لم يُصلِّ عليهم أحد.. خالد خليفة يكتب صلاةً للمنسيين
عبد الكريم البليخ

ثمّة روايات نغادر صفحاتها بعد أن نعرف حكايتها، وثمّة روايات تبقى معنا لأنها لا تروي الحكاية فحسب، بل تفتح في الذاكرة أبواباً يصعب إغلاقها. ومن هذا النوع تأتي رواية «لم يُصلِّ عليهم أحد» للروائي السوري الراحل خالد خليفة، الصادرة عام 2019، والتي يمكن النظر إليها بوصفها واحدة من أكثر أعماله اتساعاً وثراءً، رواية تتخذ من حلب وتاريخها فضاءً رحباً للحب والموت والنجاة والذاكرة.
يذهب خالد خليفة في هذا العمل بعيداً إلى حلب أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في محاولة روائية لإعادة بناء المدينة وماضيها وتعدديتها الدينية والاجتماعية، من خلال شخصيات وحكايات تتشابك على امتداد عقود. ولا يكتب خليفة التاريخ بالطريقة التي يكتبه بها المؤرخون؛ إنه يستدعيه ليعيد خلقه من خلال حياة الناس العاديين، وعلاقاتهم وأحلامهم ومخاوفهم وهزائمهم.
تبدأ الرواية بكارثة كبرى. ففي سنة 1907 يضرب طوفان قرية حوش حنّا القريبة من حلب، فيجرف البشر والبيوت ويمحو عالماً كاملاً في ساعات قليلة. ينجو القليلون، ومن بينهم حنّا غريغوريوس وزكريا بايزيد، لكن النجاة الجسدية لا تعني أن الحياة عادت إلى ما كانت عليه. فالذين خرجوا من الماء يحملون معهم موت الآخرين، ويبدأون رحلة طويلة في مواجهة سؤال مرير: هل ينجو الإنسان حقاً من الكارثة، أم أنه يظل يعيش داخلها حتى نهاية أيامه؟
ومن هنا تنفتح الرواية على ما يمكن تسميته وهم النجاة. فالطوفان ينتهي، والماء ينحسر، لكن الخراب يبقى في النفوس. يستطيع المرء أن يخرج حيّاً من تحت الأنقاض، لكنه قد يقضي بقية عمره مسكوناً بأسماء الذين تركهم خلفه.
وهذه الفكرة تبدو شديدة الاتصال بمجمل عالم خالد خليفة الروائي؛ فالإنسان عنده ليس بطلاً خارقاً يتغلب على التاريخ، بل كائن هشّ يحاول أن يجد لنفسه مكاناً صغيراً للحب والحياة وسط قوى أكبر منه: الحرب، والمجزرة، والمرض، والدين، والمجتمع، والموت.
وفي «لم يُصلِّ عليهم أحد» تتجاور أشكال عديدة من الموت: المجازر والطاعون والكوليرا والزلازل والطوفان والحروب، لكن الرواية، على الرغم من ذلك، ليست كتاباً في الموت بقدر ما هي بحث مضنٍ عن معنى الحياة في حضوره.
فشخصيات خالد خليفة تحب، وتشتهي، وتتزوج، وتحلم، وتخطئ، وتبحث عن الله والحرية، بينما الموت يراقبها في الجهة الأخرى.
لعلّ أجمل ما يميز الرواية أن حلب نفسها تتحول إلى شخصية روائية.
ليست المدينة مجرد شوارع وبيوت وأسواق وكنائس ومساجد، وإنما ذاكرة كاملة. يقدمها خليفة باعتبارها مكاناً متعدد الأديان والهويات والقوميات والطبقات، حيث تتداخل حياة المسلمين والمسيحيين والعائلات المختلفة في شبكة اجتماعية وإنسانية معقدة. وقد رأى نقاد في العمل محاولة لإعادة كتابة تاريخ حلب روائياً، من خلال إبراز تعدديتها والعلاقات التي كانت تربط جماعاتها المختلفة.
ومن أجمل خطوط الرواية حكاية حنّا غريغوريوس، المسيحي الذي وصل طفلاً إلى حلب بعد نجاته من مجزرة، وتولت أسرة مسلمة تربيته، ليصبح صديقاً لزكريا.
ولا تبدو العلاقة بينهما مجرد صداقة بين شخصين، وإنما نافذة يطل منها الكاتب على مجتمع قادر، في لحظات كثيرة، على تجاوز الحدود الدينية والطائفية التي يرسمها البشر بين بعضهم بعضاً.
وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار الرواية: الهوية الإنسانية أوسع من الهوية المغلقة.
خالد خليفة لا يلغي الاختلاف الديني ولا يتجاهله، بل يجعله جزءاً أساسياً من حياة شخصياته، ثم يسأل من خلال مصائرها: ماذا يبقى من هذه الفوارق أمام الموت؟ وأي معنى للانتماء حين يصبح الإنسان مهدداً في وجوده ذاته؟ حتى الدين في الرواية ليس جواباً جاهزاً بقدر ما هو سؤال.
نرى حنّا ينتقل من حياة اللهو والاندفاع إلى رحلة طويلة في البحث عن الله والحب والحرية والموت، فيما تتبدل المدينة من حوله وتتغير أفكار أهلها وعلاقاتهم.
لكن العنوان يبقى المدخل الأكثر إيلاماً إلى العمل: «لم يُصلِّ عليهم أحد».
إنه عنوان يبدو بسيطاً، لكنه يحمل دلالات ثقيلة. فأن يموت الإنسان وألا يجد من يصلّي عليه، يعني أنه لم يحرم فقط من طقس الوداع، وإنما يوشك أن يُحرم حتى من الذاكرة. وكأن خالد خليفة قرر أن يجعل من الرواية نفسها صلاة أدبية على الذين لم يُصلَّ عليهم.
على أولئك الذين ماتوا في الطوفان والمجازر والأوبئة والحروب، ثم تحوّلوا، في كتب التاريخ، إلى أعداد مجهولة.
إنه يعيد إليهم أسماءهم، وحبّهم، وأوجاعهم، ومخاوفهم، فيقول للقارئ بطريقة غير مباشرة: هؤلاء لم يكونوا أرقاماً، كانوا بشراً عاشوا كما نعيش، أحبّوا كما نحب، وخافوا كما نخاف.
والحب في الرواية يقف دائماً قبالة الموت. فكلما اقتربت الشخصيات من بناء حياة، يتدخل التاريخ ليهددها. وكلما اعتقد الإنسان أنه أمسك بالسعادة، تظهر هشاشة العالم من جديد. ومع ذلك لا يتوقف البشر عن المحاولة.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل الرواية، على كثرة موتاها، منحازة للحياة.
فالإنسان يعرف أنه سيموت، لكنه يحب. ويعرف أن الأشياء ستزول، لكنه يبني بيتاً. ويعرف أن الذاكرة معرضة للنسيان، لكنه يروي الحكاية. وبهذا المعنى تصبح الكتابة نفسها شكلاً من أشكال مقاومة الموت.
وإذا كان خالد خليفة قد كتب روايته عن حلب القديمة، فإن القارئ السوري المعاصر يصعب عليه أن يعزلها تماماً عما جرى لسورية ومدنها في العقود الأخيرة. فصورة الأحياء التي تختفي، والبيوت التي تصبح ركاماً، والناجين الذين يبحثون عن موتاهم، تستدعي في ذهن القارئ زمناً آخر، وإن لم تكن الرواية تسجيلاً مباشراً له.
وهنا تتحقق قوة الأدب: أن يروي الماضي ويجعلنا، في الوقت نفسه، نفكر في حاضرنا. وقد ظل خالد خليفة، الذي غادر الحياة في 30 أيلول/ سبتمبر 2023، منشغلاً في كثير من أعماله بحلب وسورية والذاكرة والموت. لكن «لم يُصلِّ عليهم أحد» تمنح هذه الأسئلة مساحة ملحمية واسعة، تمتد فيها حياة البشر من الحب إلى الفجيعة ومن الإيمان إلى الشك ومن النجاة إلى الموت. ولعلّ ما يبقى بعد الصفحة الأخيرة ليس سؤال: من مات ومن نجا؟ بل سؤال أكثر قسوة: هل ينجو الذين يبقون أحياء فعلاً؟
خالد خليفة، في هذه الرواية، لا يمنحنا إجابة نهائية. وربّما لم يكن يريد ذلك. لقد أراد أن يجعلنا نصغي إلى أصوات الذين ابتلعهم الماء والتراب والتاريخ. أن نعرف أنهم مرّوا من هنا. وأن نمنحهم، ولو متأخرين، شيئاً مما حُرموا منه: ذاكرةً لا تموت… وصلاةً بالكلمات.
كاتب وصحافي سوري




