مزيّفون في الضوء

نور البليخ

كثيرون هم الذين يرفعون راية الفن التشكيلي، يتغنّون بجماله ويتباهون بالانتماء إليه، لكن قلّة نادرة هي التي تُخلص له وتذوب في جوهره. وما بين الادّعاء والإخلاص مسافة شاسعة لا تُقطع بالأماني بل بالاجتهاد والتجربة الحقيقية لتجاوزها وليس الاكتفاء بالخطاب. فالفن، في حقيقته العميقة، ليس زينة تُعلّق على جدران القاعات، ولا لقباً يُزيّن بطاقات التعريف، بل هو امتحان عسير لا ينجح فيه إلا من عبر نيران التجربة، وانكسرت في داخله مرايا الزهو الكاذب، فبنى من رمادها أفقاً جديداً للروح.
الفن مقام رفيع لا يبلغه إلا من تطهّرت سريرته، واستعدّ أن يحمل على كتفيه عبء السؤال والقلق والشك. إنّه رحلة وجودية طويلة، لا يُختصر مداها في معرض عابر أو تصريح متعجرف، بل يُقاس بمدى ما يتركه في النفس من أثر، وفي المجتمع من بصمة، وفي التاريخ من شاهد لا يزول.
لكنّ ما نراه اليوم في المشهد التشكيلي، يكاد يكون نقيض هذا الجوهر. إذ يزدحم الوسط بأسماء لامعة في الظاهر، خاوية في العمق، تتفاخر كما لو أنّها اكتشفت كنزاً غامضاً، فيما الحقيقة تُعرّيها من كل زينة. لم يعرفوا مدارس الفن الكبرى إلا بالاسم، ولم يذوقوا طعم التيارات التي صنعت مجد التشكيل: لا كلاسيكية عركتهم، ولا رومانسية ألهمتهم، ولا تكعيبية صاغت وعيهم بالفضاء، ولا سريالية فتحت لهم أبواب اللاوعي، ولا تجريدية أطلقت أرواحهم في مداراتها الرحبة. لم يعرفهم الوسط الفني بأعمال تُلهم أو تُدهش، بل بأسماءٍ تلوح في هوامش المناسبات، وألقابٍ تتردد في بيانات جوفاء. لم تستضفهم قاعات المعارض المعتبرة، ولم يُذكروا في ذاكرة النقاد، ولم تتغنَّ بأسمائهم الحوارات الجادة بين المبدعين.
الأدهى أنّ هؤلاء ـ وهم يتفيّأون ظلال الفن ـ يفتقرون حتى إلى أبسط آداب الانتماء. فبدل أن يقفوا بتواضع أمام مقام الجمال، يتحدثون بفجاجة تُنذر بالسخط، كأنّهم حَمَلة رايةٍ أبدية لا يجرؤ أحد على منازعتهم فيها. تراهم في التعقيبات والتعليقات يوزّعون الشتائم كما يوزّع المهرّجون الضحكات الرخيصة، متناسين أنّ الفن مرآة الروح قبل أن يكون مرآة الجدار.
ولئن أثارهم مقال سابق لم يُسمَّ فيه أحد، فانقلبوا يتراشقون بالاتهامات ويستعملون كل وسيلة أذى، فقد قابلت ذلك كله بسعة صدر. فما قرأت لهم يوماً دراسة نقدية تحمل قيمة فكرية، ولا شهدت لهم معرضاً حقيقياً يستحق الذكر، ولا صادفت لهم حضوراً في فعالية جادة جمعت أهل الفن الصادقين. ومع ذلك يصرّون، في لحظة من وهمٍ بائس، أنّهم “بيكاسو” هذا الزمان، أو “دافنشي” عصره، وربما أوحت لهم أوهامهم أنّهم “فان جوخ” في زمن لا يقرأ ولا يبصر!
والمُبكي أنّ بعض الأصوات التي ترفع لواء الدفاع عنهم لا تفعل ذلك انطلاقاً من وعي جمالي، بل بدافع عصبية ضيّقة أو مصلحة عابرة. تراهم يتواطؤون بصمتٍ مكشوف، أو يذودون عنهم بذريعة الانتماء الشخصي لا الانتماء الفني. وهم في حقيقتهم أبعد ما يكونون عن المشهد الثقافي الحي. بالكاد يظهرون كظلٍ باهت في فعاليات عابرة رتبتها جهات حزبية أو مناسباتية غاب زمنها. لا يُعرف لهم موقف مشرف، ولا يُسجَّل لهم أثر فكري أو فني يستحق البقاء.
إنّ حضورهم، في جوهره، لا يختلف عن حضور الغريب على موائد العزاء: وجودهم لا يتجاوز اللقطة العابرة، وغيابهم لا يُفتقد. هم طفيليات على جسد الثقافة، يتغذّون من ضوء الآخرين، ويظنّون أنّ الصدى الذي يتردد في الفراغ هو صوتهم الخاص.
أيّ فنٍ تمثلون ـ أسألهم ـ وأنتم لم تدخلوا محراب التجربة؟ أيّ رسالة تبغون أن تخاطبوا بها مجتمعكم، وأنتم لم تعبروا جراحه ولم تصغوا لآهاته؟ الفن مسؤولية قبل أن يكون متعة، وهو مرآة صافية للمجتمع قبل أن يكون مرآة للذات. وما لم يمتلك الفنان رؤية، وجرأة على مواجهة ذاته أولاً، فلن يكون سوى صورة مزيّفة في ضوءٍ زائف.
إنّ هؤلاء، مهما تنكّروا وتزيّنوا بالأقنعة، سيظلون على هامش الحياة الفنية. لا لأنّ الآخرين يتآمرون عليهم، بل لأنّهم لم يمنحوا الفن ما يستحقه من تضحية وصدق ومعاناة. فالفن لا يقبل المواربة، ولا يحتمل الادّعاء. إنّه يرفض المزيّفين بقدر ما يحتضن الصادقين. والتاريخ لا يُنصت للضجيج المؤقت، بل يُسجّل ما يبقى، وما يبقى لا يكون إلا ثمرة معاناة عميقة وصدق مطلق.
كم من أسماءٍ لمع بريقها في زمنٍ قصير، ثم انطفأت كشرارة في عتمة، لأنها لم تُبنَ على أساسٍ من تجربة صادقة. وكم من حضورٍ صاخب طواه النسيان لأنه كان صدى لا صوتاً. وحده الفنان الذي يذوب في تجربته، ويُحوّل قلقه وأسئلته إلى جمالٍ يتجاوز حدود ذاته، هو من يستحق أن يُكتب اسمه في ذاكرة الفن.
والمُدهش ـ بل المُبكي ـ أن نفراً ممن يدافعون عنهم، ما خرجوا إلا مدفوعين بعصبية ضيقة، أو بدافع تواطؤ مكشوف. وهم، في حقيقتهم، أبعد ما يكونون عن المشهد الثقافي الحي. بالكاد يحضرون كظل باهت في فعاليات عابرة نظّمتها جهات حزبية ذات زمن، لا يُعرف لهم موقف مشرف، ولا أثر فكري باقٍ. هم من أولئك الذين يتطفلون على الثقافة كما يتطفل الغريب على موائد العزاء، حضورهم لا يتجاوز اللقطة، وغيابهم لا يُذكَر.
لقد آن لهؤلاء أن يدركوا أنّ الألقاب لا تصنع مبدعاً، وأنّ التصفيق المصطنع لا يمنح شرعية، وأنّ حماية العصبيات أو المصالح لا تُنقذ اسماً من السقوط. فالزمن كفيل بفرز الغثّ من السمين، والفن نفسه لا يرحم من لم يمنحه حياته كاملة.
إلى هؤلاء، وإلى أشباه المثقفين الذين تصدّروا المشهد من غير مؤهل، ومن غير وجدان، أقول: أي فنٍ تمثلون؟ وأي رؤية تحملون إلى الناس؟ وأي رسالة تنوون أن تخاطبوا بها مجتمعكم؟
أنتم، في حقيقة الأمر، ومهما لبستم من أقنعة، ستظلون تعيشون على الهامش، بلا أثر، بلا معنى. وإنّ هذا الهامش، في الحقيقة، كثيرٌ عليكم.
إلى كل من يتوهّم أنّه يمثّل الفن التشكيلي وهو لم يذق مرارته ولا حلاوته، أقول: أنتم، مهما تبرّجتم بالضوء، ستبقون على الهامش، بلا أثر، بلا معنى. بل إنّ هذا الهامش ـ على ضيقه ـ كثير عليكم. لأنّ الفن، في حقيقته، ليس مظلةً للاختباء، بل مرآة تكشف الجوهر. ومن لم يكن في داخله جمالٌ صادق، فإنّ ألف قناعٍ من ألوانٍ وأسماءٍ لن يُخفي خواءه.




