نبض الشارع

نبض الشارع

عبد الكريم البليخ

لم أتخيّل يوماً أن يجيء جيلٌ من المطبّلين يتفوّق علينا في الحرفة التي ظننّا أننا ختمناها. كنّا نرى أنفسنا أساتذة التصفيق والمديح، فإذا بنا نكتشف أننا كنّا مجرّد هواةٍ في زمنٍ صار فيه التطبيل علماً رقمياً له تطبيقاته وجيوشه الإلكترونية.

أنا مطبّل متقاعد، يقول أحدهم، لا أخجل من الاعتراف. كانت مهنتنا تفتح الأبواب وتمنح الأمان في “جمهورية التصفيق العظمى”، حيث الوطنية تُقاس بمدى الحماس عند ذكر “القائد”. لكل مناسبةٍ طقوسها: تصفيقٌ ناعم أمام الكاميرات، وصاخبٌ حين يُذكر الاسم المقدّس، ووقفةٌ مَهيبة حين تُرفع الصورة.

لكن الزمن تغيّر. زال الطاغية، وانهارت الأصنام، فظننا أن الضوء سيدخل العقول، غير أن الظلال بقيت أطول من الشمس. رحل المستبدّ، وبقي التطبيل. تبدّلت الوجوه واستمر الركوع ذاته؛ بالأمس باسم الوطن، واليوم باسم الدين أو العدالة، لكن الجوهر واحد: الولاء والخوف.

ظهر جيلٌ جديدٌ من المطبّلين أكثر دهاءً، يمارسون نفاقهم من خلف الشاشات. تغريدةٌ ترفع أو تُسقط صاحبها، وصورٌ تُظهر “القائد” في هالةٍ من نور. صار التطبيل ذكياً وروحانياً، يرفع الشعارات باسم الله بدلاً من الوطن، بينما الوجوه والركوع لم يتغيرا.

التطبيل غريزة بقاءٍ لدى الخائفين، لغة تودّدٍ لمن يملك العصا والجزرة. المطبّل لا يُحب السلطة بل يخشى غيابها، فهي تمنحه معنى وجوده. أما الجيل الجديد فقد جعل من المديح فلسفةً ومهنة، يتنافسون على تمجيد من لم يفعل شيئاً، لأنّ الظهور في الصورة أهمّ من الجوهر.

ورغم تقاعدي، أحنّ أحياناً إلى زمننا البطيء، زمن البيانات الرسمية والمذيع الجهوري وفرقة الدبكة الوطنية. كنّا نحتاج إلى طقوسٍ كاملةٍ لنقول إننا “نحب القائد”، أما اليوم فبضغطة زرٍّ يتحول العالم إلى جوقة تصفيقٍ افتراضي.

رحلت العهود، لكن الطبل لم يرحل. تبدّل خشبه إلى إلكترون، واستبدلت القاعات المغلقة بشاشاتٍ مضيئة، غير أنّ الإيقاع ذاته ما زال يخفق في الأعماق. كأنّ الطبل ليس أداةً، بل نبضُ الخوف المزمن الذي يسكن الذاكرة الجمعية. ما زال الحلم مؤجلاً: أن نحيا في وطنٍ لا يُصفَّق فيه لأحد، لأنّ الكرامة فيه تُقاس بالعمل لا بالضجيج، وبالضمير لا بالصوت العالي.

سيظلّ صدى الطبول يعلو الحقيقة، ثم يخفت ليعود من جديد. فالمطبّل، مهما أعلن توبته وتقاعده، يسمع في داخله نداء الطبل القديم، كأنّ الإيقاع يسكن دمه، وكأنّ بعض العادات لا تموت، بل تنام فينا هادئةً تنتظر السلطة القادمة لتوقظها من جديد.

**

أحاول كثيراً أن أجد جواباً يُهدّئ الضجيج في داخلي كلما واجهت وجوهاً من لحمنا ودمنا، لكنها غريبة. نحيا بين بشرٍ متنوّعين، لكنّ لون الغرور يُلطّخ المشهد دائماً؛ ذلك الغرور الذي يجعل الإنسان يرى نفسه أعلى من الآخرين.

كم من صديقٍ تبدّل فجأة إلى كائنٍ متعجرفٍ لا يَعرفُ الامتنان! كيف يتحوّل دفء الألفة إلى برودةٍ غريبة؟ كأنّ بيننا عهداً مكتوَباً بالحبر السري: أن نصادق حتى تذبل المصلحة.

عرفتُ أناساً ظننتهم صادقين، فإذا هم ممثلون بارعون في مسرح النفاق الاجتماعي؛ يتغنون بالأخلاق ويدوسونها حين تمسّ مصالحهم. كم هو مؤلم أن ترى من رعيتهم بكلماتك وقد طعنوك بجحودٍ بارد. يظنون أن رفعة الصوت تعني رفعة المقام، ولا يعلمون أن الكبرياء الأعمى لا يرفع صاحبه بل يُسقطه.

بعض البشر لا يحتمل رؤية الضوء في وجوه غيره؛ إن أشرق عليك حظٌّ بسيط شعروا أن الشمس خانتهم. يبتسمون وفي عيونهم رماد الغيرة، يمدّون أيديهم للمصافحة ويخفون خناجر المقارنة. أولئك معتوهون، لا لأن عقولهم غابت، بل لأنها امتلأت بالأنا المنتفخة والخوف من انطفاء بريقهم الزائف.

يتحدّثون بلسانٍ متعالٍ كأنهم أوصياء على الحقيقة، يوزّعون الأحكام بخفة، ويقيسون الناس بموازين مائلة. فإذا وُجّه إليهم نقدٌ، انتفض غرورهم وتبرّروا وكابروا.

أيها المتعاظمون على خلق الله، أما آن لكم أن تواجهوا أنفسكم؟ ما الذي يدعوكم إلى التكبّر وأنتم لم تبلغوا من المجد إلا صوره؟ الكِبر لا يرفع الإنسان، بل يُجرده من إنسانيته حتى يغدو ظلّاً بلا قلب. ما يدمّركم ليس فشلكم، بل إنكاركم له، وليس جهلكم، بل ادّعاؤكم المعرفة. أنتم من يضع التاج على رأسٍ مثقوبٍ بالفراغ ويظنّ أن الذهب يغني عن الفكر. لكنّ الزمن لا يرحم، فكلّ قناعٍ يسقط حين تهبّ ريح الصدق.

العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى تصفيقٍ ولا إعلان، بل هي سكون النفس وتواضع القلب، أن ترى في نجاح الآخرين امتداداً للجمال لا تهديداً لوجودك. أريحونا من مسرحياتكم، فقد تعبنا من التمثيل والتصفيق للفراغ. دعوا الأقنعة تسقط، فالحياة أقصر من سباق الغرور. من يتعاظم على الناس يبني حول نفسه سوراً من العزلة، وأقسى العقوبات أن تبقى أسيراً لصورتك الكاذبة إلى الأبد.

**

ما سرّ هذا الحزن الذي يُهاجمنا نحن المغتربين بلا استئذان؟ سؤالٌ يطرق القلب كلما أطلّ المساء على غربةٍ موحشة، فيوقظ ما نظنّه مات من الحنين. نحمل أوطاننا فينا لا على الخرائط؛ نحمل وجوه أحبّتنا وطرقاتنا القديمة وحتى الحجر عند عتبة الدار. ومع ذلك، يظل الحزن سيد الموقف، لأنه الوجه الآخر للفقد، وللوطن حين يتحول إلى ذاكرة.

قد يكون الحزن جميلاً، لأنه يجمعنا بأطياف من نحبّ، وهو مرآة الفراق التي نرى فيها أنفسنا بين ما كنّا وما صرنا إليه. نسأل: لماذا تفيض كتاباتنا بالحزن؟ ربما لأن الدمع أصدق من القول، ولأن القلوب التي ذاقت الغربة تعرف أن الحزن وطنٌ ثانٍ لا يحتاج إلى جواز سفر.

كلّ أغنيةٍ تمرّ تعيدنا إلى ماضٍ لم يبرح مكانه، إلى وجوهٍ غابت وأصواتٍ خفتت. ذلك هو سرّ الحزن الذي يسكننا، لأنه جزءٌ من إنسانيتنا. نحن كائناتٌ خُلقت لتتذكّر، والذاكرة حين تفيض تصير بكاءً صامتاً على هيئة حنين. ومع ذلك، يبقى الأمل في أول ضوءٍ يلوّح من بعيد، في أهلنا الذين يزرعون الغد بالأمنيات. فربّما يكون الحزن طريقاً إلى الفرج، إذ لا يولد الفرح إلا من رحم الألم.

**

كثيرون يخشون المشاركة أو حتى الضغط على “إعجاب”. ليس الأمر كسلاً، بل خوفٌ أو غيرة؛ كأنّ الاعتراف بجمال منشورٍ يُنقص من قيمتهم. صار التفاعل يُقاس بعدّادات الحسد، والودّ يُحاصر بالريبة.

نرى صفحاتٍ مهجورة، أصحابها يُبررون صمتهم بأنهم “في الداخل” والحذر واجب. لكنّ الحقيقة أعمق: إنها رقابة داخلية زرعتها السلطة في النفوس حتى غدت عادةً مزمنة. والأدهى أن هؤلاء يتحدثون في مجالسهم عن الوعي والشجاعة، لكن حين يُطلب منهم موقفٌ علنيّ يصمتون، متفرّجين خلف الشاشات!.

في المقابل، هناك من يكتبون بصدقٍ وشجاعة، لا يملكون سوى الكلمة، لكنهم أحرار. هؤلاء لا يخافون لأنهم يعيشون بضميرٍ لا بمواربة.

فماذا يريد الصامتون؟ أهو الخوف من السلطة أم من أنفسهم؟ إنّ هذا الصمت المبرَّر بالحذر هو خيانةٌ صامتة؛ فالمجتمعات تُبنى بالمشاركة لا بالمراقبة، وبالصدق لا بالكتمان.

“فيسبوك” ليس مجرد مرآةٍ افتراضية، بل اختبارٌ للضمير والجرأة. ومن يختار الصمت خوفاً أو حسداً، ينسحب من معنى الحياة، لأنّ من لا يجرؤ على قول ما يؤمن به لا يعيش، بل يختبئ من نفسه.

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى