فنون

صورة .. من فضلك؟

 جمال العتّابي

عرضت إحدى الفتيات جسدها العاري لشمس تموز وهي مستلقية بهدوء على رمال شاطئ بحري، وقد برزت مفاتنها، التقط أحد المصورين صورة لها نشرتها إحدى الصحف العالمية. اشتكت الفتاة، لجأت إلى القضاء، وأقامت الدعوى أمام إحدى المحاكم استناداً إلى أن ما ارتكب بحقها اعتداء على حقوقها الخصوصية، رفضت المحكمة دعواها، وردت عليها بأن شاطئ البحر حيث التقطت الصورة المنشورة ليس مكاناً خاصاً.

ردّ الدعوة يثير تساؤلات عدة حول حق التصوير في الأماكن العامة والخاصة، ومتى يجري التمييز بينهما؟ هل التقاط صورة لك في طريق عام يعدّ عملاً مشروعاً، لا تثريب على مصور سينمائي صوّر حركة المرور في الطريق العام، والتقط بعض المشاهد ظهر فيها بعض الأشخاص من المارّة، ثم أمكن لهم أن يتعرفوا على أنفسهم، أو أمكن للغير من التعرف عليهم بوضوح.

 حالات أخرى في التصوير سببت إشكالات قانونية واجتماعية عديدة: صورة لرجل وامرأة في وضع يتسم بالألفة الشديدة يقفان أمام واجهة لإحدى محلات الصاغة. تبين أن السيدة كانت زوجة لرجل آخر. صور لسيدات متزوجات حضرن حفلاً راقصاً من دون أزواجهم أو خفية عنهم. في قضية عرضت أمام المحاكم، أشارت فيها إحدى الجرائد إلى أنه ملف دعارة، وارفقت معه صورة لامرأة لا علاقة لها بالقضية، فأوحى ذلك بأن صاحبة الصورة هي إحدى المتهمات في القضية المعروضة. عندئذٍ كان الضرر كبيراً على صاحبة الصورة.

ممثلة الاغراء الفرنسية بريجيت باردو حكمت لها المحكمة بمصادرة صورة التقطها أحد المصورين الصحفيين عن بعد وهي في عقر دارها بملابس خفيفة تحتضن طفلها، مع تعويض مالي تدفعه المجلة التي نشرت الصورة.

لنتخيل مصوراً يلتقط مشهداً لسوق شعبي في بغداد أو مدن أخرى. يظهر في الصورة عشرات المارة بصورة عفوية. هنا يكون الأشخاص جزءاً من المشهد العام، وليسوا موضوع الصورة الأساسي، وغالباً لا يثير الأمر إشكالاً. أما إذا اقتربت العدسة من شخص واحد، وجعلته محور الصورة، ثم نُشرت الصورة مصحوبة بتعليق ساخر أو عنوان مضلل، فإن المسألة تغادر حدود الفن لتدخل منطقة انتهاك الخصوصية.

 تتكرر المشاهد ذاتها بصور مختلفة. كثيراً ما تنتشر صورة لإنسان بسيط في الشارع أو لبائع متجول أو لطفل يعمل في مهنة شاقة، ثم تتحول الصورة إلى مادة للتندر أو التعليقات الساخرة، بينما لم يمنح صاحبها ترخيصاً واحداً بنشرها. قد تكون النية حسنة، لكن غالباً ما تأتي النتائج قاسية، إذ قد تسبب الصورة حرجاً اجتماعياً، أو إساءة مهنية، أو أذى نفسيا لا يُقدّر بثمن.

لعل العالم شهد أمثلة كثيرة على ذلك. فقد اضطرت أميرة ويلز الراحلة الأميرة ديانا إلى العيش سنوات طويلة تحت مطاردة عدسات مصوري الفضائح، حتى أصبحت حياتها الخاصة مادة يومية للصحف. لم يكن الجدل يوماً حول حق المصور في التقاط الصورة فحسب، بل حول حق الإنسان في أن يعيش بعيدًا عن الملاحقة الدائمة.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل ما يحدث أثناء الكوارث والحوادث. فقد يقف بعض الناس لتصوير المصابين قبل أن يمدّوا إليهم يد العون، وكأن الصورة أصبحت أهم من الإنسان نفسه. هنا يتحول التصوير من وسيلة توثيق إلى فعل يفتقر إلى الحس الإنساني، مهما كانت الذريعة. لقد تغيّر العالم اليوم، الهاتف المحمول يحمل كاميرا تلتقط الصورة في جزء من الثانية، وأصبح الإنسان معرضاً، لأن يتحول إلى مادة منشورة في الفضاء الرقمي قبل أن يدرك أن عدسة ما قد اختطفته. لكن سؤالاً واحداً ما زال يحتفظ بثقله الأخلاقي والقانوني: “ممكن صورة ..من فضلك؟”.

إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة في العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فالعدسة التي تستأذن تلتقط وجوها أكثر صدقا، والصورة التي تُولد من الاحترام تعيش أطول من تلك التي تُنتزع خلسة.

 لكن في المقابل، ينبغي عدم النظر إلى الكاميرا بوصفها خصماً للإنسان. فلولاً الصورة لما عرف العالم أهوال الحروب، ولا انتهاكات حقوق الإنسان، ولا مآسي اللاجئين، ولا الجرائم التي وثقتها العدسات وأصبحت أدلة إدانة.

باعتقادي أن الشاعر والمترجم فاضل عباس أستطاع أن يدّون مئات الحالات من هذا القبيل في كتابه الضخم ” ولا تنس أن السيدة لايكا تنتظرك بالبيت” بصفحاته التي تجاوزت الألف صفحة، تحدث عن صور غيرت العالم، صور عنف وصور محبة، لا يجمع بينها جامع، صورة قطرة حليب لمصور بارع وهي تتبدد في لحظة ملامستها سطح مستو، إنها العالم وقد تجمع في قطرة ماء.

بدأت “لعبة متابعة المشاهير” في إيطاليا أواخر خمسينيات القرن الماضي، حيث كان البلد يعيش فورة إبداعية كبيرة في مجال السينما.

لقد أسهمت صورة الطفلة الفيتنامية الهاربة من قصف النابالم الأمريكي في تغيير الرأي العام العالمي تجاه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد الشعب الفيتنامي،

 وقصتها ترسخت في أذهان الناس بصورتها وهي عارية تصرخ تحت وابل القصف. الفتاة “فان ثي كيم” تعرف عالميا بـ “فتاة النابالم” في حزيران من عام 1972. تحولت صورتها وهي محترقة إلى واحدة من أكثر الصور تأثيراً وشهرة، بوصفها عنواناً لوحشية العدوان الأمريكي، ومعاناة ضحاياه.

بيد أن الصورة باتت محل جدل كبير بشأن مصورها بعد أكثر من 50 عاماً على التقاطها، فالمصور الصحفي الأمريكي “نك أوت” الذي ظل طوال العقود الماضية يحظى بالتكريم بوصفه “مصور الصورة”، يواجه حالياً موجة من الانتقادات بعد صدور فيلم وثائقي ينسب الصورة إلى صحفي فيتنامي يدعى “نغوين ثانه”، كما لعبت الصور القادمة من مناطق النزاعات دوراً في كشف ما كان يمكن أن يبقى مخفياً.

ليست المشكلة في الكاميرا إذاً، بل في اليد التي تحملها، والعقل الذي يقرر متى يضغط زر الالتقاط، والضمير الذي يختار إن كان سينشر الصورة أم يحتفظ بها. لقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجعل الحدود أكثر ضبابية. ضغطة واحدة تكفي كي تنتقل الصورة إلى ملايين الشاشات، ثم يصعب استعادتها أو محو آثارها.

تبقى أجمل الصور تلك التي تجمع بين الوظيفة والجمال، لا تُصادر كرامة أصحابها، ولا تسرق لحظاتهم، بل تحفظ للإنسان حقه في أن يكون شريكاً في حكايته، لا مجرد موضوعٍ عابر أمام عدسة لا تعرف الاستئذان.

كاتب وناقد وصحافي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى