آب اللّهاب في إيطاليا
عبد الكريم البليخ

قضيتُ سبعة أيام من مطلع شهر آب في إيطاليا، وهناك تذكرت تسمية قديمة طالما رددناها منذ طفولتنا: «آب اللهاب».
كنت أظن، في أحيان كثيرة، أن العبارة تنتمي إلى قاموس المبالغات الشعبية، وأنها لا تعدو أن تكون وصفاً متوارثاً لحرارة الصيف، لكنني اكتشفت هذه المرة أن بعض الكلمات تكتسب معناها الحقيقي حين نعيشها، لا حين نسمعها.
أنا ابن سوريا، البلد الذي لا تبدو فيه درجات الحرارة التي تتجاوز الأربعين أمراً استثنائياً، وحيث عرفنا صيفاً تصل فيه الحرارة أحياناً إلى مستويات تكاد تلامس الخمسين درجة. ومع ذلك، فقد كانت الأيام التي أمضيتها في منتجع Isamar Holiday Village، القريب من سوتّومارينا ومدينة كيودجا، وعلى مسافة ليست بعيدة من البندقية، تجربة مختلفة جعلتني أتعرف إلى وجه آخر من وجوه الصيف.
فالحرارة ليست رقماً يظهر على شاشة الهاتف، ولا خبراً عابراً في نشرة الطقس. إنها إحساس يُثقل الجسد، ويغير المزاج، ويعيد ترتيب تفاصيل اليوم كله. وعندما تقترن بالرطوبة العالية، تصبح الشمس أكثر وطأة، ويغدو البحث عن الظل جزءاً من برنامج الإنسان اليومي، بدلاً من أن يكون البحر والشمس عنوانين للمتعة والاستجمام.
ذهبنا إلى المنتجع وفي مخيلتنا صورة مألوفة عن الإجازة: بحر، ومسابح، وهدوء، وأيّام قليلة تتيح للإنسان أن يبتعد عن صخب المدن ومشاغل الحياة. غير أن الواقع، كما يحدث دائماً، لا يسير تماماً وفق ما ترسمه المخيّلة.
كانت الشمس اللاهبة تفرض إيقاعها منذ ساعات الصباح، فيما أضاف انتشار البعوض والحشرات الصغيرة قدراً آخر من الإزعاج، حتى تحولت بعض ساعات الراحة إلى اختبار للصبر والاحتمال. عندها فقط فهمت لماذا لم تأتِ تسمية «آب اللهاب» من فراغ، ولماذا تحتفظ الذاكرة الشعبية ببعض العبارات عشرات السنين؛ لأنها تختصر تجربة كاملة في كلمتين.
ومع ذلك، سيكون من الظلم اختصار أيّام الرحلة في مشقة الطقس وحدها.
فالمنتجع الذي أقمنا فيه يتمتع بمساحة واسعة وتنظيم لافت، وقد أعادني في بعض تفاصيله إلى ذكريات معسكرات الطلائع في طفولتنا، حين كان المكان يبدو لنا عالماً قائماً بذاته، تتحرك فيه مجموعات الناس بين الأنشطة والملاعب والمرافق المختلفة، وكأنهم يعيشون داخل مدينة صغيرة مؤقتة.
في Isamar تتوزع المسابح والمرافق الترفيهية على مساحة كبيرة، ويمنح البحر القريب المكان جمالاً إضافياً. كما أن كثافة الزوار، وهم من جنسيات متعدّدة، تكشف حجم الإقبال على هذه المنتجعات خلال فصل الصيف، حيث تبحث الأسر عن أيام تستعيد فيها شيئاً من هدوئها بعيداً عن رتابة الحياة اليومية.
وكانت النظافة من أكثر التفاصيل التي تلفت الانتباه، إلى جانب سرعة استجابة العاملين لاحتياجات الزائرين. وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة للمصطافين، كان القائمون على المنتجع يحاولون معالجة المشكلات وتدارك أي خلل يمكن أن يؤثر في راحة النزلاء.
وهنا تصبح الخدمة السياحية أكثر من مجرد غرف ومسابح ومطاعم وشواطئ. إنها ثقافة في التعامل مع الإنسان، وإدراك أن السائح الذي يأتي لبضعة أيّام يحمل معه توقعات كثيرة، وأن نجاح المكان لا يقاس فقط بجماله، وإنما بقدرته على جعل ضيفه يشعر بأنه موضع اهتمام واحترام.
لكن الرحلة تركت في داخلي سؤالاً آخر: ما الذي نبحث عنه حقاً حين نسافر؟
نظن أحياناً أن تغيير المكان كافٍ لتغيير حالتنا النفسية، وأن البحر قادر وحده على محو التعب، وأن بضعة أيام في منتجع سياحي تستطيع أن تعيد للروح توازنها. ثم نكتشف أن الإنسان يحمل نفسه معه أينما ذهب؛ يحمل مزاجه وقلقه وتوقعاته، ويحمل أيضاً قدرته المحدودة على مواجهة الطقس والازدحام والمفاجآت.
ولهذا كان الأسبوع الذي قضيته هناك مزيجاً من المتناقضات: جمال الطبيعة وقسوة المناخ، البحر المفتوح وحرارة الشمس، وسائل الترفيه وحاجة الجسد إلى الاحتماء منها ساعات طويلة.
وربما تكمن قيمة السفر الحقيقية في هذه المفارقة تحديداً. فهو لا يمنحنا دائماً المتعة التي ننتظرها، لكنه يمنحنا فرصة لرؤية الأشياء من زاوية مختلفة، واكتشاف أن الأمكنة، مهما بدت جميلة في الصور، تظل حياة كاملة لها ظروفها ومشكلاتها وتفاصيلها التي لا تظهر في الإعلانات السياحية.
سبعة أيام مرت سريعاً، لكنها كانت كافية لأن تمنح عبارة «آب اللهاب» معنى جديداً في ذاكرتي.
عدت وأنا أدرك أن الراحة ليست مكاناً فقط، وأن الجمال لا يُلغي المشقّة، وأن أجمل الرحلات ربّما ليست تلك التي تكون مثالية، بل تلك التي تعود منها وفي داخلك حكاية، وصورة، ودرس صغير عن الإنسان والطبيعة والحياة.
كاتب وصحافي سوري











