في الشبكة

الدوحة تشعل الصراع

عبد الكريم البليخ

 ليست كرة القدم مجرد أهداف تُسجَّل، أو كؤوس تُرفع، أو انتصارات تُضاف إلى سجلات التاريخ، بل هي قبل ذلك حكاية أجيال تتعاقب، ومواهب تولد على المستطيل الأخضر، وأحلام صغيرة تكبر مع كل صافرة بداية. ومن هذا المعنى انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة، أمس الجمعة 16 أكتوبر، في احتضان النسخة الثانية من بطولة كأس الخليج لكرة القدم تحت 17 عاماً، في تظاهرة رياضية تحمل من الطموحات ما يتجاوز حدود المنافسة على اللقب.

فعلى امتداد نحو ثلاثة أسابيع، وحتى الرابع من نوفمبر المقبل، تتحول الملاعب القطرية إلى ساحات لاختبار المواهب الواعدة، بمشاركة عشرة منتخبات تخوض 23 مباراة، في أكبر نسخة تشهدها البطولة منذ انطلاقتها، وسط تطلعات إلى تقديم وجوه جديدة قد يكون لها شأن كبير في مستقبل الكرة الخليجية والعربية.

وتكتسب البطولة أهميتها من كونها استثماراً في الإنسان الرياضي قبل أن تكون سباقاً نحو منصة التتويج. فاللاعب الذي يخوض اليوم مباراته الأولى بقميص منتخب الناشئين، قد يصبح غداً نجماً تتعلق به آمال الجماهير، شريطة أن يجد الرعاية والتأهيل والثقة، وأن تتحول مشاركته إلى محطة حقيقية في مسيرة إعداد طويلة ومدروسة.

وتدخل السعودية المنافسات وهي تحمل ذكريات تتويجها بلقب النسخة الأولى عام 2025، بعدما تغلبت على الإمارات بهدفين نظيفين في المباراة النهائية. غير أن المحافظة على القمّة تبدو دائماً أشد صعوبة من الوصول إليها، خصوصاً في بطولة تتسع فيها دائرة المنافسة وتتقارب طموحات المشاركين.

أما المنتخب القطري، فيراهن على الأرض والجمهور لصناعة حضور مميّز، فيما تتطلع منتخبات الإمارات والعراق وعُمان والكويت والبحرين واليمن إلى إثبات جدارتها والمنافسة على بلوغ الأدوار الحاسمة.

وتمنح مشاركة مصر والصين للمرة الأولى البطولة بعداً فنياً مختلفاً، إذ تفتح المجال أمام احتكاك كروي بين مدارس متنوعة في أساليب اللعب والتكوين والتفكير التكتيكي، وهو ما يعزّز قيمتها الفنية ويمنح الناشئين تجارب لا توفرها التدريبات التقليدية.

وقد أوقعت القرعة قطر والإمارات وعُمان والبحرين والصين في المجموعة الأولى، فيما ضمّت الثانية السعودية والعراق والكويت واليمن ومصر، على أن يتأهّل صاحبا المركزين الأوّل والثاني من كل مجموعة إلى الدور نصف النهائي.

انطلقت رحلة المنافسة بتغلّب المنتخب الصيني على نظيره القطري بهدفين دون رد، وفوز المنتخب البحريني على نظيره الإماراتي بهدفين مقابل هدف واحد، فيما يشهد يوم السبت مواجهتين مرتقبتين؛ تجمع الأولى المنتخب السعودي بنظيره المصري، بينما يلتقي في الثانية المنتخبان العراقي واليمني، في مستهل منافسات تحمل الكثير من التساؤلات حول مدى جاهزية المنتخبات المشاركة، وقدرتها على ترجمة استعداداتها الفنية والبدنية إلى نتائج إيجابية على أرض الملعب، وسط تطلعات جماهيرية إلى مباريات حافلة بالإثارة والندية، تكشف عن ملامح المنافسة وحظوظ الفرق في المضي قدماً نحو اللقب.

ومع أهمية النتائج، تبقى القيمة الأعمق لهذه البطولة في قدرتها على اكتشاف اللاعبين وصقل شخصياتهم الرياضية. فالموهبة وحدها لا تصنع بطلاً، ما لم تقترن بالانضباط والعمل والقدرة على تحمل الضغوط، والتعلم من الهزيمة قبل الاحتفاء بالانتصار.

ومن هنا، فإن مسؤولية الأجهزة الفنية لا ينبغي أن تنحصر في البحث عن الفوز الآني، بل تمتدّ إلى بناء لاعب قادر على التفكير داخل الملعب، واحترام العمل الجماعي، والتعامل مع المنافسة بروح رياضية ناضجة.

كذلك تمثل البطولة فرصة للاتحادات الكروية الخليجية لمراجعة برامج إعداد الناشئين، وتقييم نجاح الأكاديميات ومراكز التكوين، واكتشاف الثغرات التي تعيق انتقال المواهب من الفئات العمرية إلى المنتخبات الأولى.

وإذا كانت الدوحة قد أثبتت قدرتها على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، فإن التحدي اليوم لا يكمن في نجاح التنظيم وحده، بل في الأثر الذي ستتركه هذه البطولة في مستقبل اللاعبين، ومدى قدرتها على صناعة جيل جديد يمتلك المهارة والطموح والثقة.

وعندما تُسدل الستارة على منافسات البطولة في الرابع من نوفمبر، سيرفع منتخب واحد كأس البطولة عالياً، وستتعالى هتافات جماهيره احتفاءً بالإنجاز، وستُخلَّد أسماء اللاعبين الذين نجحوا في اعتلاء منصة التتويج. غير أن المكسب الحقيقي لهذه التظاهرة الكروية لن يتوقف عند حدود اللقب، ولن يُختزل في فرحة الانتصار أو مرارة الخسارة، بل سيمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تتشكل ملامح جيل جديد من المواهب الواعدة، وتُزرع في نفوس اللاعبين الصغار بذور الثقة والطموح والإصرار على بلوغ القمة.

فالأمم الكروية لا تصنع أمجادها بالمصادفة، ولا تولد بطولاتها الكبرى من فراغ، وإنما تبدأ رحلتها من الملاعب الصغيرة، ومن أقدام ناشئين يحملون أحلاماً تفوق أعمارهم، ويؤمنون بأن الطريق إلى النجومية يبدأ بخطوة، وأن المجد الرياضي لا يُمنح لمن ينتظره، بل لمن يسعى إليه بالعمل والمثابرة والتضحية.

وفي مثل هذه البطولات، لا تكون النتائج وحدها مقياس النجاح، فثمّة لاعب يكتشف قدراته للمرة الأولى، وآخر يتعلم كيف ينهض بعد الخسارة، وثالث يختبر معنى المسؤولية حين يحمل شعار وطنه على صدره. وبين فرحة هدف ودمعة إخفاق، تتشكل شخصية اللاعب، وتنضج تجربته، وتترسخ في وجدانه قيم الانتماء وروح الفريق واحترام المنافس.

ولعلّ أجمل ما تمنحه هذه المنافسات أنها تفتح أبواب المستقبل أمام مواهب ربّما لم تجد بعد فرصتها الكاملة للتألق، فتمنحها مساحة لإظهار قدراتها أمام المدربين والكشافين والجماهير، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي في كرة القدم يبدأ من القاعدة، حيث تُصقل المهارات، وتُبنى الشخصيات، وتُكتشف الطاقات التي ستقود المنتخبات مستقبلاً.

وهكذا، لن تكون الدوحة مجرد مسرح لبطولة جديدة أو محطة عابرة في روزنامة المنافسات الخليجية، بل ساحة لصناعة الأمل، وملتقى لأحلام كروية تتطلع إلى أن تجد مكانها تحت أضواء الملاعب الكبرى.

صحافي سوري مقيم في النمسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى