تميّز أسلوبه السردي بالوضوح والاقتصاد في اللغة، مع نزعة ساخرة تكشف تناقضات الواقع دون مباشرة أو خطابية.

شارك الحكيم في ثورة 1919، وكان قريباً في بداياته من روح ثورة يوليو 1952، قبل أن يراجع موقفه منها في كتابه «عودة الوعي». أما موقفه من المرأة، فقد أُسيء فهمه كثيراً؛ فعلى الرغم من شهرته بمعاداة المرأة، فإن أعماله تكشف عن تقدير واضح لدورها، وإن كان هذا التقدير مشوباً بنقد اجتماعي لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع التقليدي.

لم يكن توفيق الحكيم مجرد كاتب مسرحي، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً، سعى من خلاله إلى إعادة تعريف وظيفة الأدب، وجعل من المسرح أداة للتفكير والتأمل. وبعد عقود من رحيله، لا تزال أعماله قادرة على إثارة الجدل وطرح الأسئلة، مؤكدة أن الأدب الحقيقي لا يشيخ، وأن الأسئلة الكبرى التي طرحها الحكيم ما زالت مفتوحة حتى اليوم.

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى