على الملأ

ما مبررُ غرزِ السكاكينِ في جثّةِ الأديب؟

عبد الكريم البليخ

ليس أشدَّ قسوةً من أن يُنتزع الإنسان من صمته الأخير، بعد أن أودع الحياة ما استطاع من معنى، ليُعاد تشكيله على طاولة التشريح، لا بوصفه جسداً، بل بوصفه سيرةً تُنهش. كأن الموت، الذي يفترض أن يكون سترًا أخيرًا، يتحول إلى بابٍ مشرّعٍ لكل عابرٍ يريد أن يفتّش في العتمة عن بقايا الضوء، لا ليحترمه، بل ليعيد تأويله وفق شهوة الفضول، أو نزعة الربح، أو وهم المعرفة.

لقد بات من المألوف أن تصدر الكتب لا لتحتفي بالأدب، بل لتنبش في حياة الأديب، تقتات على أسراره، وتعرض خصوصياته كما تُعرض الغنائم في الأسواق. تُقرأ الرسائل، تُفكّك العواطف، تُقتطع اللحظات الإنسانية من سياقها، ثم تُقدّم باردةً، كأنها حقائق مكتملة، لا شذرات حياة كانت نابضةً ذات يوم. وما حادثة العثور على رسائل مي زيادة الكاتبة الفلسطينية “1886 ــ 1941” إلا مثالٌ مؤلم على هذا النزوع؛ مئة رسالة حب، لم تكن في جوهرها إلا اعترافات إنسانية هشّة، تحولت فجأة إلى مادة للنشر، وإلى مشروع كتابٍ مغرٍ، وكأن الحب نفسه صار وثيقةً قابلةً للبيع.

لكن السؤال الأعمق ليس في وجود هذه الرسائل، بل في الجرأة على تحويلها إلى ملكٍ عام. من الذي خوّل أحدًا أن يتصرف في ذاكرة امرأة بعد موتها؟ من الذي منح هذا الحقّ لمن لم يعش تلك اللحظات، ولم يحمل ثقلها، ولم يدرك هشاشتها؟ لقد كان موقف أحمد لطفي السيد، حين رفض نشر تلك الرسائل، تعبيرًا عن وعيٍ أخلاقيّ نادر، يُدرك أن في الإنسان منطقةً لا يجوز اقتحامها، حتى باسم الأدب أو التاريخ. فليست كل حقيقةٍ قابلةً للقول، ولا كل ما يُعثر عليه يستحق أن يُكشف.

ومع ذلك، ينهض فريقٌ آخر ليقول إن الأديب ملكٌ للأمة، أو لقرّائه، وإن إنتاجه لا ينفصل عن حياته الخاصة، وإن فهم النصّ لا يكتمل إلا بمعرفة الظروف التي أحاطت به. وهي حجة تبدو للوهلة الأولى مقنعة، لكنها تخفي في طياتها انزلاقًا خطيرًا: إذ تجعل من الإنسان وسيلةً لفهم النص، بدل أن تجعل من النص غايةً تُقرأ لذاتها.

إنَّ في هذه الرؤية نوعاً من الانحراف في علاقة القارئ بالأدب؛ فبدل أن يتأثّر بما كُتب، يَتجه إلى من كتبه، وبدل أن يتأمّل الفكرة، ينشغل بسيرة صاحبها. وهنا تضيع تلك الحكمة البسيطة العميقة: “انظر إلى ما قيل، لا إلى من قال”. فالكلمة، حين تُكتب، تتحرّر من صاحبها، وتدخل في فضاءٍ أوسع، تصبح فيه ملكًا للتأويل الإنساني، لا لسيرة فردٍ بعينه.

إن الإصرار على ربط النص بحياة صاحبه هو، في جوهره، نوع من تقليص الأدب، وردّه إلى ظروفه الخاصة، بدل أن يُترك ليحيا في أفقه الإنساني الرحب. فكم من نصٍّ وُلد من ألمٍ شخصي، لكنه تجاوز ذلك الألم ليصبح مرآةً لآلام الآخرين؟ وكم من تجربةٍ خاصة، حين صيغت بلغة الفن، تحولت إلى معنىً عام يتجاوز حدود الزمان والمكان؟

ثم إن هذا السلوك، في جوهره، يحمل قسوةً لا تقل عن قسوة التشريح الحقيقي. فما الفرق بين جسدٍ يُفتح بعد الموت، وذاكرةٍ تُنتهك؟ وما الفرق بين مشرطٍ يقطع اللحم، وقلمٍ يقطع الحياء؟ بل لعل القلم، حين يُستخدم بلا ضمير، أشدُّ فتكًا، لأنه لا يكتفي بإيذاء الجسد، بل يمتد إلى تشويه الصورة، وإعادة تشكيل الإنسان في وعي الآخرين.

وقد يُقال إن هذا النهج مستورد من الغرب، حيث اعتاد الناس على انكشاف الحياة الخاصة، وحيث لا يُنظر إلى العلاقات الشخصية بوصفها سرًا ينبغي صونه. وربما في ذلك بعض الحقيقة، لكن تقليد الظواهر لا يعني فهم سياقاتها. فهناك، في بعض البيئات، يعيش الأديب حياته علنًا، لا يخفي نزواته ولا تجاربه، فلا يكون في كشفها بعد موته انتهاكٌ لسترٍ لم يكن موجودًا أصلًا. أما في بيئاتٍ أخرى، حيث لا تزال الخصوصية قيمةً أخلاقية، فإن نقل هذا السلوك يتحول إلى عدوانٍ على منظومةٍ كاملة من القيم.

وليس الأمر دفاعًا عن المثالية الزائفة، ولا إنكارًا لأن بعض الأدباء عاشوا حياتهم بجرأةٍ، بل أحيانًا بتهورٍ، كما فعل بشار بن برد أو عمر بن أبي ربيعة، ممن لم يترددوا في إعلان تجاربهم، بل التفاخر بها. فهؤلاء لم يكن في حياتهم ما يُخشى كشفه، لأنهم لم يخفوه أصلًا. لكن القياس عليهم في زمانٍ مختلف، وظروفٍ مغايرة، فيه تعسّفٌ واضح.

إن مجتمعنا اليوم، في كثير من جوانبه، لا يزال في طور التشكّل، يسعى إلى بناء منظومته الأخلاقية والثقافية، ويحتاج إلى نماذج تُلهمه، لا إلى قصص تُربكه. وليس من الحكمة أن نغذّي وعي الأجيال بحكايات الفضائح، أو أن نحوّل الأدب إلى سجلٍّ للنزوات، أو أن نُقنع القارئ بأن الإبداع لا ينفصل عن الانهيار الشخصي.

ثم إننا، حين نغوص في حياة الأديب، كثيرًا ما ننسى حجم الصراع الذي خاضه ليبقى محترمًا في أعين الناس. كم من معركةٍ داخلية خاضتها الأديبة لتحمي نفسها من الانكسار؟ كم من تنازلٍ رفضه الأديب ليحافظ على كرامته؟ هذه الجوانب لا تُكتب، لأنها لا تُثير الفضول، ولا تبيع الكتب، لكنها هي التي تُشكّل جوهر الإنسان.

أما أولئك الذين يرفعون شعار أن الأديب ملكٌ للتاريخ، فجديرٌ بنا أن نسأل: أيّ تاريخٍ هذا الذي يحتاج إلى تفاصيل الحياة الخاصة؟ وهل كل من يكتب عن أديب يصبح مؤرخًا؟ إن التاريخ، في جوهره، ليس جمعًا للوقائع، بل تمحيصًا لها، ولا يقوم إلا على الدقة والتجرد. وهي صفاتٌ نادرة، لا تتوفر في كثيرٍ مما يُنشر اليوم تحت اسم “الدراسات الأدبية”.

لقد كان المؤرخون الكبار، كياقوت الحموي أو هيرودوت، يرحلون ويبحثون ويتحققون، ويُفرّقون بين ما رأوه وما سمعوه، ويعلنون حدود معرفتهم بصدقٍ نادر. أما اليوم، فكثيرٌ مما يُكتب لا يتجاوز كونه تجميعًا لقصصٍ متناثرة، تُصاغ بلغةٍ مثيرة، لكنها تفتقر إلى الحد الأدنى من التحقق.

وإذا كان الأديب قد أودع أعماله بين أيدينا، فإن ما يحق لنا امتلاكه هو هذا الأثر، لا حياته. فالنصّ هو ما اختار أن يقدّمه، وهو ما ارتضى أن يُقرأ ويُفسَّر، أما ما أخفاه، فله فيه حقّ الصمت، حتى بعد موته.

إن احترام الأديب لا يكون بتفكيك حياته، بل بالإنصات إلى صوته. ولا يكون بتشريح ماضيه، بل بفهم ما كتبه. فالكلمات، حين تُكتب بصدق، تحمل ما يكفي من الحياة، ولا تحتاج إلى أن نضيف إليها من أسرار صاحبها ما قد يشوّهها.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل قارئ: هل نقرأ لنفهم الإنسان، أم لنفضحه؟ وهل الأدب مرآةٌ نرى فيها أنفسنا، أم نافذةٌ نتلصص منها على حياة الآخرين؟

إن الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد، في العمق، نوع العلاقة التي نريد أن نبنيها مع الكلمة، ومع من يكتبها.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى