شعر

كاظم الرويعي .. ذاكرة العراق في حنجرة شاعر

غناءٌ يعيد للجرح صوته

المزمار العربي

لم يكن كاظم ناصر حسين الرويعي، المولود عام 1941 في المدحتية بمحافظة بابل، اسماً يُضاف إلى سجل الشعراء كما تُضاف الأسماء إلى الأوراق، بل كان حضوراً يُشبه إشراقة ماءٍ على أرضٍ عطشى، يهب الأغنية العراقية روحها حين تتعب، ويعيد للكلمة مذاقها الأول حين تفقد البلاد طعمها. اكمل دراسته الإعدادية عام 1963، ثم تخرّج في كلية الشريعة ببغداد، قبل أن ينصرف قلبه بكامله إلى فضاء الشعر الشعبي، كأن اللغة كانت قدره الذي لم يستطع الانفلات منه، حتى صار واحداً من أبرز مجدديه وصانعي ملامحه الحديثة. غنّى له كبار المطربين، وتناقلته الأجيال كما تتناقل الأسر مفاتيح البيوت القديمة، وكأن صوته المكتوب جزء من ذاكرة اللحن العراقي.

رحل في عمّان، يوم الثاني من آذار 2002، ودُفن هناك، بعيداً عن التراب الذي ظلّ يسكنه ويسكن كلماته حتى أنفاسه الأخيرة.

كان الرويعي من أوائل الذين اجترحوا نبرة جديدة في القصيدة الشعبية الحديثة، ولا سيما في الأغنية. عاطفته مشتعلة، لغته ندية، وصوره تنضح بأصالة تنتمي إلى ضفاف الفرات وطفولة التراب. بدأ رحلته في كتابة الشعر الفصيح، لكنه سرعان ما وجد في الشعر الشعبي مرآةً تعبّر عنه بكامل صدقه الداخلي؛ فذهب إليه بكليّته، ومنه لم يعد. لقد اكتشف في هذا الفن مساحة تتسع لحزنه وفرحه، لتمرده وحنينه، لوعيه الثقافي وإحساسه الشعبي العميق.

كاظم الرويعي

أسهمت ثقافته الواسعة ونبوغه المبكر في صقل موهبته، فكان إلى جانب أسماء لامعة كرّست نفسها لتجديد القصيدة الشعبية مثل شاكر السماوي وطارق ياسين وعزيز السماوي. وكان ديوانه الأول البيرق علامةً فارقة في تجديد اللغة الشعبية وتهذيب موسيقاها.

ومع تضاعف القمع الذي لفّ العراق في العقود الأخيرة من القرن الماضي، ضاقت البلاد على أهلها، فضاق هو أيضاً، فغادر إلى عمّان بحثاً عن فضاءٍ لا يُهان فيه الشاعر بجرأته، ولا تُحاصر الكلمة بحقيقتها. هناك كتب أنشودته الشهيرة التي افتتحت بها إذاعة “صوت العراق الحر” بثها:

“انهض يا عراق ابساع”. وعلى ضوئها عُدّ الرويعي واحداً من الأصوات المعارضة التي حملت الوطن في حناجرها حين أُريد له أن يخرس. كان ينتقل بين الأمسيات في الأردن وسوريا، حاملاً كلمته التي تتقد كلما اشتدّ الظلام.

عمل في صحيفة بغداد، يكتب عن أوجاع الناس وأثقال المنافي، وعن العراقي الذي يهرم قبل أوانه وهو يحاول ترتيب حياته بعيداً عن أرضه. شارك أيضاً في إعداد وتقديم برنامج كلايد الإذاعي، الذي صار نافذةً للقصيدة الشعبية وفسحةً يتنفس منها العراقيون صوتهم الحقيقي.

لكن المنافي، مهما اتسعت، تبقى ضيّقة على الروح. كان يعاني من ارتفاع ضغط الدم ومن آلام قديمة في قدميه، ولم يكن بمنأى عن ملاحقات النظام السابق التي طاولته حتى هناك. دخل المستشفى الإيطالي في عمّان، وخرج منه، ثم عاد في وعكة أخيرة انتهت بوفاته الغامضة مساء الثاني من آذار 2002، بعد أن طُردت أسرته وأصدقاؤه من غرفته بساعة.

كان قد تقدّم بطلب لجوء إلى كندا، ونال الموافقة بعد أيام قليلة من رحيله، لكن القدر كان أسرع من خطاه. ومضى، تاركاً في الذاكرة فراغاً لا يُملأ، وفي الأغنية العراقية فجوة لا يسدّها سوى صوته الغائب.

شهاداتٌ في حضرة شاعر

قال عنه الجواهري الكبير، وهو الذي يُتقن قياس الأصوات ووزن الشعراء:

“أشعر بغربتي حين أسمع (يم داركم)… وقد أجاد الرويعي، وليس عليه بجديد”.

أما مظفّر النواب فقال:

“هذا من صاغ النجوم (كلايد)، شاعرٌ من شعراء عودة الكلمة في العراق”.

ورأى أبو كاطع، شمران الياسري، أنه محطة أساسية في كتابة الأغنية العراقية الحديثة، وأن مؤرخ الفن الشعبي لا بد أن يتوقف عنده طويلاً.

ولد الرويعي في عائلة دينية، فأبوه من سدنة الإمام الحمزة (ع). سكن في الحيدر خانة ببغداد، وكانت غرفته ملتقى للشعراء، كأنها محراب صغير يرتاده الذين يبحثون عن ضوءٍ نادر. لُقّب بـ “أبي تمام” رغم أنه لم يُرزق بولد، وكان هذا الغياب أحد منابع حزنه الخفي، الحزن الذي ظلّ ينساب مثل ظلٍّ طويل في قصائده.

وقال عنه صديقه الشاعر عداي السلطاني:

“القصيدة كانت مولوده الوحيد، أعطته الفرح وأخذت من عمره الكثير”.

كان الرويعي يؤمن أن الشعراء الحقيقيين تولدهم المعاناة، وأن الفقد ـ حتى فقد الابن ـ يفتح نوافذ لا تُفتح بغير الدموع، ويهب القلب قدرة على الإنصات إلى آلام الآخرين. وقبل سفره بأيام قال:

“سيسافر جسدي إلى عمّان… لكن روحي تبقى في العراق، مع أهلي وناسي وأحبّتي”.

وكان يقصد شعراء ورفاقاً مثل عريان السيد خلف، كاظم إسماعيل الكاطع، مفيد الجزائري، وجواد الرويعي وغيرهم من الذين حملوا العراق في حقائب كلماتهم.

كتب قبل رحيله أبياتاً تُشبه خلاصة رؤيته للحياة ولقلوب الناس:

الصار ما هو عجب… جم صار مثله وصار

جم أخو يكره أخو… وجم جار يكره جار

بنادم أطباع الغدر… من ياكل الجمار

ينسى إحسان النخل… يرمي السعف للنار.

وعندما سُئل عن مناسبتها اكتفى بالقول:

“لها مواقف… والحر تكفيه الإشارة”.

كان يقول دائماً:

“لا أندم على قصيدة كتبتها… فهي كالوليد الذي أُرزق به”.

والندم عنده لا يكون على القصائد، بل على الظروف التي وُلدت فيها. كتب أكثر من 480 أغنية، غنّاها فؤاد سالم، فاضل عواد، سعدي الحلي، حميد منصور، وياس خضر وغيرهم من أعمدة الغناء العراقي.

ومن أشهر أعماله: يا عشكنه، يم داركم، ليلة ويوم، كلايد، عادوا الغياب، يا سفانة، سلامات.

وقد فازت قصيدته يا عشكنه بالجائزة الأولى عام 1975، وغنّاها فؤاد سالم وشوقية من ألحان حميد البصري، وظلت تُردّد كوجدانٍ شعبي لأنها تختزن ذلك الحس العراقي الذي يتذوّق الجمال رغم قسوة الحياة.

كانت المفردة عند الرويعي ليست مجرد كلمة، بل نبضة حية. كان قادراً على تحويل الأغنية إلى قصيدة نابضة بالإيحاءات والصور، قصيدة تُطرب وتوجع، تُغنّى وتُفكّر، وتعيد إلى الناس ما يخشون أن يبوحوا به. بهذا الأسلوب فتح آفاقاً جديدة أمام الشعر الشعبي، وجعل الأغنية جسراً بين الوجدان والوعي.

يا عشكنه… أغنية تشبه وطنها

يا عشكنه… فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري

من صوابيط العنب… وانحوشه عصاري

كاعنه فضه وذهب… وأحنه شذرها

وشحلاة العمر لو ضاع بعمرها

يا عشكنه… يا عشكنه

بهذه الروح كتب الرويعي، وبمثل هذه الحساسية عاش. ومع رحيله خسر الشعر الشعبي ركناً متيناً، وخسرت الأغنية العراقية واحداً من أهم صانعي جمالها. لكنه ترك إرثاً يظل يلمع في ذاكرة الناس، وفي الوجدان العراقي الذي يحول الحزن إلى غناء، والدمعة إلى مطلع قصيدة.

لقد عاش الرويعي شاعراً، ورحل شاعراً، وبقيت كلماته أوسع من غربته، وأقدر على العودة إلى وطنٍ لم يفارقه يوماً.

من مؤلفاته الغنائية:

على شط الفرات تهيم

موجات الأمل ييه

والنسمات ضيفتهم

حبهم هاللعب بيه

ما انسه هواهم دوم

ولا حبي ومنافيه

على شط الفرات تهيم

موجات الأمل بيه

صبح شط الفرات يسير

يسير بروحي مو بسهول

وصبح ورگه بحلامي

على النغمه يدگ اطبول

على هونك يا مركبنا

خلي نعيد ماضينه

على شط الفرات تهيم

موجات الأمل بيه

اريد ايطول مسرانه

على نهر الفرات ادهور

واريد الموجه تحرسنه

تحرسنه تظل ناطور

واجمع كل حلم عندي

وابنيلك حبيبي اقصور

اقصور اقصور ورديه

على شط الفرات تهيم

موجات الأمل بيه

صحينا من الهوى تونا صحينا

عقب ماصاحت الوادم علينا

محينا سطور قصتنا

حسبنا حساب عشرتنا

الورد للغير والشوك لأدينا

لمن رحنا الطريق الحب والأشواق

نسينا رواحنا وأصبحنا عشاق

بقينا نطش محبة ونحصد فراق

الورد للغير والشوك لأدينا

سحرنا بالخدود الخنبزية

صبرنا لكن الونة خفية

لسيوف الهجر صرنا ضحية

الورد للغير والشوك لأدينا

مؤلفاته:

ديوان البيرك – 1968

الفجر وعيون أهلنه – بيروت 1975

صبر الشموع – عمّان. (صدر بعد وفاته).

رحل في الأردن، ولم تُتح له العودة إلى العراق، فرافقه في غربته صديقه الوفي عادل حسن (أبو سلام). دُفن في مقبرة سحاب، حيث صار قبره شاهداً على شاعر عاش بين وطنين: وطنٍ يحمله في قلبه، ووطنٍ احتضنه بعد موت الجسد، بينما ظلت روحه معلّقة هناك… في العراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى