رسائل الحمام

عودة

محمد رضوان

بعيداً عن الرجال المدجَّجين بالعار، ورؤوس النعام الواهنة الخجولة، وجُمَل الصبر الشاحبات الباهتات، وأيضاً بعيداً عن الرايات الخافقات التي توارت من الطوفان تواري الجبناء الرعاديد، بعيداً عن كلِّ هؤلاء أقول: لقد عاد الأشاوس، وأعادوا لنا الروح، فسلامٌ عليهم وعلى ما أحرقوا من نار، وما ألهبوا من أجساد، وما أطلقوا من حياة، سلامٌ عليهم وعلى دفقة العزِّ التي حقنوها في عروق الأجيال الغافية الغافلة.

عاد الرفاق إلى أراضيهم، هذه الأراضي التي لا يُباع فيها الخبز والماء، ولا تُقايَض السلامة بالكرامة، عادوا وأعادوا نشر الهواء المليء بالنخوة، وافتتحوا طريق الشرف المؤدِّي إلى وِديان الحرية، عادوا من غير خُفَّي حُنين كما أَلِفَ بنو جلدتهم، عادوا في الليالي الموحشات، بلا أنجم تضيء لهم الطرق، ولا إرشادات تعبُر بهم الساحات، ولا علامات، ولا وصايا، ولا آثار أقدام، وإنما كلُّ ما حملوه بين جنبيهم إيمانٌ طاهر، وإصرارٌ حازم، وقلوبٌ غضةٌ سليمة.

وقبل العودة، رسموا الغصَّة فوق خرائط العِدى، وشنقوا الخيط الفاصل بين الظلمة والضياء، واستلُّوا الشرعية رغم أنف البغاة، فسلامٌ على هؤلاء الأحباب العائدين، سلامٌ على أرواحهم الفاخرة، وأقدامهم الأبية، سلامٌ لأمي الحرَّة، وأبي الجسور، سلامٌ للبنين والبنات، وعُصبة العابرين، سلامٌ تنفث أبواقه في العروق، وتهمس ألحانه في الليالي المقمرة.

ومع عودة الميامين، عادت “المزمار العربي”، كأنما هي عطاءُ السماء وبِذار الأرض، من تراب الأرض تنسج أفكارها، وعلى أطلالها تستقي الحكمة، وبين الأزقَّة والدروب الخالدة، تنفجر ينابيع الأدب الرصين، وينبع الفكر في الرؤوس كالشفق. الحقيقة البادية أن “المزمار العربي” اليوم تعود كما لو كانت تِرياقاً لنبلاء الأرض، ترفرف بالفخار، وتشدو بالهناء.

لِمَ لا؟

وقد أبت “المزمار العربي” على نفسها التواجد وسط ألسنة النيران، حينما كانت القلوب سبايا، والعقول ضحايا، حينما كان الفرسان يشحذون سُود الرماح، ويصعدون درجات الصباح، أبت “المزمار العربي” أن تسقط من الحسابات، كما سقطت جدران المدن وحواريها، واختارت بنفسها لنفسها أن تكتب التاريخ على ورقةِ صبَّارٍ بماءٍ شريف، فمن لا يعرف الموت لا يقتحم الأسوار.

أقول الآن: إنَّ الكتابة عمَّا لا يشغل الناس عبث، وإنَّ الصدح بقصائد الغزل بين القبور هو عين الفجور، لذلك كان من الطبيعي أن تحتجب “المزمار العربي” احتجاب الأجلاء، فمهما فعل الكاتب وتزيَّنت ألفاظه، ومهما تقفَّى وتنحَّى، لن تصل الكلمة إلى مَبْغاها، ولن تُفصِح الفلسفة عمَّا تريد، ففي هذا الوقت يصبح الكاتب مقطوع الفكر، يتحرَّش بالعقول دون أن يُصيبها، كلما سطَّر تَرَنَّح، وكلما خطَّ جَنَح، والنتيجة أنَّه يسقط قبل أن يسقط العدو.

الآن، زامرُ الحيِّ يُطرب، بل ويجب أن يُطرب، وكل صوتٍ يشدو الآن سوف يُطرب، بعد أن صَفَت أجواء الشرق، وانقشع الغيم الأسود، وردَّت الروحُ في السهول الجرداء والأرض القاحلة، وتحولت السماء إلى قبَّةٍ تسطع فيها نجوم الشهداء، وانطلقت “الله أكبر” تخرق بواكير الصباح، وعرفت “المزمار العربي” أن الأرض خصبةٌ لفتح أبواب النصر، وغرس أغصان الحبق، فعادت، والعودُ أحمد.

هذه رسالتي يا من تُطالِعون “المزمار العربي”، يا من تنتظرون منَّا القصَّ والنثرَ والأبيات، رسالتي التي أربطها بمنديل الأمة الأبية الأسود العتيق، وأعطِّرها برائحة الدخان الزكيَّة، وأضعها في مناقير العصافير الذاهبة إلى أرض الشرف والسؤدد والكرامة، الأرض الأبية.

أديب الرياضة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى