هل يُمحى تاريخ العجيلي؟
عبد الكريم البليخ

إزالة اسم عبد السلام العجيلي من مدرسة في تدمر، لم يكن إجراءٍ عابر، بل أمام لحظة كاشفة لخللٍ أعمق في فهم الرموز، وفي تقدير ما تمثّله الأسماء التي صنعت جزءاً من هوية المكان والإنسان.
العجيلي لم يكن مجرد كاتبٍ يوقّع نصوصه، ولا طبيبٍ يداوي أجساد مرضاه، بل كان حالةً إنسانية متكاملة، تماهت فيها المعرفة مع الرحمة، والفكر مع السلوك، واللغة مع الحياة. هو من أولئك الذين لا يمكن اختصارهم في سطر، ولا احتواؤهم في تعريف، لأنهم ببساطة عاشوا خارج القوالب، وتركوا أثراً يتجاوز ما كتبوه إلى ما مثّلوه. كان الطبيب الذي يقترب من الفقراء لا بوصفهم حالات، بل بوصفهم بشراً، وكان الأديب الذي يكتب عن الناس لا من برجٍ عاجي، بل من قلب التجربة اليومية، حيث تتقاطع البساطة مع الحكمة، والمرارة مع السخرية، والواقع مع الحلم.
في نصوصه، كما في حياته، كان ثمّة انحياز واضح للإنسان، للضعيف، للهامشي، لذاك الذي لا صوت له. لم يكن العجيلي يكتب ليُبهر، بل ليُلامس؛ لا ليُزيّن اللغة، بل ليكشف ما تحتها من طبقاتٍ خفية في النفس والمجتمع. لذلك انتشرت أعماله بين الناس، لا بوصفها مادة ثقافية نخبوية، بل كمرآة يرون فيها أنفسهم، ويجدون فيها شيئاً من عزائهم ودهشتهم. وحين تُرجمت أعماله إلى لغات أخرى، لم تكن تُنقل كلمات فحسب، بل كانت تُنقل روح مكان، وخصوصية تجربة، ونبض إنسان عاش بصدق.
من هنا، فإن إزالة اسمه من على مدرسة ليست مسألة شكلية، بل هي، في عمقها، فعلٌ رمزي يشي باضطراب في العلاقة مع الذاكرة. أيُّ منطقٍ هذا الذي يضع اسماً بحجم العجيلي في خانة قابلة للمحو أو الاستبدال؟ وأيُّ وعيٍ ذاك الذي لا يميّز بين من شكّل وجدان بلد، ومن مرّ عليه مروراً عابراً؟ إن الأسماء الكبيرة لا تُقاس بمعايير إدارية ضيقة، ولا تُخضع لحسابات آنية، لأنها ببساطة تنتمي إلى زمنٍ أوسع من القرارات، وإلى معنى يتجاوز اللحظة.
ثمّة بُعد نفسي لا يمكن إغفاله في مثل هذه الحوادث؛ فالمجتمع الذي يبدأ بالتساهل في رموزه، إنما يفتح الباب تدريجياً لتآكل ثقته بذاته. الرموز ليست ترفاً، بل هي نقاط ارتكاز في الوعي الجمعي، تشكّل مرجعياتٍ صامتة يستند إليها الأفراد في تعريف أنفسهم وانتمائهم. وحين يُمسّ أحد هذه الرموز، يشعر الناس ـ ولو بشكل غير واعٍ ـ أن شيئاً من استقرارهم الداخلي قد اختل، وأن الأرض التي يقفون عليها لم تعد صلبة كما كانت.
أما اجتماعياً، فإن المسألة تتجاوز شخص العجيلي إلى سؤالٍ أوسع: كيف نتعامل مع تاريخنا؟ هل نقرأه بوعيٍ وتمييز، أم نكتفي بإزاحته كلما تغيّرت الظروف؟ إن الأمم التي تحترم نفسها لا تتعامل مع ماضيها كعبءٍ يجب التخلص منه، بل كرصيدٍ ينبغي فهمه، وتنقيته، والبناء عليه. والتمييز هنا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية؛ فليس كل من ارتبط بمرحلة يُدان، وليس كل من عاش في سياقٍ معيّن يُختزل به.
العجيلي، في هذا السياق، ليس رمزاً لسلطةٍ أو مرحلةٍ سياسية، بل هو رمز لثقافةٍ حيّة، ولإنسانٍ حافظ على مسافة نقدية من كل ما يختزل الإنسان في أيديولوجيا أو شعار. لذلك فإن وضع اسمه في خانة الاستبدال، تحت أي ذريعة، يكشف عن خلطٍ مؤسف بين السياسي والثقافي، وبين العابر والمقيم.
إن إعادة اسم عبد السلام العجيلي إلى مكانه ليست مجرد تصحيحٍ إداري، بل هي فعل استعادة لمعنى أعمق: معنى الوفاء لذاكرةٍ جماعية، ومعنى الاعتراف بقيمة من أعطوا هذا البلد ما يجعل اسمه حاضراً في الوجدان العربي والإنساني. هي رسالة تقول إننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين على التمييز، وعلى حماية ما يستحق الحماية.
وفي المقابل، فإن الإصرار على تجاهل مثل هذا الخطأ يفتح أسئلة مقلقة: من يحمي رموزنا؟ ومن يملك حق تقرير ما يُمحى وما يُبقى؟ وهل أصبح تاريخنا مادةً سائبة، تُعاد صياغتها وفق أمزجةٍ آنية أو قراءاتٍ مبتورة؟
القضية، في جوهرها، ليست اسم مدرسة، بل اختبار لقدرتنا على صون المعنى. فالأوطان لا تُفقد فجأة، بل تتآكل ببطء، حين نتنازل عن أول رمز، ونصمت أمام أول إساءة، ونقنع أنفسنا أن الأمر لا يستحق الوقوف عنده. لكن التاريخ يُعلّمنا أن ما يُهمَل في بدايته، يصعب تداركه في نهايته.
سيبقى العجيلي، مهما تبدّلت اللافتات، اسماً راسخاً في ذاكرة من قرأوه وأحبّوه، وفي وجدان بلدٍ لا يليق به أن ينسى من كتبوا بعضاً من نوره. أما الذين يظنون أن بإمكانهم إزاحة الأسماء الكبيرة، فسيكتشفون ـ عاجلاً أم آجلاً ـ أن ما يُمحى من الجدران، يزداد رسوخاً في القلوب.
كاتب وصحافي





أحسنت وأجدت النشر في هذا التوقيت.. لأن هناك من ظنّ بنفسه الظنون.. واعتبر أن التّاريخ مملوك له فقط.