نبض الشارع

اتحاد الكتّاب العرب: أزمة إدارة أم استبداد مقنّع؟

 عبد الكريم البليخ

 ثمّة لحظاتٌ في حياة المؤسسات تشبه، إلى حدٍّ بعيد، تلك اللحظات الخفية في النفس البشرية، حين يبدأ المعنى بالتآكل من الداخل دون ضجيج، وحين تغدو الهوية، التي كانت يوماً واضحةً كمرآةٍ صافية، عرضةً لتشظٍّ صامت. في هذا الأفق الملتبس، يبدو اتحاد الكتّاب العرب في سوريا وكأنه يعبر مرحلةً دقيقةً، لا تتعلق فقط بإدارةٍ أو قرار، بل تمسّ جوهر وجوده، وعلّة نشأته الأولى: أن يكون بيتاً للفكر، لا صدىً لصوتٍ واحد.

لقد وُلدت مثل هذه المؤسسات من رحم الحاجة إلى الجماعة، إلى ذلك الحيّز الذي تتلاقى فيه العقول وتتباين، لا لتتنافى، بل لتغتني. غير أن ما يلوح اليوم في الأفق هو انزلاقٌ بطيء نحو اختزال هذا التعدد في ذاتٍ واحدة، تتضخم حتى تكاد تحجب الأفق. إنها ليست مجرد نزعة فردية عابرة، بل حالة نفسية مركبة، تنشأ حين يختلط الشعور بالمسؤولية بإغراء السيطرة، وحين يتحوّل اليقين إلى ملاذٍ مريح، يُقصي كل ما سواه باعتباره تهديداً لا فرصة.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود القرار فعلاً عقلانياً بقدر ما يصبح انعكاساً لحالةٍ داخلية؛ تصدر القرارات كأنها ومضاتٌ آنية، تستند إلى إحساسٍ بالاكتمال، بينما هي في عمقها تعبيرٌ عن عزلةٍ تتخفّى في ثوب الحسم. وهنا، يتبدل دور المؤسسة: من فضاءٍ للحوار إلى مسرحٍ لإعادة إنتاج الصوت ذاته، ومن مختبرٍ للأفكار إلى غرفةٍ مغلقة يتردد فيها صدى ما قيل، لا ما يمكن أن يُقال.

هذا التحوّل لا يصيب القمة فحسب، بل يتسرب كعدوى خفية إلى الجسد الثقافي بأسره. ينشطر الوسط إلى ثنائياتٍ حادة، “مع”، أو “ضد”، كأن الفكر لم يعد يحتمل المساحات الرمادية التي يولد فيها الإبداع الحقيقي. وفي هذا الانقسام، يفقد المثقف حريته الداخلية قبل أن يفقد موقعه؛ إذ يغدو مضطراً للاصطفاف لا للاجتهاد، وللانتماء لا للتساؤل. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: أن يتحول الحيّز الذي وُجد ليحمي الاختلاف إلى بيئةٍ تُخيفه.

أحمد جاسم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا

ولعلّ ما يزيد هذا المشهد قتامةً هو الشعور بأن البناء الذي شُيّد عبر عقودٍ من الجهد، لم يعد متماسكاً كما كان. فذلك الصرح، الذي كان ينهض على طبقاتٍ من الخبرة والتجربة والتراكم المعرفي، يبدو اليوم كأنه يفقد توازنه، لا بفعل عاصفةٍ خارجية، بل نتيجة تصدعاتٍ داخلية صامتة. وكأن الحجارة التي تآلفت طويلاً، بدأت تنفصل عن بعضها، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأنها لم تعد تجد ما يجمعها.

ومع ذلك، فإن في قلب هذا المشهد المتأزّم إمكانيةً خفيّة، تكاد تشبه الأمل الذي يولد من رحم العطب. فالتأخر في عقد المؤتمر العام، على ما ينطوي عليه من خللٍ واضح، قد لا يكون مجرد عثرةٍ إجرائية، بل فرصةً زمنية نادرة لإعادة النظر، لا في التفاصيل فحسب، بل في الأسئلة الكبرى: ماذا يعني أن يكون للكتّاب اتحاد؟ وما الذي ينبغي أن يمثله في زمنٍ تتبدل فيه القيم، وتتشظى فيه المرجعيات؟

إن سوريا، وهي تحاول أن تنهض من جراحها العميقة، ليست بحاجةٍ إلى مؤسساتٍ شكلية بقدر حاجتها إلى فضاءاتٍ حقيقية للمعنى. تحتاج إلى صوتٍ ثقافي يعكس نبضها، لا أن يعيد إنتاج خطابٍ منفصلٍ عنها. ومن هنا، فإن استعادة الاتحاد لدوره ليست مسألة تنظيمية، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، تتجاوز الأفراد إلى فكرة الوطن ذاته.

لهذا، تغدو الدعوة إلى مؤتمرٍ عام أكثر من مجرد إجراء؛ إنها دعوةٌ إلى استعادة الروح. مؤتمرٌ لا يُعقد فقط لتجديد الهياكل، بل لإعادة تأسيس العلاقة بين الكتّاب ومؤسستهم، بين الحرية والنظام، بين التجربة المتراكمة والطاقة الشابة. مؤتمرٌ يعيد الاعتبار لقيمٍ بدت، في غمرة الممارسة، وكأنها تراجعت: الشفافية، والاختلاف، والانتخاب النزيه، بوصفها ليست أدواتٍ إدارية فحسب، بل شروطاً لوجودٍ ثقافي صحي.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُفهم التغيير بوصفه قطيعةً مع الماضي، بل امتداداً نقدياً له؛ فالمؤسسة التي لا تصغي إلى خبراتها، تفقد جذورها، كما أن التي لا تفسح المجال لجيلٍ جديد، تفقد مستقبلها. وحده التوازن بين الاثنين يمكن أن يعيد للحياة الثقافية حيويتها، ويمنحها القدرة على الاستمرار.

إن إنقاذ اتحاد الكتّاب ليس شأناً شخصياً، ولا ساحةً لصراع النفوذ، بل هو، في جوهره، دفاعٌ عن فكرةٍ أكبر: أن يبقى الفكر مجالاً مفتوحاً، لا مرآةً لذاتٍ واحدة، وأن يظل الإبداع فعلاً جماعياً، يتغذى من الاختلاف لا من التماثل. وفي زمنٍ يبدو فيه المعنى مهدداً بالتآكل، يصبح الحفاظ على مثل هذه المؤسسات، في عمقه، محاولةً أخيرة للتمسك بما تبقى من إنسانيتنا، ومن قدرتنا على أن نحلم معاً، لا فرادى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى