يوميات

حين تتكلم الجديلة… ويسقط العقال

مؤيد العجيلي

تتأصل العادات في المجتمعات لطول عهدٍ بممارستها، متأثرة بالتواصل مع ثقافات لمجتمعات قريبة وأخرى بعيدة جغرافياً، كما يربط البعض تلك العادات بالأديان والمعتقدات عند بعض الشعوب، أو الأساطير القديمة، ويمارسها البشر في أفراحهم وأتراحهم، لتتبدى بأشكال عدة، حركية أو لفظية أو حتى إيمائية، تصاحبها أفعال ترتبط بالمشاعر وتحمل رسائل صامتة تنطوي على الكثير من المغازي والدلالات.

شهدت الجزيرة السورية حادثتين تناقلتهما مختلف وسائل الإعلام، من خلال مقاطع مصورة ظهر في أحدها رجلٌ مسنٌ من قرى الحسكة مطلقاً صرخة العطاش، إذ شحّ الماء جرّاء سنين جفافٍ متعاقبة، يزيد قسوتها حبس مياه الأنهار من منابعها، في ظل صراع سياسي وخرق للمواثيق الضامنة لحصص دول المجرى في مياه الأنهار دون اكتراث لانعكاسات ذلك على البشر والزراعة والثروة الحيوانية، ثم قطعت كلماته دمعة فاضت حين همّ بنزع عقاله عن رأسه، موجّهاً بذلك رسالةً لمن يعي معنى أن ينزع العربي عقاله.

 وتزامنت تلك الحادثة في ذات المنطقة مع مقطع آخر لفتاة يافعةٍ شاحبةٍ غابت البسمةُ عن محيّاها ولزمت مقصاً قصّت به جديلتها بعد كلماتٍ نطقتها غصباً، تحكي عوزاً أصاب أهلها، حال كثيرٍ من السوريين الذين نفدت مقدراتهم بين هجرةٍ ونزوحٍ وواقع اقتصادي منهار.

عقالٌ يُعلن الغبن

الأستاذ الشاعر علي الشغيبي، الباحث في المفردة الشعبية الفراتية في توصيف “نزع الرجل عقاله” يقول:

 “الحروب وتبعاتها من موت ودمار ونزوح وهجرة وجوائح وأوبئة ومجاعات، كتبها التاريخ إخباراً بحكاياتٍ مرفقة بقصائد تتناقلها الألسن، وتتداولها الناس أمثالاً، أو مرثيات ترددها النساء ضمن طقوس مختلفة تدخل فيها حركات متّسقة بدلالات واضحة، وتظهر في ظرف بعينه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما جاز للنساء قد يعاب على الرجال فعله وبالعكس”.

 كما أن طقساً في مناسبة فرحٍ كختان المولود لا يقام لبزوغ اسنانه، وما كان للحزن لا يكون في الفرح ولعل فعلاً معيناً يمثل عادة مجتمعيةً يمكن أن يكون رسالةً تترجم تبعاً للظرف مع احتفاظ الرسالة بطابعٍ واحد تتسم به مشاعر الشخص وإن اختلف المغزى، ومثال ذلك انتزاع عقال الرجل من رأسه عنوةً فيمثل اقصى أنواع الإهانة والاذلال قد تفتح تبعاته الباب ردوداً عنيفة وصراعاتٍ عشائرية، أما أن ينزع الرجل عقاله أو يتطوّق به بإرادته فلا مردّ له إلا القهر جراء حدثٍ ما يشعره بالغبن والمهانة أو انتقاص الكرامة، أو تعدٍ على الحقوق بالقوة، وبما أن العقال رمز عزَّة العربي وفخره ورجولته فلا يعتمره من تعرض لموقف افقده رمزية العقال فيتطوّق به موجهاً رسالةً تذكيرٍ لذاته أولاً لتظل روح الثأر متقدةً في نفسه و رسالةً لغريمه كي لا يحظى براحةٍ ولا مأمن وأخرى لمجتمعه تمثل عهداً على استرداد الكرامة وما إن يُرى وقد عاد لعقال يعلو رأسه فتلك رسالة أخرى تخبر بعودة الحق وزوال السبب الذي حدا به لنزع عقاله وغالباً ما يكون ثأراً لمقتل قريب، كما وينزع الرجل عقاله مؤقتاً بين يدي قاضٍ عشائري كتعبير صامت يصور الغبن الذي حاق به كما قد يكون بديل كلامٍ استعصى أن يجري اللسان فنزع الرجل عن رأسه العقال إذ لا شك أن الآخر ترجم ما استعصى على النفس البوح به.

إيماءاتٌ تصنع حكاية

السيدة سارة لجي ٧٥ سنة تحدثت عن الرسائل التعبيرية البعيدة عن القلم والقرطاس والتي تُرسَل أفعالاً وحركاتٍ معينةٍ تستخدمها النساء كتعبير عن الحزن قاسمها المشترك هو البعد عن أسباب الجمال. وتابعت تسرد ما كان قبلاً وغاب جلّه الآن من ممارسات النساء في حالات الحزن عند موت أحد ذويها لتذكر التناسب الطردي في مدة الحزن وشدة الالتزام به مع درجة القرابة للميت وجوانب اخرى تبرر مظاهر الحزن شدةً وانخفاضاً فشتان بين صورة من فُجعت بموت شاب عن صورة من فارقها كهل كما وليس العازب كالمتزوج والذي أعقب ليس كالذي انقطع نسله ومن أعقب ولداً ذكراً ليس كمن أعقب أنثى فتلك كلها عوامل تؤثر في صورة الحزن المتجلّية في الطقوس ندباً ونعياً يترافق مع شقِّ الجيب، وخمش الوجه، وقطّ الشعر وهجر جديد الثياب والاتشاح بالسواد، وتلزم بيتها إلا لعزاءٍ أو عيادة مريض، واستطردت السيدة سارة في جانب إفساد ما يجمّل الثكلى لتروي قصة امرأة تهافت على خطبتها بعد موت زوجها وكان جوابها الرفض قطعاً. ولكثرتهم سئمت تكرار العرض والرفض فقطعت الطريق على كل خاطب بأن هتمت أسنانها مضمّنة رفضها برسالة تمثّلت في هتم أسنانها ليعزف عنها كل راغبٍ بها، ولعلها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها من كانت تعنيها في القصة دون ان تعلم، كما وذكرت أن قطَّ الشعر هو شكل من أشكال ترك الزينة كمظهرٍ للحزن وكلّما زاد حزنها جاءت زيادة في مقدار أخذها من طوله لتصل أحيانا إلى شحمة الاذن وعندها لا يحتاج الرائي والسامع بفعلتها لمعرفة من مات لها فهو حتماً أخٌ أو ابنٌ شاب وقد يكون أعزباً لا عقب له ونجد توثيقاً لذلك في لموروث الشعبي بأبيات النعي ومنها:

تستاهلون الندب والقول .. وقط الشعر كل ما يطول

ثم ذكرت السيدة سارة أن قط الشعر عموماً يرتبط بحالة الحزن ولكن قد لا يكون لموت بل قد يكون لضيم لحق بإمراة فأرسلت شعرها لأخ بعيد أو حبيب غافل وهنا فرقت السيدة سارة في اختلاف اللفظ للدلالة على الحالة التي دعت للقيام بالفعل فدلالة اللفظ لكلمة (قصت) تعني أنها تبتغي التزين والتجمّل في حين ان تقصير الشعر حزناً لموت عزيز فالدلالة على ذلك الفعل محصورة بلفظ (قطّت)، وفي حال كان اللفظ (شذبت)  فذلك يدلل على رسالةٍ لحبيبٍ أو بث شكاية لأخ تخطره بضيم حل بها وحصرت الدلالة اللفظية دون تعليل وكانت على ثقة بأن كل جيلها مثلها يحصر تلك الألفاظ بدلالتها الظرفية تبعاً للحالة على السليقة بعيداً عن علم الصرف والنحو، لذلك ابتعدت عن تساؤلات حصر الالفاظ وراحت تحكي قصة المرأة الرقاويّة التي عزم أهلها تزويجها بمن لا تهوى فأرسلت للحبيب الذي بَعُد مقامه مرابطاً في الجليل الأعلى ضمن صفوف المجاهدين في جيش الإنقاذ ١٩٤٨ لترسل كيساً مطرزاً مع ذاك الذي جاء من حيث كان محمد علي محارباً عائداً إليه بعد إجازة قضاها في الرّقة ليحمل أمانة تضمنها ذلك الكيس العَطِر فما أن فتح الحبيب الكيس ليجد ظفيرة الحبيبة وقد شذّبتها وارفقتها بكلمات نقلها الرسول شفاهاً ومفادها “أرسلت لك سراً ورفعت الملام عني: إنّ كلّ من حولنا يقفون ضد حبنا”.

دزيت لك بالخفية وما ظل عليَّ لومِ

               هلي وهلك والجيران صاروا علينا گوم ِ

فهبّ حين عملت الظفيرة والكلمات عملها فعطلت العقل ونشّطت العاطفة واستُنهِضت الشيم ليجد للأرض حماة كثر أما نجدة حبيبه ليس إلاه معنيٌّ وأي حيف حداً به لشذب ظفيرة كادت تودي به إلى المشنقة بجرم التولي عن الزحف، تلك الظفيرة أضحت جزءاً من موروث يروي قصته كلمات تغنيها أصوات شجية على أنغام ربابة.

حزن يعيد نفسه

يبقى تراث الشعوب حراً عابراً للحدود لا تقيّده الجغرافيا ليحصل التلاقح الثقافي الذي يتجلى في مثيلاته حكاياتٍ وآداب وأساطير وعاداتٍ وطقوس وممارسات في الحياة اليومية ومفردات أثرت اللغات فكان الإبداع شعراً ونثراً ليرسم حالة من الترف الأدبي فصاحة وبياناً وعلى حين غرّة تصبح القدرة على التعبير قاصرةً لنستعيض برسائل مشفرةً بصمتها مترجمةً بفهمٍ عميقٍ لفعلٍ صامت إيحاءً إذا حبست الكلمات في الصدور.

تلك الأفعال والحركات والكلمات لم تعد حكايا من موروث تتناقله الألسن فحسب، فالموت والجوائح والكوارث والحروب التي كانت السنوات تحمل اسمها في بلدي لندرتها اجتمعت اليوم .. ونحن نرى طفلة تقص جديلتها في ريف حلب بأمعاء خاوية من الجوع وعقالاً يرمى مع مُزن من الدموع وقهر الرجال عطشاً، كل ما كان سبباً لتلك الحركات والتعابير تعود متناوبة لا تترك فترةً زمنيةً ليطول شعر جديلة قصت فتكرر قصّها حزناً وألماً، وكذلك حال الرجال ما عاد العقال طوقاً لمن تعرضت كرامته للمساس بل قد يكون الايحاء بذلك جناية يعاقب عليها ،أو قد تكون تلك الايحاءات ترمز لقيم فقدها الكثير، أو أن همم الرجال فترت، أو أن كل ذات جديلةٍ حالها كحال من قصّت جديلتها  وكل من لا زال يعتمر عقاله كحال ذاك الذي ألقاه.

إعلامي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى