باليت المزمار

باليت المزمار .. رائحة كعك الجبل

ستار كاووش

توقفتُ وسط مدينة كولن، متأملاً وجوه النساء الجميلات اللواتي يعبرن بخطوات واثقة من ساحة السوق الجديد نحو شارع شيلدرغاسه الذي يعتبر قلب المدينة النابض بالحركة والحياة، وقد انشغل الكثيرون خلف زجاج المقاهي الصغيرة بشرب القهوة مع قطع صغيرة من (كعك الجبل) الذي ملأت رائحته الطيّبة كل المكان، فيما فضلَّ آخرون التوجه لأحد الأفران الصغيرة وشراء كعك (بريزل) بشكله الطريف الذي يشبه حلقات صغيرة تتداخل مع بعضها وتُكوِّن شكلاً يقترب من شكل القلب، ثم يختارون  إحدى الأرائك للجلوس والتمتّع بقرمشة هذا الكعك الذي يُشبه أساور ذهبية، وقد ذكرني بالچرك العراقي.

بضع خطوات داخل الشارع كانت كافية لرؤية ماهية الحياة هنا، حيث تجمّع العشاق الصغار على الجانبين وملأوا المكان بعطر قبلاتهم التي لا يريدون لها التوقف. ما زال الوقت مبكراً لإختيار مكان للجلوس، فمضيتُ أتأمل ملامح الشارع الذي بَدى بمظهره الرائق الشهي مثل امرأة جميلة، لكنه من ناحية أخرى كان يشبه كتاباً أيضاً، حيث كل جانب وتفصيل يحكي لك حكايته ويروي قصص الناس الذين ينبثقون هنا مثل الزهور، أو حتى الذين زاروا المدينة وما زال وقع أقدامهم على الطريق. في هذا الشارع يجتمع الجمال مع التقاليد وينسجم التاريخ مع الحداثة، ويختلط اليوم مع الغد، هنا تتداخل ملامح البهجة التي تُقَرِّبُ ناساً من مختلف الأعمار، شباباً وشيوخاً من أجيال مختلفة. هذا ما تقوله الشوارع الجميلة، وهذا ما تُفصحَ عنه المدن الحيَّة التي لا تتوقف فيها الحركة.

ولأن الحياة جميلة وحانية إذا عرفنا كيف نعيش فيها وننسجم معها، فها أنا أرى كيف أن الحياة ذاتها ترمي شباكها في هذا الشارع، لتلتقط الناس وتضعهم في بوتقة واحدة. حتى شعرتُ بأني جزء من هذا المكان المكتظ بعازفي الشارع الذين تصدح موسيقاهم وتغلف وجوه المارة بمرح. عازفان هنا وثلاثة هناك، وفرقة جوّالة تتوسط الشارع وتنثر نغماتها كالحلوى، فيما عازف فلوت مسن يقف وحيداً بلحيته البيضاء، يقرب قدميه من بعضهما ويعزف موسيقى فيلم (حدث ذات يوم في أمريكا)، وقد امتلأت قبعته التي استقرت على الأرض ببعض القطع النقدية، وبدا الرجل بنظرته الذابلة كَمَّن يحمل حنيناً خفياً الى فترة الثمانينيات الذهبية، وهو محق في ذلك. عموماً كل يُغني على ليلاه كما يقولون، وهؤلاء البهيميون الذين يجلبون الفرح للمدينة، تُكمن ليلاهم في قناني النبيذ التي سيشترونها بعد حصولهم على بعض النقود عند نهاية وصلاتهم المرحة.

فكرتُ بالبقاء في هذا الشارع الذي اختصر لي حياة كاملة. مع ذلك أكملتُ جولتي نحو الجهة الأخرى من المدينة، حيث أخذتْ نغمات الموسيقى تتباعد خلفي. وما أن مضيت قليلاً حتى انفتحت أمامي بعض الشوارع الصغيرة التي أخذتني في النهاية الى كولن القديمة، حيث ساحة أوسترمان الواسعة المليئة بالمقاهي والمطاعم، ففكرت باختيار مكان للجلوس، لكني أجلتُ ذلك قليلاً بعد أن لاحت لي جادة صغيرة وضيقة تتفرع من الساحة وتُفضي لمكان مزدحم، مليء بالأصوات والحركة، فمضيتُ الى هناك لأرى ماذا تُخفي تلك الجلبة، فوجدتُ نفسي وسط باحة صغيرة تشبه الحوش، بدت مغلقة ومحاطة ببعض الحانات الصغيرة التي امتلأت بالكثير من المحتفلين الذي توقفوا بمجموعات قرب طاولات مرتفعة استقرت على محيط الفناء. ألقيتُ نظرة على المكان، وقبل أن أخرج باحثاً عن مقهى مناسبة، تسمرتُ في مكاني بعد أن انبثقت وسط هذه الباحة تحفة فنية ساحرة جعلتني أقرر قضاء بقية يومي معها. والحقيقة هي أن جمال هذه اللحظة جعلني كمن يبدأ يومه هنا بدلاً من أن يُنهيه.

اقتربت من هذه التحفة النادرة التي تُسمى (نافورة أوسترمان)، والتي تُعيد لنا واحدة من أجمل حكايات الفن والإبداع الذي يتجاوز الزمن، حيث اجتمع فيها الجمال والوفاء والفطنة والطرافة، إضافة الى الشخصيات المبتكرة. وقد أنجز هذه النُصب الجميل النحات ويلي كلاين سنة ١٩٣٨، بمادة الحجر الجيري الذي جُلِبَ بشكل خاص من بافاريا. والنصب هو تخليد للمغني وكاتب الأغاني الشعبية الشهير ويلي أوسترمان (١٨٧٦-١٩٣٦) والذي سُميت الساحة الكبيرة باسمه أيضاً. ويكمن جمال هذا العمل في شخصياته الرائعة التي تمثل أشخاص الأغاني التي غناها أوسترمان، بكل ملامحها وعذوبتها التي أحبها الناس من خلال الأغاني، وقد نُقِشَ أسفل العمل (السعادة والجمال في كولن)، فيالها من طريقة مبتكرة جمعت الفرح والموسيقى والناس الذين شكلوا روح هذه المدينة. هكذا تحولت النافورة الى ينبوع للحب والأيام التي مرت بسرعة وبقي بريقها يملأ قلوب الناس.

كانت كل أغاني أوسترمان تتحدث عن نهر الراين والنساء والنبيذ وجمال مدينة كولن. وما زال الكثير من المغنين يُعيدون غناء أغانيه المرحة، واحياناً يُضيفون لها بعض الكلمات التي تتلاءم مع العصر، ومنها (إذا أرادت النساء الزواج، جميلة على نهر الراين، هل رأيت كاترين؟، يمكن لجميع الفتيات التقبيل، وغيرها الكثير. حتى أسماء أغانيه تقول الكثير عن شخصيته وحب الناس له. وبعد وفاته تم إنشاء قبر شرفي له بمقبرة ميلاتن قرب نهر الراين الذي أحبه. كما يوجد له الكثير من التماثيل بأماكن عديدة، إضافة الى اللوحات المختلفة التي رسمها له العديد من الرسامين الألمان.

تُرى ما الذي يجعل الناس عظماء؟ وما الذي يحمي أرث الآخرين من الضياع؟ والأهم من ذلك ما الذي يمنح الفن كل هذا الكمال والجاذبية والرفعة؟ والجواب ببساطة: الناس هم ذاتهم من يفعلون ذلك، والبلدان ذاتها، والمدن الحقيقية التي تعرف كيف تُحب الأرض والناس والغناء والفرح.

كاتب وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى