جبران تويني: عشرون عاماً على اغتيال الجسد والصوت أعلى

لم يكن جبران تويني مجرّد اسم في سلالة صحافية عريقة، بل امتداداً حيًّا لفكرة آمنت بأن الكلمة قدرٌ لا مهنة. وُلد في بيت «النهار»، حيث تحوّلت الصحافة إلى التزام وطني، وحيث صارت الحرية فعلاً يومياً لا شعاراً موسمياً. حمل إرث غسان تويني لا كظلٍّ ثقيل، بل كمسؤولية مضاعفة، فاختار أن يكون صوته عالياً في زمن الخوف، وواضحاً في زمن الالتباس. كتب، وخطب، وواجه، ودفع الصحافة إلى حدودها القصوى دفاعاً عن السيادة وحق اللبنانيين في دولة حرّة. مثّل لبنان في المحافل الدولية، وناضل من أجل حرية الصحافة عربياً وعالمياً، مؤمناً بأن حرية الكلمة لا تتجزأ. وفي البرلمان كما في الجريدة، كان شاهداً ومشتبكاً، لا مراقباً محايداً. اغتيل في 12 كانون الأول 2005، في ذروة انتفاضة الاستقلال، فظنّ القتلة أنهم أوقفوا المسار. بعد عشرين عاماً، يتكشّف المعنى الأعمق: الجسد غاب، لكن الصوت لم ينخفض. بقي جبران تويني جزءاً من الذاكرة الوطنية، ومن ضمير الصحافة الحرة. هو من الذين رحلوا لأنهم سبقوا زمنهم، وتركوا لمن بعدهم عبء الاستمرار.
المزمار العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نايلة تويني

الرقم 20 رقم دائري، يعتبره البعض أجمل من الرقم 19 أو 18. ويقول البعض إنها ذكرى، أي من الماضي، فلا يهتمّ للرقم إلا بقدر ما يكون جميلاً. لا يدرك الجميع أن الماضي هو الحاضر، وهو المستقبل. لا يمكننا تجاوز الماضي، بل أحياناً عقد الماضي التي تؤثر في حياتنا. الحنين لا يرتبط بالزمن. قد تختلف أشكال التعبير عنه، لكن الحزن والألم يحفران عميقاً في الإنسان. هذه هي الحال مع من نحب. لا يفارقنا الأحبّة. يسكنون في زوايا منازلنا، والأهمّ في زوايا القلوب.
وكيف الحال إذا كان الكلام عن كبار استشهدوا من أجل قضية؟ فهل يطويهم زمان أو مكان؟ لا تزال أسماء بشارة الخوري ورياض الصلح وغيرهما شاهدة على التاريخ، متجذّرة في حاضرنا. ومن بعدهما تأتي أسماء كثيرة: الرؤساء بشير الجميل ورينه معوض ورفيق الحريري… ولا مجال للتعداد، لأن اللائحة تطول. يكفينا أن نذكر شهداء انتفاضة الاستقلال، التي دفعنا في “النهار” ثمنها غالياً؛ بداية مع محاولة اغتيال مروان حمادة، ثم اغتيال سمير قصير، وبعده جبران تويني.

مع جبران، الذي نقيم ذكراه اليوم (12-12-2005)، تختلط المشاعر الوطنية بالمشاعر المهنية، مع المشاعر العائلية. وقد ذكرت العائلية في آخر اللائحة، حتى لا أحصر جبران في عائلتنا الصغيرة، أو حتى في عائلة “النهار”، لأن جبران كان أوسع مدًى، على امتداد الوطن، وأوسع في الجغرافيا، إذ ناضل مع الاتحاد العالمي للصحف في معارك حريات تتصل بالمهنة والإنسان المعذب والمضطهد والملاحق، وبالصحافي الذي يطمح دوماً إلى مساحة أكبر من الحرية.
مع جبران يصبح الماضي هو الحاضر. فالحريات التي ناضل من أجلها هي قضية كل مكان وزمان. وجبران، الذي رحل قبل 20 سنة، لا يزال ينبض في قلوب عارفيه ومحبيه. ولعلّ ما يفرحنا في هذا المجال أن كثيرين، ممن هم دون العشرين من العمر، يسألون عنه، ويطلبون مقالاته وصوره، ويقصدون نهاره للتعرف عليه من قُرب. وجبران حاضر بقوة في “النهار”، التي أرادوا إسكاتها، فتحدّتهم، وتوسّعت، ونمت، وكبرت، وحلّقت محققة ذاك العنوان التاريخي، الذي خطه غسان تويني لعدد 13-12-2005: “جبران تويني لم يمت والنهار مستمرة”.
“نهار” غسان وجبران وكل الشرفاء والوطنيين والأحرار تحدّت الموت والقهر، وحققت نجاحات على مستوى العالم، فحصدت الجوائز العالمية، وقبل ذلك في العالم العربي، فأصدرت مطبوعتها في دولة الإمارات العربية المتحدة، في الوقت الذي تطمح فيه إلى دول وعواصم عربية أخرى.
و”النهار” عزّزت إمكاناتها البشرية، وتعاونت مع كبريات الشركات العالمية لإعادة الهيكلة والتنظيم، بما يليق بتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وأثبتت وجودها في عالم التواصل الاجتماعي، وفي مسيرة التحديث على كل المستويات.
هي “النهار” التي طمح إليها جبران، والدي. وقد أعدنا ترميم المكاتب بأبهى حلّة، بعدما كان صمّمها وحقّقها لتكون من الأرقى على مستوى العالم، قبل أن يصيبها انفجار مجرم في 4 آب 2020، حاصداً مئات الضحايا ومدمراً آلاف الممتلكات
جبران، في عيدك العشرين، ولا أقول في ذكراك، نحتفل معاً بكلّ الحب الذي زرعته، بكل الاندفاع الذي عشته، بكل الجرأة التي واجهت بها التحديات، بكل الوطنية التي رافقت مسيرتك، بكل العشق للصحافة التي خضت معاركها.
جبران والدي: العشرون رقم مثل كل الأرقام، لا يعني قِدماً أو عتقاً، بل مزيداً من التصميم، من الإرادة، ومن المثابرة، ومزيداً من الحب، من العشق، من الوفاء.
رئيس تحرير صحيفة النهار
…………..
عشرون جبران: الله كبير!
علي حمادة

في الذكرى العشرين لاغتيال جبران تويني لا تحضرني الذكريات فقط، ولا الحزن وحده الذي سكنني عند رحيله، وكنت أعرف في قرارة نفسي أن النهاية ما كانت لتختلف عمّا حصل صبيحة يوم الثاني عشر من كانون الأول ٢٠٠٥. فقد كان جبران طوال أعوام على موعد مؤجّل مع الموت. ولذلك ما إن ذاع خبرعملية اغتيال على طريق منطقة المكلس في قضاء المتن بعد يوم على عودتنا معاً من باريس، حتى أدركت أنهم نالوا من جسده. وبكلّ هدوء نهضت لأجهّز نفسي لملاقاة هذا القدر القاسي. قلت لمن كانوا حولي “هيّا انهضوا فلقد قتلوه”.
في ذلك الحين تذكرت ردة فعلي الأولى في الرابع عشر من شباط ٢٠٠٥ بعد مغادرة رفيق الحريري مقهى “ليتوال” قبالة مبنى مجلس النواب حيث كنّا مجموعة مع الزملاء جلسنا لآخر مرة معه قبل أن نودّعه لنسمع بعد خمس دقائق انفجاراً ضخماً ودخاناً يتصاعد في البعيد من بين المباني، فيما كنّا نقف أمام المقهى في ساحة النجمة. يومها قلت لزميلين كانا بجانبي: “يلا فلنذهب، هيدا رفيق الحريري”.
في المرتين كان حدسي في مكانه. فقد كنت مقتنعاً في العمق بأن لا جبران تويني ولا رفيق الحريري سيتخطيان التحدي الجسدي. فالعدوّ الذي نال منهما أدرك مثلما أدرك باستهدافه ثلة من كبار الوطن قبل وبعد ١٤ شباط ٢٠٠٥ أن المطلوب تركيع البلد من خلال قتل رموز الاستقلال الثاني، كلّ في موقعه المؤثر في الرأي العام.
لما خرجت جنازة جبران من مستشفى القديس جاورجيوس كنت لا أزال متماسكاً وهادئاً إلى حدّ الجمود إزاء هذا المصاب الذي لا يوصف. في السيارة خلف النعش جالت جنازة جبران في شوارع الأشرفية لكني لم أتمالك نفسي فيما كنت أنظر من خلف الزجاج إلى نساء الأشرفية بالأسود ينثرن الأرز والزهور من شرفات المنازل القديمة. لم أتمالك نفسي وأنا أنظر إلى أولئك النسوة ينتحبن على شبابه ووسامته، وشجاعته، واستقامته، ووطنيته. تلك كانت المرة الثانية التي أجهش فيها بالبكاء من دون انقطاع. ولما سئلت لماذا بكيت قلت بكيت من شدة تأثري أرى نساء الأشرفية يجهشن من الشرفات التي كانت الجنازة تعبر تحتها. كنت أعرف أن بعضهن عرفنه، وأن بعضهنّ الآخر لم يعرفنه شخصياً.
كنّا معاً في الأيام الأخيرة في باريس. وكنت من بين الذين نصحوه بإلحاح بعدم العودة إلى بيروت. ومع ذلك كان موعده مع الموت أقوى من كل النصائح. وعدنا معاً إلى بيروت.
عقدان على رحيل ابن الأخت جبران وكأنه لم يغادرنا. ففي كل زاوية من زوايا حياتي بعده الكثير من حياتي قبل أن يرحل. وعلى الرغم من أننا مررنا بتحديات هائلة لم نتزحزح عن مسارنا الأول الذي مشينا فيه معاً، ونحن مستمرون كما في اليوم الأول.
اليوم وبعد مرور عشرين عاماً، لا يسعني سوى القول إن غياب جبران تويني لا يعوَّض لكن العدالة الإلهية ربما عوّضتنا بعض الشيء في العام الماضي وثأرت لنا تباعاً في لبنان وسوريا! الله كبير!
……….
«عشرون» جبران تويني الذي مضى في طريقه حتى النهاية
تكريم موسيقي أعاد قراءة كلمته ومكانته في الوجدان اللبناني
فاطمة عبد الله

كان اسم جبران تويني يسبق صورته دائماً. كان يُشبه صوتاً يمشي أمام صاحبه، وجملة تتقدَّمه نحو الساحة التي لا يخشاها. 20 عاماً مرَّت على اغتيال رجل لم يعد ممكناً اختزاله في جريمة أو زمن سياسي. بقي، رغم رحيله، جزءاً من المفردات التي تتردَّد كلما عاد السؤال عمّن يملك شجاعة الكلام في بلد اعتاد أن يدفن أصواته. في ذكراه العشرين، كان الاحتفاء به مواجهة متجدّدة مع معنى أن يصرّ أحدهم على قول «لا» في مرحلة انتشرت فيها الـ«نعم» الرخوة.
بهذه الروح، دخل الحضور إلى «الكنيسة الكبّوشية» في وسط بيروت. جدرانها العتيقة تلقَّت الإضاءة التي صمَّمها أمير توما، والخرائط الثلاثية البُعد التي أعدَّها إميل عضيمي، فتحوَّلت صفحاتٍ تُقلَّب أمام الأوفياء للراحل. لكنّ المعنى الحقيقي ظلَّ مرتبطاً باسم الشخص الذي اجتمعوا لأجله… ابن بيروت الذي لم يُساوم على رأيه.
وقفت ميشيل تويني أمام الحضور السياسي والثقافي والإعلامي لتُعيد تركيب صورة والدها من جديد. روت أنه حين سُئل ذات يوم «مَن أهم زعيم بالنسبة إليك؟» فأجاب: «الشعب اللبناني». بدت العبارة في سياق اللحظة سؤالاً للحاضرين أكثر مما هي إجابة قديمة. أين صار هذا الشعب بعد 20 عاماً؟ سألت السؤال نفسه، ثم أجابت بأنّ كثيراً تغيَّر… أنظمة سقطت؛ تماماً كما قال جبران إنّه لا مستقبل لها في هذا الشرق. ذكرت سمير قصير، والحرب الأخيرة على لبنان، والجنوب الذي دُمّر مجدداً، وعادت إلى كلمات والدها: «كلّ لبناني يسقط هو شهيد، حتى لو اختلفتُ معه في الرأي»، و«الأوطان لا تُبنى بالتخوين». كلمات أكثر من اقتباسات… حوار مؤجَّل بين جيلَيْن.
ظهرت على جدران الكنيسة صورة غسان تويني. ظِلُّ الرجل الذي وقف يوماً في الأمم المتحدة وقال: «دعوا شعبي (يعيش)»، بدا كأنه يطلّ من فجوة بين تاريخَيْن يتقاطعان ولا يتصالحان. قرأ الممثل رفيق علي أحمد بنبرته العميقة مقالات غسان بعد اغتيال جبران، خصوصاً نصّ «دفن الأحقاد». كيف يمكن لرجل دَفَن عائلته فرداً تلو الآخر أن يدعو إلى إسقاط الكراهية ورفض تعميقها؟ الوجع شهادة إنسانية تُظهر طبقة أخرى من الحِداد؛ طبقة الأب الذي لا يملك سوى كلماته ليُواجه ما تبقّى له من العالم.
في الكنيسة نفسها التي وقف فيها الإمام موسى الصدر عام 1975 ليدعو إلى الانفتاح قبل سقوط البلاد في الحرب، خاطبت ميشيل تويني الحضور السياسي بوضوح… قالت إنّ «كلّ لبناني خسر شهيداً أو بيتاً»، وإن الوقت حان للخروج من منطق التضحية غير المنتهية، معلنة الإيمان بالدولة التي تحمي الجميع. تجاوزت كلماتها تكرار خطاب قديم إلى محاولة لتسمية ما يتجنَّب اللبنانيون الاعتراف به، وهو استمرار دورة الألم لأنّ أحداً لم يضع لها سقفاً بعد.
ثم سلَّم المايسترو لبنان بعلبكي الأمسية للموسيقى. جوقة جامعة «سيدة اللويزة»، التي يرأسها الأب خليل رحمة، وقفت خلف الأوركسترا، فيما الإضاءة تتبدَّل على الحجارة. تردَّد صوت جبران في الكنيسة… أحاديثه عن الحرّية، «قَسَمه» الشهير، لقطاته، ثم قراءة قصائد ناديا تويني بصوت جوليا قصّار. كانت نصوص الأم التي فقدت عائلتها تُقرأ فوق جدران شهدت تاريخاً آخر. الكلمات التي كتبتها عن الموت والوطن شكَّلت تذكيراً بأنّ اللغة أحياناً هي السلاح الوحيد المُتاح.
جلس ميشال فاضل إلى البيانو ليعزف «ماي واي» لفرانك سيناترا؛ الأغنية التي أحبَّها جبران. كانت المفاجأة تسجيلاً بصوته وهو يُغنّيها. بدا كأنّ الرجل يعود ليُعلّق على حياته الخاصة. فقد اختار طريقه، ودفع ثمنه، وظلَّ مُخلصاً لخياراته حتى اللحظة الأخيرة. الأغنية التي تتحدَّث عن السير في الطريق نفسها مهما كانت مُعقّدة، بدت أقرب إلى سيرة ذاتية مُستترة.
توالت المقطوعات: موسيقى «غلاديتور» التي غنّاها بافاروتي بصوت التينور بشارة مفرج، ثم «ميس الريم» لزياد الرحباني بتوزيع جديد من ميشال فاضل. وغنَّت سمية بعلبكي «خدني ازرعني بأرض لبنان»، فيما صوت جبران يعود إلى ذكرى قديمة في فرنسا عام 1976، حين قال إنّ الأغنية تُعذّب المغتربين لأنها تُذكرهم بالأرض التي تركوها، لكنها تمنحهم في الوقت نفسه رابطة لا تنقطع.
اختُتمت الأمسية، التي نظَّمتها «مؤسّسة جبران تويني»، بأغنيات «أومن» لفيروز والأخوين، و«إيماني ساطع»، و«عم بحلمك يا حلم يا لبنان». تراءى الختام طبقة أخرى من الذاكرة وُضعت فوق ما سبقها. بدا الحاضرون كأنهم يخرجون من الأمسية لا بما يُخفّف ثقل السنوات؛ وإنما بما يؤكد أنّ هذه السنوات نفسها لم تهدأ بعد. أسئلة البلد مُعلّقة، واستحضار جبران تويني أكثر من استعادةٍ للماضي… إنه تذكير الحاضر بأنه لم يتقدَّم بما يكفي كي يطوي تلك الصفحة.




