بصراحة

حين يصبح التخوين مهنة لتجّار الأزمات!

د. فيصل القاسم

لم يعد التخوين في بلادنا تهمة استثنائية تُطلق في حالات قصوى، بل تحوّل إلى ممارسة يومية، وإلى أداة رخيصة في يد فئة مؤزمة أخلاقياً امتهنت الإساءة والقذف والافتراء والفبركات، وتغذّت على الفوضى وآلام الناس ومصائبهم، وبنت حضورها على تشويه الآخرين فقط لأنهم رفضوا أن يرافقوهم في طريق السمسرة والمتاجرة بقضايا الغلابة. اليوم، يكفي أن تختلف، أن تعترض، أن ترفض الاصطفاف الأعمى وراء هذا النصّاب أو ذاك، أو أن تقول “لا” في وجه القطيع، حتى تُرمى فوراً بأقذر الاتهامات: خائن، قواد، بائع أهلك وناسك، ساقط أخلاقياً، عميل، بلا شرف، بلا كرامة. وهكذا من تهم من دون أي سند أو دليل.

هذه ليست آراء، ولا مواقف سياسية، ولا حتى انفعالات لحظية. هذه ثقافة انحطاط، تُدار بعقلية غوغائية بذيئة وتُسوَّق بشعارات أخلاقية وسياسية كاذبة، وتُمارَس بوقاحة من أشخاص لا يملكون لا أهلية أخلاقية ولا تاريخاً نظيفاً يسمح لهم بالحكم على أحد.

الأدهى أن هؤلاء ينصّبون أنفسهم قضاة بلا تفويض، وجلادين بلا قانون، ويوزّعون شهادات الشرف والقرف وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة والنار. يرفعون شعارات من نوع “أهلك لو تهلك”، ويختبئون خلفها كأنها صك غفران، بينما هي في الحقيقة مجرد عصا غليظة لضرب كل من لا يسبّح بحمد هؤلاء المارقين ويسير في ركبهم القائم على النفاق والشقاق والبلطجة. «يا روح أمك»: من يحذرك من السير في الطريق الخطأ ليس خائناً، بل ناصح أمين يريد مصلحتك.

ولو كانت هذه الشعارات نابعة فعلاً من حسّ إنساني صادق، أو من غيرة حقيقية على الناس وكرامتهم ومصائبهم، لكان أولى بهم أن يحاسبوا أنفسهم قبل غيرهم، وأن ينظروا في مراياهم قبل أن يشهروا أصابع الاتهام. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: شعارات للاستهلاك، وعواطف مستثمرة، وألم ومحن الناس تُستعمل وقوداً لحروب ومنافع شخصية قذرة ومفضوحة.

وحين نمعن النظر في سِيَر هؤلاء “الطاهرين” بين قوسين طبعاً، تتكشف الفضيحة الكبرى. سنجد أن كثيرين ممن يزايدون اليوم على الشرف والوفاء هم أنفسهم من أكثر الناس تورطاً في النفاق والرياء، والكذب والدجل، والاحتيال، والسرقة. هم تجّار أزمات، لا أصحاب قضايا. باعة أوهام، لا مناضلين. محترفو خطاب غوغائي، لا أصحاب فعل.

كم من هؤلاء جابوا السفارات، وطرقوا أبواب الجاليات، وبكوا دموع التماسيح على “أهلهم وناسهم”، وجمعوا التبرعات باسم الفقراء والمحتاجين؟ وكم من تلك الأموال لم ترَ طريقها يوماً إلى جائع أو مريض أو منكوب، بل انتهت في حسابات شخصية، واستثمارات خاصة، وعملات رقمية وبيوت فاخرة في أمريكا وأوروبا وغيرها؟

وهنا تكمن المفارقة الأشدّ إيلاماً: هؤلاء أنفسهم، ممن تحوم حولهم شبهات الاستغلال والمتاجرة بآلام الناس، المتاجرون بالألم، هم من يملأون اليوم مواقع التواصل الاجتماعي دروساً في الشرف والغيرة، وخطباً في الأخلاق والقيم والمروءة والشهامة والكرامة، ومنشورات تتهم الآخرين. يتحدثون عن القيم وهم أوّل من دهسها، وعن الأمانة وهم محترفو سرقة، وعن التضحية وهم لم يضحّوا إلّا بالناس.

هذا السلوك ليس صدفة، بل نمط معروف في علم النفس الاجتماعي: من يملك سجلاً أسود من هؤلاء الحاقدين الصغار، يحتاج دائماً إلى تشويه غيره ليبدو أقل سواداً. من سرق، يتهم غيره بالخيانة. من تاجر بالألم، يتهم غيره بانعدام الإنسانية. إنها عملية إسقاط نفسي، لكنها فعّالة في مجتمعات أنهكتها الفوضى والمعاناة والحروب.

الأخطر من كل ذلك أن ثقافة التخوين هذه لا تدمّر الأفراد فقط، بل تدمّر المجتمع بأكمله. فهي تقتل أي نقاش عقلاني، وتسحق أي مساحة للاختلاف، وتحول الساحة العامة إلى حلبة سبّ واتهام. وحين يصبح كل مخالف “خائناً”، يفقد مفهوم الخيانة معناه. وحين يصبح كل ناقد “قواداً”، تنهار اللغة، ويسقط المنطق، وتتحول الأخلاق إلى أداة ابتزاز.

الخيانة الحقيقية ليست في الرأي، ولا في الموقف، ولا في رفض الانخراط في جوقة العواء والنباح. الخيانة الحقيقية هي سرقة أموال الفقراء، والمتاجرة بدموع الثكالى، واستغلال الخوف والجوع لتحقيق مكاسب شخصية. الخيانة الحقيقية هي أن تبني مجدك على خراب الآخرين، ثم تتجرأ على اتهامهم بانعدام الشرف والكرامة. كم تاجروا باسمك أيتها الكرامة وهم منها براء.

آن الأوان لكسر هذه الحلقة القذرة. آن الأوان لفضح تجّار الشعارات والأزمات، وفضح من حوّلوا التخوين إلى مهنة، والنذالة إلى منصة، والوقاحة إلى خطاب. آن الأوان لأن يُسأل هؤلاء عن أموال الناس، لا عن مواقف غيرهم. عن أفعالهم، لا عن شعاراتهم.

فالمجتمعات لا تُبنى بالصراخ، ولا بالنبش في الأعراض، ولا بتوزيع التهم الجاهزة على كل من استخدم عقله لمواجهة الشبيحة واللصوص وتجار المخدرات ومستغلي الأزمات وعذابات الناس، بل تُبنى بالصدق، والمحاسبة، والشفافية، وبالقدرة على قول الحقيقة مهما كانت موجعة. أما الذين لا يملكون إلّا أصواتهم العالية واتهاماتهم الرخيصة، فمكانهم الطبيعي مزبلة التاريخ.

كاتب واعلامي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى