نبض الشارع

في الرّقة محاكم بلا ضمير!

عبد الكريم البليخ

الرّقة مدينة لا تشبه غيرها. كل من عرفها أو مرّ بها يُدرك أنها ليست مجرّد نقطة على خارطة الشمال السوري، بل ذاكرة متراكمة من الطمي الذي يحمله الفرات، وأصوات الباعة في أسواقها العتيقة، ووجوه المزارعين الذين ظلوا، جيلاً بعد جيل، يأتون إليها من القرى المجاورة ليبيعوا غلالهم، ثم يعودون مع الغروب مثقلين بأكياس الحبوب وعبق الخبز الساخن. هذه المدينة التي تنام على النهر وتصحو على هديره، حملت في قلبها أسئلة العدالة أكثر مما حملت أخبار الطمي والقمح. فمنذ عقود، ظلّ أهلها يتأملون المباني الرمادية للمحاكم، تلك التي بُنيت لتكون مآذن للحق فإذا بها تتحوّل، ببطء قاتل، إلى متاريس للفساد.

العدالة، في المخيال الإنساني، ليست فكرة مجردة. هي صورة لميزان يتأرجح في أيدي الآلهة القديمة أو على جدران المحاكم الحديثة. وهي، قبل كل شيء، إحساس بالطمأنينة: أن يجد المظلوم من يسمعه، وأن يقف الضعيف أمام القوي وهو واثق أن القانون يحميه. لكن، ماذا يحدث حين يصبح القانون نفسه سوطاً على رقاب الناس؟ ماذا يبقى من المعنى حين يتحوّل القاضي من حارس للحق إلى موظف مطيع في خدمة المحافظ أو رجل الأمن؟

الرّقة تقدّم نموذجاً صارخاً لهذه المفارقة. فهي مدينة ولدت على ضفاف حضارة، واحتضنت عهوداً من التاريخ العباسي والأموي والعثماني، لكنها دخلت العصر الحديث محمّلة بأثقال البيروقراطية السورية وبأجهزة الدولة الأمنية الثقيلة. وبين ماضي المجد وحاضر الانكسار، ظلّت العدالة في الرّقة قصة نصفها واقع ونصفها أسطورة، يتداولها الناس في جلساتهم وفي مقاهيهم، بين ساخرٍ يروي وقائع الرشاوى وبين حالمٍ ما زال يتمنى قاضياً نزيهاً يردّ له حقه.

لعلّ أول ما يطالعك في الرّقة هو الفرات نفسه. النهر هنا ليس مجرد مجرى ماء، بل روح المدينة وسرّها. في الضفة الشرقية تمتد الحقول الخضراء التي تشهد على قرون من الزراعة، وفي الضفة الغربية تصطف الأسواق والبيوت الطينية التي تحوّلت، في السبعينيات والثمانينيات، إلى مبانٍ إسمنتية متشابهة. وفي وسط المدينة، حيث يلتقي القديم بالجديد، تجد آثار الأسوار العباسية وأبوابها العتيقة شاهدة على ماضٍ كان فيه للمدينة شأن آخر.

الأسواق الضيّقة، بأزقتها الملتفة، تحفظ رائحة التوابل ونداء الباعة. الجامعات، التي افتُتحت لاحقاً، حملت وعوداً بنهضة معرفية، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع سياسي خانق. والمباني الإدارية الحديثة، بواجهاتها الزجاجية الرمادية، ارتفعت في العقود الماضية كعلامات لحداثة مشوّهة. وسط كل ذلك، تبرز مباني المحاكم. رمادية، صامتة، بلا روح. لا زخارف ولا ملامح معمارية تثير الأمل. مجرد صناديق إسمنتية ضخمة، باردة الطابع، كأنها شُيّدت عمداً لتذكّر الداخلين أنَّ القانون هنا ليس وعداً بالعدل، بل وعيداً بالعقاب.

الرّقة، في وجدان أبنائها، مدينة متناقضة. هي مسرح للذاكرة الشعبية حيث تُروى قصص الأبطال والوجهاء والقضاة النزهاء الذين وقفوا في وجه السلطة، لكنها أيضاً مدينة الخوف، حيث يعرف الجميع أن كلمة واحدة خاطئة قد تقود إلى الزنزانة. هذا التناقض العميق بين جمال المكان وقسوة العدالة المفقودة هو ما يمنح الرقة طابعها التراجيدي.

إذا كانت العمارة مرآة للروح، فإن مباني المحاكم في الرّقة كانت مرآة لعصر من الانكسار. فحين كنت تدخل ذلك المبنى الرمادي، ذات الأبواب المعدنية الثقيلة، تشعر أنك في ثكنة لا في قصر للعدل. المقاعد الخشبية المتآكلة، الجدران العالية التي تكسوها الرطوبة، والمكاتب الحديدية التي لا تحمل أي أثر للجمال، كل ذلك يوحي ببرود بيروقراطي مقصود.

لكن المعمار هنا ليس بريئاً. فهو يعكس إرادة سياسية. فبينما كانت العمارة الإسلامية القديمة تمزج الجلال بالروحانية، وتفتح أبواب المساجد والمدارس لتستقبل الناس بالرحابة، جاءت عمارة المحاكم الحديثة لتغلق، لا لتفتح. كأنها تقول منذ الوهلة الأولى: “أنت متهم حتى يثبت العكس”.

الناس في الرّقة كانوا يرون في ذلك المبنى شيئاً أكثر من الحجر. كانوا يرون فيه رمزاً لميزان مقلوب، لعدالة مريضة. ولم يكن غريباً أن تتحول القاعات إلى مسارح، حيث المواطن هو المتهم الأبدي، والقاضي مجرد ممثل يُردد نصاً مكتوباً مسبقاً. المعمار، إذن، ليس خلفية محايدة بل هو شريك في إنتاج الظلم، شاهد على تحوّل المحاكم إلى متاريس للفساد.

قصص الفساد في محاكم الرّقة ليست أسراراً. الجميع يعرفها. الصحفيون الذين حاولوا أن يكتبوا عن مخالفات “فرع المخابز الآلية” يعلمون جيداً كيف تحوّلت القضية ضدهم. كان خليل عيدان، القاضي المعروف، أحد أبرز من وقف إلى جانب الفاسدين، لا لشيء إلا لأن السلطة طلبت ذلك!. المحافظ محمد شحاذة خليل أعطى التوجيه، والقاضي أصدر الحكم: سجن الصحفي ثلاثة أشهر وغرامة مالية باهظة. الجريمة الوحيدة: فضح الحقيقة.

هكذا انقلبت العدالة إلى نقيضها. القضية التي كان ينبغي أن تكشف سرقة خبز الناس، الرغيف اليومي، تحوّلت إلى محاكمة للصحافة. أليس هذا ذروة المفارقة؟ أن يُعاقَب من يفضح الفساد بدل أن يُعاقَب الفاسد نفسه؟

لكن الأمر لم يكن حالة فردية. بل كان نظاماً قائماً بذاته. القضاة الفاسدون كانوا يعرفون أن السلطة الأمنية تحميهم، وأن المحافظ والمحامي العام “محمد الحمود” في حينها يقفون خلفهم. لم يكن القانون سوى ورقة صغيرة تُلوى لتناسب نزوة المسؤول. الرشوة أقوى من النصوص، والمال أسرع من كل المرافعات. المواطن الذي لا يملك سوى صوته كان يجد نفسه وحيداً أمام أبواب مغلقة، فيما من يملك المال كان يخرج بريئاً مهما كانت جريمته.

لقد تحولت المحاكم، في نظر الناس، إلى أسواق سوداء. دكاكين صغيرة يبيع فيها القاضي أحكامه. تدفع، فتخرج بريئاً. تمتنع، فتغدو مذنباً. في مثل هذه الأجواء، لم يَعُد أحد يثق بالقانون. صار القانون أداة ابتزاز لا أداة إنصاف. وهنا بدأ الانكسار الحقيقي للمدينة: حين يفقد الناس الثقة في العدالة، فإنهم يفقدون الإحساس بالأمان نفسه.

لكن ليس كل القضاة كانوا سواء. فكما كان هناك خليل عيدان ومحمد الحمود وغيرهما من المدافعين عن مصالح السلطة، كان هناك أيضاً قضاة نزهاء، حاولوا، رغم كل الضغوط، أن يتمسّكوا بالقانون. هؤلاء كانوا يعرفون أنهم يسيرون عكس التيار، وأن ثمن نزاهتهم سيكون التهميش وربما السجن أو التشريد.

القاضي الفاسد كان يعيش في قلق دائم. يضع على وجهه قناع الوقار، لكنه يعرف في داخله أنه هشّ، أنه دمية تحركها يد الأمن. يعيش خوفاً من انكشاف أمره، يُبرر لنفسه أن ما يفعله “حماية للنظام”، لكنه في الحقيقة حماية لمصالحه.

أما القاضي النزيه فكان يعيش غربة مضاعفة. غربة عن سلطة ترفضه وتضيّق عليه، وغربة عن مجتمع يفضّل المساومة على الصمود. شخصية تراجيدية بحق: يعرف أنه سيخسر رزقه وربما حريته، لكنه يُصرّ على أن يقول “لا”. هؤلاء القضاة كانوا كالشموع في العتمة. قلة قليلة، لكنها كافية لتذكّر الناس أن العدالة لم تمت تماماً.

من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، كان الفساد شبكة محكمة. المواطن العادي لم يكن يذهب إلى المحكمة باحثاً عن العدالة، بل عن “حلّ” يعرف مسبقاً أنه يمر عبر الرشوة. كثيرون اضطروا إلى بيع ما يملكون من أرض أو مواشٍ فقط ليحصلوا على حكم منصف.

القضاة لم يكونوا وحدهم. كانوا جزءاً من منظومة تضمّ التجار ورجال الأعمال المتنفذين الذين يملكون شراء كل شيء، حتى الكرامة. وهكذا صار للقضاء اقتصاد موازٍ: سوق سوداء للحكم، تسعير غير معلن للبراءة أو الإدانة.

حتى الجامعات والنخب الثقافية لم تكن معزولة. بعضهم صمت خوفاً، وبعضهم تواطأ، وآخرون قاوموا بالكلمة. لكن النتيجة واحدة: العدالة لم تعد فكرة مجردة، بل صارت عبئاً اقتصادياً على المواطن.

أما صورة الرّقة أمام الزوار والسياح فقد تشوّهت بدورها. من يأتي لزيارة الآثار العباسية أو الأسواق العتيقة لا يسمع إلا حكايات الفساد. العدالة، التي كان يُفترض أن تكون تاج المدينة، صارت عارها الأكبر.

الحديث عن القضاة الفاسدين ليس مجرد كشف فضائح. إنه حديث عن هوية مجتمع. الرّقة، مثل روما أو بغداد أو قرطبة، تعرف أن العدالة هي ما يمنح المدينة معناها. فإذا غابت، غاب كل شيء.

الناس هنا لا يتذكرون القوانين المكتوبة، بل يتذكرون القصص: فلان دفع فخرج بريئاً، وفلان لم يدفع فسُجن، وفلان القاضي رفض الرشوة فتمت معاقبته. هذه القصص تصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية، تنتقل من جيل إلى جيل، لتشكل صورة المدينة.

الرّقة، إذن، ليست مجرد مكان. إنها رمز لصراع أبدي بين الفساد والنزاهة. العدالة فيها ليست نصوصاً بل أرواح. قد تُخدع، قد تُهان، لكنها لا تموت.

اليوم، بعد كل ما مرّت به الرّقة من حروب وتعاقب سلطات وتغيرات ديموغرافية، تقف المدينة منهكة، لكنها ما زالت تنبض. المحاكم رمادية كما كانت، لكن الفرات يجري كما جرى دائماً، شاهداً صامتاً على انكسارات البشر وعلى بقاء الأمل.

العدالة ليست مباني إسمنتية ولا نصوصاً مكتوبة. هي روح تسكن في القاضي وفي الصحفي وفي المواطن العادي. حين يبيع القاضي ضميره، يموت القانون. وحين يقول صحفي كلمة حق، ولو دفع ثمنها سجناً، فإن العدالة تظل حيّة.

الرّقة تعلمنا أن متاريس الفساد مهما بدت منيعة، تنهار أمام كلمة حق واحدة. وأن العدالة قد تُسجن وتُهان، لكنها لا تُدفن. ستظل تبحث عن مكانها في ضمائر القضاة وفي قلوب الناس، جيلاً بعد جيل.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى