ذكاء ونزاهة طبيب

الكلمة العادلة ميزانٌ دقيق، تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع انسجامه، وللخير مساره الطبيعي
فواز عويد خليل

في بدايات التسعينات من القرن الماضي، وبينما كنت أعيش زخم الشباب وثقته المفرطة بالجسد، أصبتُ بآلام مبرّحة في أسفل الظهر، نتيجة حملٍ ثقيل تناولته بطيش، دون اكتراث بحدود الجسد أو حُرمة العظم والعضل. كان الألم يومها رسالة مبهمة، تطرق بابي بإلحاح، ولم أكن أحسن قراءة لغتها بعد.
راجعتُ أوّل الأمر الدكتور المحترم، الأخصائي بالعظمية عبد القادر عبد الجبار في حلب الشهباء. وبعد فحص دقيق وصور شعاعية واضحة، أخبرني بوجود انقراصٍ في الفقرتين الرابعة والخامسة، ونصحني بالراحة التامة، محذّراً من حمل أي ثقل مهما صَغُر، ولو كان لا يتجاوز كيلوغراماً واحداً. لكنّ الإنسان كثيراً ما يتوهم أن الإرادة قادرة على تجاوز حدود الطبيعة، فعدتُ إلى ممارسة الرياضات العنيفة وحمل الأثقال، معتقداً أنّ القوة هي العلاج، وأن الألم مجرد عائق عابر يمكن قهره. وما كنت أدري أن الألم حين يُهمَل يتضاعف، وحين يُكابر عليه الإنسان يزداد تشبثاً بالجسد، حتى يصبح سيداً صارماً لا يرحم.
تطوّرت الآلام شيئاً فشيئاً، حتى بلغت الفخذين والساقين، مصحوبة بخدرٍ في أصابع القدمين، وصار الوقوف والسير مشقةً بالغة، كأنني أحمل أثقال العالم كلها في ظهري.
راجعت بعدها الدكتور الأخصائي سعيد حمدون في حلب مجدداً. وبعد فحص وصور جديدة، أبلغني بوجود انقراص شديد في الفقرتين الرابعة والخامسة، مع فتق نواة لبّية، مؤكداً أنني بحاجة ماسّة وعاجلة إلى عملية جراحية، وأن التأخير قد يفضي مستقبلاً إلى شلل في إحدى الساقين أو كلتيهما، لا قدّر الله. كانت كلماته كجرس إنذار عالٍ، يوقظ داخلي خوفاً لم أعرفه من قبل؛ خوف من العجز، ومن أن تنفلت الحياة من بين يديّ بلا حولٍ ولا قوة.
ولأنّ رهبة العمل الجراحي سكنت صدري، ولأن الإنسان حين يواجه احتمال العجز ينكمش قلبه ويرتبك يقينه، قصدتُ الدكتور الأخصائي عبد الله المروّح في حلب أيضاً. عرضت عليه تقارير الأطباء وصوري الشعاعية، فدرسها بعناية، ثم أكّد ما سبق، مضيفاً بنبرة واثقة أن العملية ضرورة لا تحتمل التأجيل. وأوصاني بمراجعة الدكتور الجراح محمد مقصود، مشيراً إلى مهارته وخبرته، وطلب مني إجراء صورة طبقي محوري لدى مخبر الدكتور عصام زيتوني، لأصطحبها معي توفيراً للوقت.
كان ذلك زمناً لم تكن فيه التكنولوجيا الطبية ميسورة كما هي اليوم؛ كل خطوة كانت تُعدّ عبئاً مادياً ومعنوياً، يثقل النفس كما يثقل الظهر الموجوع. ومع ذلك، أجريت الصورة كما طُلِب مني، وتوجهت صباح اليوم التالي إلى عيادة الدكتور محمد مقصود.
استقبلني الطبيب الجراح بترحاب هادئ يحمل ملامح الثقة والنبالة. عرض الصور على الماسح الضوئي، وتفرّس فيها مليّاً، ثم شرع يفحصني: طلب مني السير على العقبين، فكدت أعجز. ثم السير على أصابع القدمين، فكان الأمر أشقّ. ثم الانحناء حتى تلامس أصابعي أصابع قدمي، ففعلت بصعوبة. تنهد الطبيب بعدها تنهد العارف بشيء لا يعرفه المريض، ثم التفت إليّ وقال:
ــ من كتب لك تقرير الطبقي المحوري هذا؟
قلت: الدكتور عصام زيتوني.
سأل مجدداً: هل كتبه بنفسه؟
أجبته بأنني لا أعرفه شخصياً، وأن الشخص الذي كتب التقرير كان شاباً لم يتجاوز الثلاثين. تبسّم ابتسامة خفيفة، وهزّ رأسه بتذمّر مكتوم.
سألته بقلقٍ يتصاعد: ما الأمر يا دكتور؟ وظننتُ أنه سيطلب مني إعادة الصورة، وهو ما كنت أخشاه لما فيه من كلفة وإرهاق.
لكنّ المفاجأة كانت أعمق مما توقعت؛ قال لي بهدوء الطبيب الواثق:
ــ هذا التقرير لا علاقة له مطلقاً بالصورة، ولا يمتّ لها بصلة. لقد كتبه طالبٌ متدرّب، وهذا خطأ مهني فاحش. وسأبلغ الدكتور عصام بذلك.
ثم التفت إليّ بنبرة تحمل صدقاً يطمئن القلب:
ــ أنت لا تحتاج إلى عملية جراحية أبداً. صحيح أنك تعاني من فتق نواة لبّية، لكنه من جهة البطن، لا من جهة الظهر، ولذلك لا يمكن إجراء العملية أصلاً. علاجك فيزيائي ودوائي فقط.
كان صوته يومها كنسيم بارد يهبّ فجأة على صدر يتلظى خوفاً. أحسستُ وكأن ثِقَل العالم قد انزاح عن ظهري.
سألني: هل كنت تمارس الرياضة ثم تركتها؟
قلت: نعم.
قال: أي نوع من الرياضة؟
قلت: كنت أمارس بعض حركات الجمباز الخفيفة والمرجحة على الثابت، والسباحة أحياناً.
قال: حاول استعادة نشاطك الرياضي، لكن بلا عنف أو إجهاد. والسباحة خير دواء لك.
كتب لي بعض المهدئات والمقويات العصبية، فشكرته بحرارة، وخرجت من عيادته خفيف الروح، كأن نصف الألم قد غادرني في تلك اللحظة.
ومنذ ذلك اليوم، عدت إلى الرياضة الهادئة والسباحة بين حين وآخر، فزالت الآلام المبرّحة تماماً، وعدت إلى حياتي الطبيعية بفضل الله أولاً، ثم بفضل ذكاء ذلك الطبيب ونزاهته وإنسانيته.
واليوم، بعد كل تلك السنوات، ما زلت أذكر الدكتور محمد مقصود بامتنانٍ عميق، وأدعو له أن يجزيه الله عني خير الجزاء، وأن يجعل صدقه وأمانته في ميزان حسناته.
محام وفنان تشكيلي سوري




