السَّلط… مدينة تقرأ ذاكرتها في الحجر
…
عبد الكريم البليخ

السّلط مدينةً لا يمكن أن تعبرها العين ثم تمضي، بل مكانٌ يطلب من زائره أن يبطئ خطاه، وأن يصغي إلى ما تقوله الحجارة الصفراء حين تلامسها شمس المساء، وما ترويه الأدراج القديمة وهي تصعد بين البيوت كأنها تصل حاضر المدينة بماضيها.
تقع السلط على مرتفعات البلقاء، إلى الغرب من عَمّان بنحو ثلاثين كيلومتراً، مبنيةً فوق ثلاثة تلال متقاربة، لكنها تبدو، في معناها الإنساني، أبعد من المسافات وأعمق من الجغرافيا؛ فهي ليست مجرد مركزٍ لمحافظة البلقاء، ولا مدينةً أردنيةً عريقةً استقرت فيها الحضارات وتعاقبت عليها الأزمنة، بل ذاكرةٌ اجتماعية كاملة تشكلت عند ملتقى الطرق بين شرق الأردن وفلسطين وبلاد الشام.
تاريخ بلون الذهب
من موقعها المرتفع كانت تشرف على الجهات البعيدة، وتراقب القوافل والوجوه القادمة من نابلس ودمشق وبيروت والبادية، فتعلمت باكراً أن المدينة التي تفتح أبوابها للغريب لا تفقد هويتها، وإنما توسعها، وأن الاختلاف لا يهدد المكان إذا امتلك أهله من الثقة ما يكفي ليجعلوا الضيافة أسلوب حياة، لا مجاملةً عابرة.
وخلال العقود الأخيرة من العهد العثماني، ولا سيما بين ستينيات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ازدهرت السلط بوصفها مركزاً للتجارة والزراعة والمال، واستقر فيها تجار وحرفيون وبناؤون مهرة قدموا من مناطق مختلفة، فانتقلت من تجمعٍ ريفي متواضع إلى مدينة نابضة ذات شخصية معمارية مميزة. ومن ذلك الازدهار خرجت بيوتها الكبيرة ومبانيها العامة وواجهاتها المقوسة، وشرفاتها ونوافذها العالية، وقد شُيد معظمها من الحجر الجيري الأصفر المستخرج من البيئة المحيطة، حتى غدا اللون الذهبي توقيع المدينة وملامحها التي لا تخطئها الذاكرة.

الحجر في السلط ليس مادة بناء فحسب؛ إنه سجلٌّ مفتوح لعائلات سكنت، وأجيال رحلت، وأفراح عبرت النوافذ، وأحزان بقي صداها خلف الأبواب الثقيلة. ولهذا لم يكن إدراجها سنة 2021 على قائمة التراث العالمي باسم «السّلط: مدينة التسامح والضيافة الحضارية» تكريماً لجمال مبانيها وحده، بل اعترافاً بنموذجٍ اجتماعي عاش فيه المسلمون والمسيحيون متجاورين من دون أحياء مغلقة تفصل بينهم، وتقاسمت البيوتُ الجدران، كما تقاسمت العائلات الأفراح والأتراح والخبز والذاكرة.
هنا لا تبدو المئذنة نقيضاً لجرس الكنيسة، بل صوتاً آخر في اللحن نفسه، ولا يظهر الاختلاف الديني حاجزاً، وإنما يصبح جزءاً من تكوين مدينة أدركت أن الإيمان يعلو حين يتحول إلى رحمة، وأن العمارة الأجمل هي تلك التي تتسع للإنسان قبل أن تتباهى بالحجر.
كانت «المضافة» واحدةً من علامات هذا الكرم الحضري؛ غرفةً مفتوحة للضيف والعابر وصاحب الحاجة، لكنها كانت أيضاً مؤسسةً أخلاقية غير مكتوبة، يتجسد فيها التكافل الاجتماعي وتذوب عند عتبتها الفروق بين الناس. لذلك فإن التسامح في السّلط لم يكن شعاراً صيغ لاحقاً لتزيين صورتها السياحية، بل ممارسةً يوميةً صنعتها الضرورة ونضجت بالمحبة، حتى صار البيت بيتين: بيتاً لأهله، وآخر لمن يطرق بابه. وفي قلب المدينة يقف بيت أبو جابر، الذي تحوّل إلى متحف السّلط التاريخي، شاهداً على زمن الازدهار وعلى براعة العمارة المحلية في استيعاب المؤثرات القادمة من الخارج وإعادة صياغتها بروح المكان.

شُيّد البيت في أواخر القرن التاسع عشر، وتبلغ مساحته نحو 1242 متراً مربعاً، ولا يعرض تاريخ السلط من منتصف ذلك القرن إلى أوائل القرن العشرين من وراء زجاجٍ بارد فحسب، بل يجعل الزائر يمشي داخل التاريخ نفسه؛ ففي الطابق الأرضي مركزٌ للزوار والدراسات وقاعةٌ للمعارض المؤقتة، وفي الطابق الأول سردٌ لتحولات المدينة، بينما ينفتح الطابق الثاني على ثقافتها وعمارتها وتفاصيل حياتها اليومية.
لقد رُتبت قاعاته بما يحفظ روح البيت، وكأن الغاية لم تكن تحويل المنزل إلى متحف، بل إقناع الذاكرة بأن أصحاب الدار خرجوا قليلاً وسيعودون. وعلى مقربة منه ينهض متحف آثار السلط في بيت آل طوقان، وقد تأسس سنة 1983 ليكون متحفاً إقليمياً للبلقاء، ويضمّ ما يقارب ألفاً وسبع قطع أثرية جاءت من حفريات المنطقة وتمتد من العصر الحجري النحاسي إلى العصور الإسلامية؛ فخاراً وصواناً وفسيفساء ومسكوكات، كأن المدينة تجمع أزمنتها في غرفة واحدة، وتقول إن الإنسان يتغير كثيراً، لكن حاجته إلى أن يترك أثراً لا تتغير.
أما مسجد السَّلط الكبير، بما يحمله من جذورٍ دينية وتاريخية عميقة، فيمثل استمرارية الروح وسط تبدل الأزمنة؛ ساحته ومصلاه، مئذنته ذات الأدراج اللولبية، بركته الحجرية وأرضياته الصلبة، كلها تمنح العبادة بعداً مكانياً، وتجعل الداخل إليه يشعر بأن أقداماً كثيرة سبقته إلى الدعاء.
لم يكن المسجد موضع صلاةٍ فحسب، بل فضاءً للدروس والمحاضرات واجتماع الناس، شأنه شأن دور العبادة القديمة التي كانت تحفظ توازن المجتمع وتربط المعرفة بالإيمان.
درجات نحو الجمال
ومن السكينة الروحية إلى صخب الحياة اليومية يمتد شارع الحمّام في قلب السلط القديمة، محتفظاً باسم حمّام تركي لا تزال آثاره حاضرةً فيه، ومواصلاً وظيفته كسوقٍ حي لا كديكور تراثي جامد. في محاله تختلط رائحة التوابل والخبز والقهوة بأصوات الباعة وخطوات الزائرين، وعلى جانبيه مطاعم ومقاهٍ بسيطة تمنح الغريب شعوراً سريعاً بالألفة، بينما يجتمع في نسيجه مسجد السلط الصغير وكنيسة مشيدة بالحجر الأصفر على طراز إيطالي، في صورة تختصر فلسفة المدينة كلها: اختلافٌ في العلامات ووحدةٌ في المكان. غير بعيد عن هذا النبض، يفتح بيت خيرات السلط باباً آخر للذاكرة، إذ تتحول فيه المنتجات التراثية إلى وسيلة لحماية الحكاية ودعم سيدات المجتمع المحلي؛ أثواب السلط المطرزة المعروفة بالمدارق، وألبسة الأجداد من الجبر والدامر والشماغ، والمربيات والخبيصة والسماق والزعتر البلدي والصابون وأطباق القش.
مجمل هذه الأشياء ليست معروضاتٍ صامتة، بل امتدادٌ للأيدي التي صنعتها، وللنساء اللواتي حافظن على مذاق البيوت وألوانها في مواجهة زمنٍ يميل إلى توحيد كل شيء ومحو الفروق الجميلة.

ومن شارع الستين، حيث الإطلالة البانورامية والهواء المعتدل، تبدو السلط كأنها مجموعة طبقاتٍ من البيوت والتلال والذكريات؛ مدينة لا تستلقي على الأرض، بل تتدرج فوقها، ولذلك فإن المشي فيها فعل اكتشافٍ وتأمل معاً.
كل درجٍ فيها يختبر الجسد، لكنه يكافئ الروح بمنظرٍ جديد، وكل منعطف يفتح نافذةً على سطحٍ قديم أو قبة أو شجرة أو فناء منزلي.
أما عين الجادور والينابيع والطبيعة الخضراء المحيطة بالمدينة فتخفّف صلابة الحجر، وتذكر بأن هذا العمران لم يولد منفصلاً عن الطبيعة، بل نما معها واستمد منها لونه وماءه ومناخه. وفي وادي شعيب، غرب السلط، يقع مقام النبي شعيب وسط الأشجار الحرجية والهدوء، فتتسع رحلة المدينة من التاريخ إلى الروح؛ هناك يشعر الزائر بأن الصمت ليس غياباً للصوت، بل حضورٌ لمعنى لا يحتاج إلى كلام، وأن الأماكن المقدسة تكتسب رهبتها أحياناً من عزلتها بقدر ما تكتسبها من تاريخها.
ومن بين أبرز علامات السّلط أيضاً مدرستها الثانوية العريقة، أول صرحٍ تربوي من نوعه في الأردن، التي جعلت من المدينة منارةً للتعليم مثلما كانت مركزاً للتجارة؛ فكأن السلط أدركت أن المدن لا تحافظ على مكانتها بالحجر وحده، بل بالعقول التي تتعلم داخله. وربّما لهذا كله يصعب اختزالها في قائمة معالم سياحية؛ فهي ليست بيت أبي جابر وحده، ولا المسجد الكبير، ولا شارع الحمّام، ولا المتحف، ولا المطل، ولا المقام، بل العلاقات الخفية التي تصل هذه الأمكنة بعضها ببعض.

إنها الطريقة التي يتحول بها الشارع إلى ذاكرة، والبيت إلى ضيافة، والدين إلى جوار، والحرفة إلى كرامة، والطعام إلى هوية، والحجر إلى لغة.
السّلط تعلّم زائرها أن التراث ليس ما نضعه خلف واجهات العرض، ولا ما نحفظه في المتاحف والكتب وحدها، وإنما هو ما يظل قادراً على العيش فينا، وتوجيه سلوكنا وصوغ علاقتنا بالناس والمكان. فالتراث الحقيقي ليس حجراً صامتاً نلتقط إلى جواره الصور، بل ذاكرة حيّة تظهر في طريقة استقبال الضيف، وفي احترام الجار، وفي الأبواب التي لا توصد في وجه العابر، وفي تلك الألفة التي تجعل الغريب يشعر، منذ خطواته الأولى، بأنه ليس غريباً تماماً.
والمدينة لا تكون جميلة لأنها نجت مبانيها من الهدم فقط، ولا لأنها حافظت على شرفاتها ونوافذها وواجهاتها المقوسة، بل لأنها استطاعت أن تحتفظ بشيء من روحها الأولى وسط سرعة العالم وتحولاته القاسية. وهذا ما فعلته السّلط؛ فقد أبقت في حجارتها الصفراء دفء البيوت القديمة، وفي أسواقها صدى خطوات الأجداد، وفي مضافاتها معنى الكرم الذي لا ينتظر مقابلاً، وفي أحيائها صورة المجتمع الذي عرف كيف يجعل من الاختلاف سبباً للتعارف، لا ذريعةً للانقسام.
مدينة بلا أسوار
إنها مدينة بلا أسوار، ليس لأنها خالية من الجدران، بل لأن جدرانها لم تتحول يوماً إلى حواجز بين أهلها. فالمسجد والكنيسة يتجاوران فيها كما تتجاور البيوت، ويختلط صوت المئذنة برنين الأجراس في فضاء واحد، وكأن المدينة تقول إن الإيمان الصادق لا يضيق بالآخر، وإن القلوب الواثقة لا تخشى التنوع، بل ترى فيه وجهاً آخر من وجوه الحياة. هنا لا يحتاج التسامح إلى خطب طويلة أو شعارات كبيرة، لأنه حاضر في التفاصيل اليومية، في السلام المتبادل، وفي الأفراح والأتراح المشتركة، وفي رغيف الخبز الذي يعبر من بيت إلى آخر من دون أن يسأل عن هوية ساكنيه.

وحين يغادرها المرء، لا يحمل معه صور الواجهات الذهبية وحدها، ولا مشاهد الأدراج والأسواق والتلال فحسب، بل يصطحب إحساساً داخلياً بأنه مرّ بمدينة تعرف كيف تكون قديمة من دون أن تكون منتهية، وكيف تحافظ على ماضيها من دون أن تتحول إلى أسيرة له، وكيف تكون متدينة من دون أن تضيق بالآخر، وكيف تستقبل الغريب من دون أن تسأله أولاً من يكون، ومن أين أتى، وإلى أي جماعة ينتمي.
ولهذا تبدو السّلط، في جوهرها، أكثر من مدينة أردنية أُدرجت على قائمة التراث العالمي؛ إنها تجربة إنسانية مكتملة، ودرس هادئ في إمكان العيش معاً، ورسالة مفتوحة إلى المدن التي أنهكتها الانقسامات وأغلقتها المخاوف. إنها تقول إن الحضارة لا تبدأ من القصور العالية ولا من الشوارع الواسعة، بل من الباب المفتوح، ومن يد تمتد إلى القادم، ومن جار يرى في جاره شريكاً في المكان والمصير.
فالمدن العظيمة لا تُقاس بارتفاع جدرانها، ولا بعدد أبراجها ومعالمها، وإنما بمقدار ما تمنحه للإنسان من طمأنينة وانتماء. وأكثر المدن رسوخاً في الذاكرة ليست تلك التي تحيط نفسها بالأسوار، بل تلك التي تتسع قلوب أهلها، وتبقى أبوابها مشرّعة للحياة.
وهكذا تظل السّلط مدينةً بلا أسوار؛ يدخلها الزائر من طرقها، لكنها تدخل إليه من جهة القلب، وتبقى فيه طويلاً بعد أن يرحل.
كاتب وصحافي سوري



