هل يُصبح الحنين وطناً مؤجَّلاً؟

عبد الكريم البليخ

لا تزال الذاكرة، رغم ما يعتريها من تعبٍ وتآكل، قادرةً على أن تُنبت فينا حقولاً من الحنين، كلما لامستها نسمةُ صوتٍ قديمٍ أو ارتعاشةُ لحنٍ عابر. نسترجع طفولةً لم تكن بريئةً تماماً، لكنها كانت صادقةً بما يكفي لتمنحنا وهماً جميلاً عن العالم؛ عالماً تُضاء فيه القلوب قبل المدن، وتُقاس فيه الأيام بوفرة الفرح لا بثقل الخسارات.
في تلك المسافات البعيدة من الزمن، كانت الأغنية العراقية، بصوت قحطان العطار، أكثر من مجرد لحن؛ كانت ملاذاً نفسياً، ومرافئَ وجدانيةً تُعيد ترتيب الفوضى داخل أرواحنا. لم تكن الكلمات مجرد تعبير، بل كانت اعترافاً جماعياً بالحب، وبالحياة التي كنا نؤمن أنها تستحق أن تُعاش. كأننا كنّا نرى أنفسنا في تلك المقاطع، نركض في بساتين الهوى، ونوزّع المحبة بلا حساب، غير مدركين أن الزمن، بصمته الثقيلة، كان يُعدّ لنا امتحاناً قاسياً في معنى الفقد.
غير أن الذاكرة، على اتساعها، ليست حيادية؛ فهي تختار أن تحتفظ بما يُؤلمنا بقدر ما تُبقي ما يُسعدنا. وهكذا، تتجاور في داخلنا صورتان: واحدة مضيئة، مشبعة بعطر البدايات، وأخرى قاتمة، يعلوها غبار الانكسارات. ما كان يوماً بيادرَ خيرٍ، صار لاحقاً مساحاتٍ رمادية، اجتاحتها أصوات الحرب، وأطفأت فيها القذائف آخر بقايا الطمأنينة. لم يعد الخراب مجرد حدثٍ عابر، بل تحوّل إلى بنيةٍ نفسية، تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتزرع فيه قلقاً مزمناً، كأنه قدرٌ لا فكاك منه.
ووسط هذا التحوّل، لم يكن الإنسان العربي مجرد شاهدٍ على المأساة، بل كان مادتها الحيّة. تكسّرت علاقاته، وتبعثرت جغرافيته، وصار الحنين لديه فعلاً يومياً، يمارسه كما يتنفس. لم يعد الوطن مكاناً، بل حالةً شعوريةً، تختلط فيها الذكريات بالخيبة، والأمل بالخذلان. ومن لم يُسحق تحت ركام الحرب، وجد نفسه منفيّاً في اتساع العالم، يحمل بلاده في داخله، كجرحٍ مفتوح لا يندمل.
تقول كلمات الأغنية التي أداها الفنان العراقي قحطان العطار:
(يا ضوَى ولاياتنا اشعندك خبر..
والهوى بكل خَصر من عدها انتشر..
إحنا ما هَمّنا الوقت..
إحنا تعبنا السهر.
يا ضوَى ولاياتنا الليل انقضى..
جانا صبح الخير بالحب والرضا).
ها هي أغنية العطار، فخر الأغنية العراقية في سبعينيات القرن الماضي، تصدح في كل بيت، وتجسّد حال واقعنا العربي المؤلم، الذي صار مجرد حكايات تُسرد، وألماً يُثري الوجدان، رغم القهر والأسى الذي أخذ يُؤلِّب واقعنا السيئ، الذي لم يعد بالإمكان تذكّره.
ويقول آخرون: إنَّ الحزن دائماً ما يُرصّع كلماتكم، ويتسيّدها. ونُكمل، ونحن نودّع الأيام التي تجري بسرعةٍ مذهلة:
(إحنا طشّرنا المحبّة بكل كُثر..
والهوى بساتين.. والدنيا عطر).
أغنية العطّار، بكلماتها الجميلة، تُشبه خميلةً مورّدة، تفتح أمامنا جسوراً من العشق، بعد أن أظهرت مواسم الحصاد بيادر الخير والفرح، التي أشبعت غريزة فلاحنا النشط. إلا أن الدمار، ممثَّلاً بصواريخ سكود، والبراميل المتفجرة، وقذائف الدبابات، وحمم الطائرات وأصواتها المرعبة، حوّل كل شيءٍ جميلٍ ومفرحٍ في حياة أهلنا إلى رماد!
ومع ذلك، تبقى الأغنية، تلك التي صدحت يوماً بالحب، شاهدةً على أننا كنّا هنا… وأننا أحببنا الحياة، رغم كل شيء. ربما لم تعد قادرةً على تغيير الواقع.
هكذا، لا تعود الذكريات مجرد استرجاعٍ للماضي، بل تصبح شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة؛ مقاومةً ضد النسيان، وضد التبلّد، وضد أن نفقد إنسانيتنا في زحام الألم.




