يوميات

غداً أجمل.. غداً به أمل

نور عبد الكريم البليخ

لم تنم ليلتها أبداً، كانت تتقلب في فراشها كما لو أن ناراً في قلبها تشبّ ولا تخمد، وساعة غرفتها على الحائط كانت بطيئة جداً، وعقاربها كما لو أنها قد شُلَّت.. كانت تنظر إليها بين الحين والآخر، ولا تزال قرابة الثانية بعد منتصف الليل، والجميع نائم، ولا صوت غير مواء قطة جارها التي تهرب كل مساء لتجوب حارات الحي، ثم تعود فتجلس أمام بيت صاحبها ليفتح لها الباب في الصباح التالي.

وبعد عراك شديد مع النوم، نامت بنصف عينين مغمضتين، فقلبها ممتلئ بالحكايا والأخبار والهموم، تنتظر صديقتها التي واعدتها في اليوم التالي في أحد المقاهي الواقعة في مركز المدينة، علّها تنفض عنها غبار قلبها وتحكي ما يجول في سرّها فيهدأ فؤادها.

لم تكن من الفتيات اللاتي يضيّعن وقتهن في أي شيء، بل كانت دوماً منهمكة بنفسها وحلمها وأشيائها الصغيرة وعزلتها التي تتعلم فيها الكثير، فتقرأ كتاباً وتحيك شالاً، وترسم صورة، إلا أنها كانت تحتاج من الحين إلى الآخر إلى من تؤنس به روحها وترمي عليه شيئاً من همومها.

ذهبت مسرعةً لتصل في الوقت المناسب.. صعدت القطار السريع وجلست تفتش في حقيبتها علّها تجد شيئاً داخلها تُلهي نفسها به إلى أن تصل، لكنها لم تلبث أن فتحت حقيبتها إلا ورنّ هاتفها النقال لتخبرها صديقتها أنها لن تستطيع القدوم لسبب غير مقنع، حينها لم تقل شيئاً سوى أنها ستنتظرها في اليوم التالي أيضاً في نفس المكان إن استطاعت القدوم، ثم أنهت المكالمة لتعود في الاتجاه المعاكس للقطار بقلبها الممتلئ بالقصص.

ما أجمل أن نكون ظهوراً لبعضنا، ونقوِّم أنفسنا مع بعضنا البعض، وحين تعصف بنا ظروف الحياة نجد دوماً من يمدّ لنا ذراعيه ليحتضن قلوبنا بدفئه وحنانه.

كل ما نحتاجه صديقٌ كجدار لا ينقضّ أبداً، بل يقسو مع الزمان ليكون لنا أماناً من برد الدموع وعواصف الحياة وثقل الأيام.

عادت أدراجها إلى البيت، ثم شغّلت كاسيتاً لعبد الحليم حافظ.. ورمت جسدها على السرير متأملةً السقف المهترئ.. لم يكد عبد الحليم يكمل جملته الأولى من الأغنية إلا وقد نامت نوماً عميقاً يرافقه صفير ناعم يخرج من بين ضلوعها، وكأنه شجنٌ حزين..

أي حزن هذا الذي يجعل من شهيقنا وزفيرنا سيمفونية تُبكي كل من يسمعها.. أي اكتئاب هذا الذي يرسم على وجهنا ابتسامات كاذبة نحاول من خلالها أن نواسي ذواتنا..

أي يأس هذا الذي لا يمحوه لا زمان ولا مكان..

أين أنتِ يا أرجوحة الطفولة من بين كل هذا! احمليني وحلّقي بي عالياً.. اسرقي مني الدموع.. واهمسي لي أن غداً أجمل.. غداً به أمل.

فيينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى