“عندما يموت الضوء” لـ جورج عازار.. قصائد تسائل الوجود وتقاوم انهيار المعنى

صور الخراب تتحول إلى أسئلة وجودية
د. آمال بو حرب

يأتي ديوان “عندما يموت الضوء” للشاعر السوري جورج عازار في سياق الشعر العربي المعاصر المثقل بتجارب الحرب والمنفى والاغتراب والذاكرة الجريحة ويقدّم نفسه سجلاً للمعاناة ومرآةً للواقع المأزوم وفي الوقت نفسه فضاءً لإعادة مساءلة الإنسان عن المعنى والنجاة في عالم مهدّد بالانهيار.
شاعر يكتب من تربة القرية والحقل والأب وشجرة التوت والتراب السوري، ينقل هذا العالم الأول إلى فضاء الغربة، ويصوغ من خلاله شعرية تقوم على التوتر بين الحنين والخراب يغدو الشعر عنده ساحة يقف فيها الكائن الإنساني بين التذكر والنسيان، وبين محاولة إنقاذ الضوء وتسجيل لحظة موته.
وفي هذا الأفق تبرز قصائد الديوان بوصفها فضاءً تتقاطع فيه حركة الفعل القلق مع صور مثقلة بالانكسار، ويتصدر العنوان “عندما يموت الضوء” باعتباره عتبة رمزية تفتح النص على أسئلة الوجود والعدم. فالعنوان لا يكتفي بالإشارة إلى فقدان النور لكنه يعلن انهيار شرط الرؤية نفسه، ويضع الذات في مواجهة غياب شامل يطلب من الشعر أن يعيد تكوين المعنى.
اللغة ترمّم العالم
تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الديوان يعرّي شروط الخراب، ويجعل من الشعر مجالًا لمقاومة الانطفاء الداخلي بلغة قلقة ومكثفة. كما أنه يكتب من موقع ذات لا تمتلك يقينًا نهائيًا، لكنها تمتلك قدرة دائمة على التساؤل وإعادة تركيب العالم في اللغة، ولو على هيئة شظايا.
ولكن كيف نجح جورج عازار في بناء نص شعري يعبُر بالقارئ نحو معنى يتولد من مواجهة القلق والخراب؟ وكيف استطاع، عبر أدواته الشعرية ورؤيته الجمالية، أن يخفّف من حدّة هذا الخراب أو يلتف عليه ليجعل من القصيدة أفقاً للمقاومة وإعادة بناء المعنى؟
من خلال قراءة عميقة لما كتبه الشاعر نلاحظ أن تجربته الشعرية تتأسس على صدق إنساني واضح، فهو يكتب من داخل الحياة ومن تربة الذاكرة والقرية والأب والحقل وشجرة التوت والتراب السوري يسكنه النص يجعل الشعر أوكسجيناً للحياة ووسيلة للتنفس وسط ضغط الحرب والمنفى ويمنح التصور للشعر بوصفه ضرورة وجودية، قصائده نبرة اعتراف وتأمل تجمع بين البساطة في الظاهر والعمق في الباطن.
يحمل عنوان الديوان “عندما يموت الضوء” طاقة مأساوية تتجاوز الإخبار إلى إعلان انهيار رمزي شامل. فالضوء يرمز إلى الأفق الذي يمنح العالم قابليته للمعنى واليقين والشفافية والعدالة وإمكان الخلاص أما موته فيعلن انهيار الانكشاف ذاته، ويضع الذات في مواجهة وضع جديد ينهار فيه شرط الرؤية وشرط الفهم، فتتحول القصيدة إلى محاولة لإعادة بناء المعنى في واقع فقد كثيرًا من يقيناته.
سيميائياً، يبني الديوان شبكةً واسعة من الأفعال التي تشكّل الهيكل الحركي للذات، وتكشف عن قلقها الداخلي وتوترها الوجودي. فلا تُستثمر الأفعال بوصفها وحدات لغوية محايدة، بل بوصفها علامات دينامية تشير إلى حركة متواصلة تتأرجح بين الانكسار والرغبة في النجاة، وبين الإقدام والتراجع، وبين الحلم والخذلان.
وفي هذا الأفق الدلالي، تتجلى الأفعال “أعبر”، “أحلق”، “أعود”، “أمضي”، “أصحو”، “أبكي”، “أكتب” بوصفها علامات دلالية كثيفة إذ يتجاوز الفعل “أعبر” معنى الانتقال المكاني ليحيل إلى محاولة عبور الجرح ذاته، بينما يمنح “أحلق” الذات أفقاً تخييلياً تتوق فيه إلى تجاوز ثقل الواقع. أما “أعود” فيستدعي رجوعاً متعثرًا نحو أصل مفقود أو ذاكرة تسعى إلى ترميم شروخها، في حين يكرّس “أمضي” إرادة الاستمرار رغم الانكسار، ويشير “أصحو” إلى لحظة وعي جديدة. ويجسد “أبكي” اعترافاً بالهشاشة الإنسانية، بينما يرتقي “أكتب” بالفعل الشعري إلى مستوى المقاومة، حيث تتحول اللغة إلى أداة للدفاع عن الذات في مواجهة الخراب.
الضوء يقاوم العتمة
وعلى هذا الأساس، تؤدي الصورة الشعرية وظيفة مركزية، تسهم في تحويلها إلى نمط من التفكير في العالم من داخل الجرح، حيث يغدو الألم ذاته أفقاً للتأويل وإنتاج الدلالة فعندما يقول الشاعر:
“روحي جوعٌ
يأكل الروح
ويبدّد الجسد”
يتحول الجوع من نقص مادي إلى قوة وجودية تنهش الكيان من الداخل، وتعيد الإنسان إلى هشاشته الأولى. وتكشف الصورة أن الألم ليس حادثاً عابراً ولكنه بنية وجودية تستولي على الجسد والروح معاً.
كما تتكرر صور الطير والموج والظل والطفل والزنزانة والرماد والجرح والنافذة والليل، لتشكل حقلاً دلالياً متماسكاً يعكس هشاشة الإنسان أمام العالم فالذات تريد الطيران وهي مثقل وتريد العبور وهي محاصرة، كما تبحث عن الضوء وهي تشهد موته في داخلها أي تصبح الصورة وسيلة لإنتاج المعرفة بالوجود، بينما تتحول الاستعارة إلى أداة لتكثيف المأزق الإنساني، لا إلى مجرد تجميل لغوي.
وتبلغ الصورة ذروتها المأساوية في مشهد البحر والغرق، إذ يقول الشاعر:
“طحالب اليم فراشي
ورقصات المرجان مرآتي
أعبر دهاليز الشيطان
وأصحو على خشبة
أمسك بيدي بقايا طفلي”
يتحول البحر هنا من فضاء للعبور إلى فضاء للابتلاع، بينما تأتي النجاة ناقصة محمولة على خشبة لا تنقذ سوى الذاكرة أما الطفل فيغدو رمزاً للمستقبل والبراءة، وتختزل بقاياه مأساة الإنسان الذي ينجو جسدياً، لكنه يفقد المعنى الذي كان يمنحه القدرة على الاستمرار.
ويتواصل هذا الانشطار في العلاقة بين الجسد والروح حيث يظهر الجسد مساحة للبرد والجوع والإهانة والتعب وآثار الحرب والمنفى والغرق، بينما تحمل الروح أعباء هذا الجسد وتحاول أن تمنح العالم معنى رغم اتساع الخراب ولذلك تتكرر صور الجسد المبدد والروح الجائعة والقلب المتعب والطفولة الجريحة، لتؤكد أن الكائن الإنساني في هذا الديوان كيان غير مكتمل، وأن التوتر بين الداخل والخارج هو البنية التي يقوم عليها الوجود الشعري.
ديوان مشغول بسؤال المعنى في قلب الخراب. فالذات لا تكف عن مساءلة العالم: لماذا يحدث كل هذا؟
وما جدوى البقاء وسط هذا الانكسار الممتد؟
وما قيمة الحياة إذا صار الضوء نفسه قابلاً للموت؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن أجوبة جاهزة، لكنها تؤكد أن الإنسان مطالب بأن يصنع معنى لحياته في عالم لا يمنحه يقيناً مكتملاً، وأن الشعر يصبح أحد أشكال هذه المقاومة الوجودية.
كان الديوان معزَّزاً باللوحات التشكيلية التي أضفت على نصوصه بعداً بصرياً وفكرياً أعمق، إذ امتدت عبرها أفكار الشاعر حول الوجود والهشاشة وانطفاء الضوء، فصار التفاعل بين الشعر والصورة جزءاً من بناء المعنى. ولو تأملنا جيداً في العوامل المشتركة بين اللوحات وديوان “عندما يموت الضوء”، وجدنا أنها تلتقي في ثلاث ثيمات أساسية هي: الضوء، والعزلة، والفراغ. فالضوء في هذه الأعمال لا يظهر بوصفه إشراقاً مكتملاً ولكن كأثرٍ خافتٍ ينسحب تدريجياً أمام امتداد الرمادي والضباب، فيحيل المشهد إلى لحظة انحسار المعنى أكثر من كونه مشهداً طبيعياً عابراً. كما أن الأشجار العارية والفضاء المفتوح تكثّف إحساساً وجودياً عميقاً يجعل الكائن في مواجهة هشاشته ووحدته، وهو ما ينسجم مع روح الديوان الذي يشتغل على سؤال الوجود حين يلامس حدود الغياب. لذلك تبدو اللوحات وكأنها الوجه البصري للنص الشعري، لأن كليهما يصوغ العالم بوصفه لحظة معلّقة بين الانطفاء والبقاء، ويحوّل الضوء إلى استعارة كبرى عن الحياة حين تتراجع نحو الصمت والتأمل.
البنية الوجودية وإنتاج المعنى
يفتح الديوان أفقاً لقراءة تتجاوز حدود التجربة الفردية، لأن بنيته الشعرية تنبني على أسئلة وجودية تجعل الذات محورًا لإنتاج المعنى. وتتحول القصيدة إلى فضاء تتفاعل فيه الذاكرة مع الألم ويتداخل فيه الواقع بالرمز، فتتولد رؤية شعرية تجعل القلق قوة دافعة للتأمل والكشف، وتجعل الخراب مدخلاً إلى إعادة بناء العالم داخل اللغة.
وتقود هذه البنية إلى مقاربة مع “التوحيدي”، لأن الكتابة في التجربتين تنهض على مساءلة الوجود واستكشاف الإنسان في لحظات انكساره. فالذات الشعرية تحول التجربة الداخلية إلى رؤية معرفية، وتجعل الألم وسيلة لاكتشاف العمق الإنساني، كما تمنح الاغتراب قيمة فكرية تتجاوز حدود المكان لتصبح تجربة وجودية.
يستثمر جورج عازار الصورة الشعرية لتجسيد هذا القلق، فتتحول الصور إلى أدوات تفكير ويغدو الانزياح اللغوي وسيلة لإنتاج الدلالة وتحمل الأفعال والصور والإيقاع رؤية واحدة تتنامى تدريجياً حتى تصوغ عالماً شعرياً تتجاور فيه الذاكرة مع الحلم والحنين مع الفقد والإنسان مع أسئلته الكبرى ما يسمح لنا باتساع دائرة القراءة عند استحضار عالم فيودور دوستويفسكي، لأن التجربتين تلتقيان في جعل الألم منطلقاً لفهم الإنسان فالشخصية في الروايات الدوستويفسكية تتحرك نحو مواجهة جذرية مع نفسها، والديوان يقدم ذاتًا تعيش محاسبة داخلية دائمة وتتأمل أفعالها وقراراتها، وتجعل الاعتراف بالانكسار خطوة من خطوات الوعي.
وتتجلى المقارنة كذلك في محور الاعتراف إذ تُدفَع شخصيات دوستويفسكي إلى مواجهة جراحها وأخطائها، وفي المقابل يعيد الديوان صياغة فعل الاعتراف في لغة شعرية مكثفة. فقول الشاعر “جوعٌ يأكل الروح / ويبدد الجسد” اعتراف بحقيقة وجودية قاسية، كما تتحول سلسلة الأفعال إلى مسار اعترافي متدرج تعلن فيه الذات بكاءها ووعيها وكتابتها بوصفها محاسبة داخلية لا تنقطع.
الطبيعة والخطاب الوجودي
يبلغ حضور الطبيعة في الديوان ذروته في صورة الزلزال، حيث تتحول إلى قوة تكشف هشاشة الإنسان أمام التحولات الكبرى ويقول الشاعر:
“زائر الفجر أتانا في عتمة الليل
يطرق سقوف بيوتنا
ويعصف بجدران أفئدتنا
جاء يغتصب البسمة اليتيمة
يرضع أطفالنا حفنة تراب
وفي جوف الأرض يردينا
حصد بمنجل تاريخ أعمارنا
وعلى قارعة الفجيعة يرمينا”
تحمل هذه الصور قيمة تتجاوز وصف الحدث لتؤسس رؤية شعرية تجعل الزلزال رمزًا لانهيار الأمان الإنساني. فالبيت يتحول إلى علامة على الذاكرة والجذور، كما يغدو الفجر لحظة انكشاف للكارثة. وتصبح صورة الطفل مركزًا دلاليًا يختزن البراءة والمستقبل واستمرار الحياة.
وتقود هذه البنية إلى قراءة تنسجم مع تصور سعيد يقطين حول تحولات الخطاب الأدبي وأدوات قراءته. فالديوان يفتح أمام الناقد مجالاً لتتبع حركة الصورة وتطور الرمز وتحول الرؤية داخل النص. كما تتسع القراءة في ضوء رؤية عبد الله الغذامي للأنساق الثقافية لأن الخطاب الشعري يكشف أنماطاً كامنة في العلاقات الإنسانية. وتتحول صورة الغدر والخيانة إلى علامات ثقافية تحمل دلالات تتجاوز بعدها الفردي.
ولئن كان شعر المهجر قد انطلق من تجربة الاغتراب والحنين، فإنه سرعان ما تحوّل إلى فضاء رمزي يعيد عبره الشاعر تشكيل الطبيعة والواقع والذات في صورة أكثر عمقاَ وتأملاَ. فالبنية الرمزية في شعر المهجر كما تتجلى عند جورج عازار وميخائيل نعيمة، تكشف عن تحوّل عناصر الواقع اليومي والطبيعة إلى علامات دلالية تتجاوز معناها المباشر. ففي حين يوظف عازار الزلزال والجوع والبحر بوصفها صوراً تكشف اهتزاز اليقين وقلق الإنسان، يجعل نعيمة من الطبيعة في شعره، كما في “النهر المتجمّد”، مرآةً للذات ومجالًا للتأمل في التوقف والانبعاث وبهذا يصف الشعر المهجري الواقع كما أعيد تشكيله داخل رؤية رمزية تمنح التجربة بعداً إنسانياً وفكرياً أوسع.
أخيراً يجوز لنا القول أن ديوان “عندما يموت الضوء” يحقق توازناً بين البعد الجمالي والبعد الفكري، ويؤسس خطاباً شعرياً يجعل الإنسان محور الرؤية واللغة وسيلة لاكتشاف العالم ومن خلال التفاعل بين الصورة والرمز والإيقاع يتولد معنى متجدد يمنح القصيدة قدرة على الاستمرار في إنتاج التأويل ويؤكد حضورها ضمن التجارب الشعرية العربية ولعلنا هنا نعود إلى ما رآه تشيخوف في رسائله وشذراته عن الفن إذ يُصرّ على أن الكاتب ليس مكلَّفاً بحلّ المشكلات أو تقديم أجوبة جاهزة ولكن عليه أن يترك القارئ في مواجهة الأسئلة الأخلاقية والوجودية المفتوحة. وهذا ما نفعله على قدر المستطاع مع كل قراءة باعتبارنا من المتلقين لهذا النص.
كاتبة وناقدة تونسية




