نبيه نصّار الألم لغة بصرية
نوارة محمد
في المشهد التشكيلي اللبناني، يحضر اسم الفنان نبيه نصّار في عدد من المحطات الفنية التي انشغلت بالصورة والرمز والأسئلة الإنسانية. فقد شارك في معرض أقيم في المكتبة الوطنية اللبنانية وتناول في أعماله موضوعات مرتبطة برمزية السيدة العذراء ومآسي غزة، كما ظهر اسمه ضمن المشاركين في ملتقى «من زمان 6» في زوق مكايل، بالإضافة لمشاركته في معرض «صمود وإبداع» في شقرا، إلى جانب مجموعة من الفنانين اللبنانيين.
والاقتراب من تجربة نصار لا يبدو مكتملاً عند حدود المشاركات والمعارض، فالأهم في أعماله هو ذلك الاشتباك مع الإنسان حين يصبح الخوف والفقد والانتظار جزءاً من تكوين الصورة نفسها. فاللوحة عنده لا تأتي لتعيد رواية الحدث كما وقع، بقدر ما تحاول التقاط ما يتركه الحدث في الداخل الإنساني، خصوصاً حين تعجز اللغة الخبرية عن الوصول إلى المناطق الأكثر هشاشة في الوجدان.

الفنان التشكيلي اللبناني نبيه نصار
ومن هنا يبرز دور علاقته بصورة الأمومة، التي لا يراها مجرد موضوع ديني أو أيقونة بصرية مألوفة، وإنما مدخلاً إلى وجع إنساني يتكرر في المجتمعات والحروب والمآسي. يقول نصار في حديثه لـ «الصباح»: «حين أقف أمام صورة الأمومة بشكل عام والخوف بعينيها، لا أتعامل هنا مع شخصية دينية كرمز جامد في الكتب، بل أراها تجسيداً أزلياً لكل وجع إنساني مطلق. أراها أمّاً تلمس بأصابعها المرتجفة حتمية القدر، وأنها ترى الخطر محدقاً ويقترب من وليدها، وهي عاجزة عن فعل أي شيء. إنها صورة الأم في مجتمعاتنا العربية».
في هذه الرؤية، تتحول الأم من شخصية داخل العمل إلى حالة إنسانية مفتوحة، اذ يصبح الخوف فيها لغة تتجاوز المرجع الديني أو التاريخي. فالمشهد لا يتوقف عند صورة أم تخشى على وليدها، وإنما يستحضر خوفاً جمعياً تعرفه المجتمعات التي عاشت الحرب والتهجير والفقد، وتعرف فيه الأم تحديداً معنى أن ترى الخطر يقترب من طفلها من دون أن تمتلك القدرة على إيقافه.
ولذلك يبدو حضور الحرب والمأساة في تجربة نصار متصلاً بسؤال آخر ماذا يستطيع الفن أن يقول حين تعجز الصحافة عن نقل كل ما يحدث؟ هنا يضع الفنان اللون في مواجهة الخبر، لا باعتبارهما متناقضين، بل لأن لكل منهما منطقة يصل إليها ويتوقف عندها. ويقول إن «الخبر الصحفي ينتهي حين تبدأ لغة الدموع، وكذلك الألوان تماماً عند النقطة التي يفشل فيها أي تقرير إخباري في نقل نبض الروح الخائفة من تحت ركام الدمار».

ولا يرى نصار انتقال المأساة من الواقع إلى اللوحة مجرد استجابة عاطفية عابرة، بل فعلاً احتجاجياً يكتسب فيه الرسم وظيفة تتجاوز التشكيل الجمالي. ويضيف أن «دافعي نحو تحويل المأساة إلى لوحة فهو ليس شيئاً عابراً، إنما هو نوع من أنواع صرخة احتجاج، فالرسم هنا يصبح الملاذ الأخير لإنقاذ الإنسان».
وعندما يكون الإنسان في قلب اللوحة، فإنه لا يظهر عند نصار بوصفه جسداً يملأ الفراغ أو عنصراً ضرورياً لتحقيق التوازن التشكيلي، بل بوصفه حاملاً لآثار التجربة الإنسانية. فالخطوط نفسها تتغير عندما يكون موضوعها إنساناً مثقلاً بالفقد والانتظار، وتصبح المساحة البصرية أشبه بحقل للتوتر الداخلي.
يقول نصار إنه «لم يعد الإنسان كائناً يزين المساحة، بل تحول إلى ثورة توتر نفسي يعكس الفقد والانتظار، وباتت الخطوط هنا أكثر تقشفاً وقسوة لمواجهة وجع الروح».
وهذه القسوة التي يتحدث عنها لا تبدو منفصلة عن علاقته الشخصية بأعماله، إذ إن الفنان، حين يعود إلى لوحاته القديمة، لا يرى فيها مجرد مراحل تقنية تجاوزها، بل يكتشف أحياناً أشياء كانت تعمل في داخله قبل أن يدركها بوعيه الكامل. فاللوحة، بهذا المعنى، قد تكون أكثر صدقاً من الفنان نفسه في لحظة إنجازها.
وعن تلك العودة إلى الأعمال القديمة، يقول «عندما أنظر إلى لوحاتي القديمة فعلاً أكتشف في بعضها مخاوف عنيفة ما زالت نفسها، أو أشياء لم يتداركها عقلي أثناء الرسم».
ولعل هذه المسافة بين ما يقصده الفنان وما تقوله اللوحة لاحقاً هي التي تمنح الرمز عند نصار مساحته الخاصة، فهو لا يريد أن يغلق أعماله أمام تأويل واحد، ولا يرى ضرورة لأن تكون الصورة محكومة بتفسير نهائي يفرضه صاحبها على المتلقي. فاللوحة، بمجرد خروجها من المرسم، تبدأ حياة أخرى.
يشرح ذلك قائلاً: «أترك الرمز يولد عفوياً على السطح الأبيض، فهو كائن حي تنجزه الفرشاة، ولا أخشى اختلاف المعنى عند المتلقي، لأن اللوحة متى غادرت مرسمي أصبحت ملكاً لروح ناظرها ومقتنيها، وأصبحت عالمه الخاص».
صحفية وكاتبة عراقية






