شعر

القصيدة العمودية تستعيد وهجها

د. جاسم الخالدي

من يتأمل المشهد الشعري العربي في العقود الأخيرة يلحظ ظاهرة لافتة تتمثل في النهضة الجديدة لقصيدة العمود، بعد أن ظُنّ أنها تراجعت نهائياً أمام موجات التجديد التي اجتاحت الشعر العربي منذ منتصف القرن العشرين. فمنذ أواخر الأربعينيات وحتى نهاية التسعينيات، بدا أن قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، قد استحوذتا على المشهد، وأن القصيدة العمودية لم تعد قادرة على التعبير عن روح العصر.

غير أن ما حدث في العقدين الأخيرين قلب التوقعات؛ إذ استعادت القصيدة العمودية حضورها القوي في المنابر والمهرجانات والجوائز، كما ظهرت أجيال جديدة من الشعراء تكتبها بوعي جمالي حديث دون أن تفقد أصالتها الإيقاعية. فما سرّ هذه العودة؟ وما العوامل التي أسهمت في تراجع قصيدة التفعيلة أمامها؟

أولاً: عمق الجذر واستمرار الحاجة إلى الإيقاع

قصيدة العمود ليست قالباً شكلياً فحسب، بل هي تجسيد لتاريخ طويل من الوعي الجمالي العربي الذي يرى في الإيقاع والوزن نظامًا للوجود قبل أن يكون نظامًا للقصيدة.

لقد ارتبطت هذه القصيدة في الوجدان الجمعي بالهوية واللغة والموسيقى، فكانت، كما يقول أدونيس، «الذاكرة التي تتكلم»، وهي ذاكرة تمتد من امرئ القيس إلى المتنبي إلى الجواهري.

ومهما تغيّرت الأذواق، يبقى الإيقاع احتياجاً إنسانياً؛ فالنفس البشرية تميل إلى التوازن، والإيقاع يمنحها هذا التوازن، في حين تمضي قصيدة النثر إلى تفكيكه.

ومن هنا يمكن القول إن عودة قصيدة العمود ليست ارتداداً إلى الماضي، بل تعبير عن حاجة روحية عميقة إلى الاستقرار بعد زمن طويل من الفوضى الفنية والفكرية.

ولعل ما يدعم هذا الاتجاه أن الإنسان العربي المعاصر، بعد عقود من التشتت السياسي والثقافي، وجد نفسه يعود إلى ما يمنحه شعوراً بالثبات واليقين؛ تمامًا كما يعود إلى اللغة الفصحى في مواجهة التمزقات اللهجية والرقمية، وإلى الوزن في مواجهة الإيقاعات الحرة التي لم تعد تضبط إحساسه بالانتماء.

ثانياً: انحسار الموجة بعد غياب الكبار كانت قصيدة التفعيلة، حين ظهرت، ثورة فنية ووجودية؛ لأنها نقلت الشعر من الغنائية الفردية إلى الرؤية الجماعية، ومن الإنشاد إلى التعبير الداخلي. غير أن هذه الثورة ارتبطت بأسماء محددة: بدر شاكر السيّاب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش. هؤلاء لم يكونوا مجدّدين في الشكل فحسب، بل في الفكرة والرؤية والموقف من العالم. ومع رحيلهم، فقدت قصيدة التفعيلة زخمها الفكري؛ إذ تحوّل الشكل إلى ممارسة مدرسية تُقلَّد دون وعي بالروح التي أنشأته.

غابت القضايا الكبرى، وتحولت القصيدة إلى خطاب شخصي بلا مشروع، فغدت التفعيلة قالبًا بلا نار داخلية، كما يرى عدد من النقاد، الأمر الذي مهّد الطريق لعودة العمود، الذي بقي محتفظًا بطاقة غنائية أكثر انسجامًا مع الطبع العربي.

ثالثاً: قصيدة النثر بين النخبوية وانقطاع التلقي

منذ ثمانينيات القرن الماضي، فرضت قصيدة النثر حضورها بوصفها الشكل الأكثر جرأة في تمثيل الحداثة، واستطاعت أن تُحدث تحولاً في اللغة والرؤية. لكنها، في المقابل، فقدت صلتها بالجمهور الواسع؛ لأنها قامت على مبدأ نفي الإيقاع والوزن، أي نفي ما هو مألوف ومحبّب في الذائقة العربية. وكما يرى الناقد عبد الله الغذامي، فإن النثر – رغم امتلاكه تنظيراً قوياً – لم يجد لنفسه مكاناً راسخاً في وعي المتلقي، لأنه لم يخاطب الإحساس الجمعي بقدر ما عبّر عن فردية الشاعر وقلقه الوجودي.

وبذلك بقيت قصيدة النثر – رغم نضج بعض تجاربها – في فضاء النخبة الثقافية، فظلت «قصيدة صالون» أكثر منها “قصيدة جمهور”. وفي المقابل، أعادت عودة قصيدة العمود بناء العلاقة بين الشاعر والمتلقي؛ إذ يستطيع المتذوق العادي حفظها وإنشادها والاستمتاع بإيقاعها دون الحاجة إلى تفكيك تأويلي معقّد.

رابعاً: دور المؤسسات الثقافية والجوائز الشعرية

منذ نهاية التسعينيات، ظهرت موجة من الجوائز الشعرية الكبرى في الخليج، مثل «أمير الشعراء»، و«شاعر المليون»، و«جائزة دبي الثقافية»، وكان معظمها يعتمد الوزن والقافية معياراً رئيساً في المنافسة.

وقد وفّرت هذه الجوائز فضاءً جماهيرياً غير مسبوق لقصيدة العمود، وخلقت نظاماً إعلامياً موازياً للنقد الأكاديمي، إذ أصبح الشاعر العمودي نجمًا تلفزيونيًا يتابعه الملايين.

ولا شك أن التمويل المادي كان عاملاً مساعدًا، لكنه ليس السبب الجوهري؛ فالجوائز وحدها لا تصنع ظاهرة أدبية ما لم تتكئ على حاجة جمالية واجتماعية حقيقية.

لقد أعادت هذه المهرجانات الشعر إلى المجال العام بعد أن كان حبيس الصفحات الثقافية الضيقة، وأسهمت في إعادة تشكيل الذائقة العربية في الاتجاه نفسه.

خامساً: الهوية الثقافية والبحث عن الثبات

تعيش المجتمعات العربية اليوم أزمات عميقة على مستويات الهوية والانتماء واللغة، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يلجأ الوعي الجمعي إلى الأشكال الفنية الأكثر رسوخاً.

تمثل قصيدة العمود – في اللاوعي الثقافي العربي – رمزاً للهوية اللغوية والبيانية، فهي لغة التراث والدين والبلاغة الكلاسيكية.

وحين يشعر المتلقي أن الحداثة قطعت صلته بماضيه، يميل إلى استعادة الصيغ التي تمنحه هذا الارتباط. ومن ثم يمكن قراءة عودة قصيدة العمود بوصفها عودة إلى الذات الثقافية ومحاولة لإعادة التوازن بين الموروث والحداثة؛ فهي ليست رفضًا للتجديد، بل استيعاب له داخل البنية التراثية.

سادساً: العمود الجديد ـ حداثة داخل البنية التراثية

ينبغي ألا نغفل أن القصيدة العمودية العائدة اليوم ليست نسخة مكررة من عمود الخليل أو المتنبي، بل قصيدة واعية بتجارب الحداثة وطرائقها في الصورة والرؤية والتناص.

لقد استوعبت هذه القصيدة أساليب التفعيلة وقصيدة النثر في الرمز والانزياح والتكثيف، لكنها أعادت تنظيمها داخل نسق موزون يمنحها طاقة موسيقية لا تملكها الأشكال الأخرى.

وهذا ما يفسر جاذبيتها الراهنة: فهي حديثة في الرؤية، تقليدية في البنية، ومتوازنة في الحس الجمالي.

سابعاً: تراجع قصيدة التفعيلة بين غياب الرؤية وانسداد المشروع

على الرغم من استمرار كتابة قصيدة التفعيلة، فإنها تعاني تآكلاً في وظيفتها التعبيرية؛ إذ لم تعد قادرة على التميّز بوضوح بين نثر موزون وشعر متحرر من الإيقاع.

لقد أُنهك هذا الشكل في محاولته الجمع بين الانضباط والحرية حتى فقد توازنه، كما أن التفعيلة ـ بوصفها إيقاعاً داخلياً ـ لم تعد وحدها كافية للتعبير عن قلق العصر أو استرضاء ذائقة تبحث عن التماسك.

وحين تتراجع الوظيفة الجمالية لأي شكل فني، يبدأ المتلقي في البحث عن بديل يعوّض هذا النقص، وهو ما أسهم في عودة العمود إلى الواجهة.

إن عودة قصيدة العمود ليست صدفة ولا نكوصاً عن الحداثة، بل استجابة تاريخية وجمالية لاحتياج الإنسان العربي إلى الإيقاع والمعنى والهوية.

لقد أثبتت هذه العودة أن الشعر الحقيقي لا يموت، بل يغيّر أشكاله وفق حاجة الإنسان. فالعمود، في جوهره، ليس مجرد وزن وقافية، بل نظام للوجود الشعري.

أما قصيدة التفعيلة فقد أدت رسالتها التجديدية حين فتحت باب الحرية، لكنها تراجعت حين استنفدت جزءًا من طاقتها التعبيرية.

وأما قصيدة النثر فبقيت تجربة فكرية رفيعة لم تتصل على نحو واسع بالوجدان العام.

وبين هذه التيارات الثلاثة، تتجدّد قصيدة العمود اليوم بروح جديدة تجمع بين الأصالة والحداثة، وتؤكد أن الشعر – مهما تغيّرت أشكاله – سيبقى بحثًا أزليًا عن إيقاع الوجود في اللغة.

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى