هاملت يغرق في نفايات دمشق!
خليل صويلح

يصعب تفسير نوع الرائحة التي تهبّ من الشارع نحو شرفة منزلي لحظة تفريغ الحاوية داخل شاحنة القمامة، في الساعة السابعة والنصف صباحاً من كل يوم. كانت “تلك الرائحة” مزيجاً لا يُحتمل من العفونة والفضلات المتخمّرة والنشادر، وذلك بتدبير من طقس شهر أغسطس/آب الملتهب (45 درجة مئوية).
دعك من رائحة الياسمين التي تهديها الإذاعات المحلية صباحاً لمستمعيها مجاناً، أو “بردى يا حبيبي ما بتذكر عشرتنا” بصوت محمد عبد المطلب، فنهر بردى أضحى مكبّاً للنفايات، وهو المصير نفسه الذي طاول بقايا البيت المهجور لرائد المسرح العربي أبي خليل القباني في أعلى تلال الربوة.
في هذا الموعد اليومي، أقصد في الساعة السابعة والنصف صباحاً وما يليها من روائح مقزّزة لا تُحتمل، أحاول أن أتجاهل صورة رأس امرأة مقطوعٍ ومشوّهٍ تغطيه بقعة دم، رأس امرأة بشعر أشقر طويل، اكتشفه نبّاشون داخل حاوية قمامة في أحد الأحياء العشوائية المحيطة بالعاصمة. كان أحدهم قد نشر الصورة التي حظيت بآلاف المشاهدات في موقع فيسبوك كإشارة إلى ارتفاع وتيرة العنف في المدينة، خصوصاً بعد فوضى الحرب.
أزيحُ الصورة عن مخيلتي مؤقتاً باستعراض مشهديات أقلّ وطأة، إلّا أن الدماء المتخثّرة فوق قشرة الرأس وطرف الحاجب الأيمن ستسيل ببطء نحو شاشة اللابتوب، وتمتزج بطعم القهوة بالتزامن مع كل وردية عمل صباحية لعمّال النظافة.
سُجّلت هذه الجريمة ضد مجهول، وطُويت الحادثة تحت ثقل جرائم مروّعة أخرى، لكن موقعاً استقصائياً سينفرد بنشر تقرير موسّع عن تفاصيل الواقعة، كشف فيه أن عصابة للدعارة وبيع المخدرات، يتزعمها ضابط شرطة سابق، تقف وراء الجريمة إثر شجار جماعي نشب في ليل متأخر، وأن الضحية مغنيّة غجرية تعمل في ملهى ليلي على طريق المطار الدولي.
كنت عائداً للتو من إجازة قصيرة إلى البحر في محاولة لتنظيف دماغي من آثار النفايات اليومية التي أثقلت روحي طويلاً، إلّا أنني صرفت أوقات البهجة الخاطفة بأسرع مما توقّعت بمجرد أن توقّفت حافلة الإياب في الكراج، ذلك أن مشاهد القذارة، والزحام البشري، والتلوث، وأكوام النفايات، واللصوص، ومرضى الأقاليم الذين أتوا إلى العاصمة للعلاج من الأمراض المستعصية، بدت جميعاً مثل ماكيت مصغّر لأحوال البلاد.
متوسطيون أم بداوة؟
لم أجد وقتاً ملائماً خلال أيام الرحلة القصيرة لإتمام قراءة فصل واحد من المجلد الضخم الذي دسسته أسفل الحقيبة، رغم إغراء عنوانه “أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران الحضري” للباحث الموسوعي محمد جمال باروت. سأغوص لاحقاً في قراءة هذه الحفريات بإلحاح فحص الأصول الأولى لسلالات أجدادي من البدو الرحّل قبل استقرارهم في الجزيرة السورية، شمال شرق البلاد، وتحوّلهم من “أهل ضرع إلى أهل زرع”، حسبما يقول ابن خلدون.
أجلس فوق صخرة من صخور الشاطئ، أرقب قوارب الصيادين وهي تمخر المياه العميقة، أتأمل غروب الشمس لحظة تغطس ببطء في الجهة المقابلة للشاطئ بقناعة راسخة أننا متوسطيون، ننتمي إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط لا إلى الصحراء، لكن عاصفة رملية في الرأس ستهبّ فجأة لتزعزع طمأنينتي وتحطّم سفينتي المبحرة شمالًا. أنكّس رايتي عائداً إلى صحرائي الأولى مثل محاربٍ مهزوم في غزوة خاسرة. آثار حوافر حصاني تمحوها رمال الصحراء، فيما ترتطم أمواج الشاطئ بالصخور، مخلّفة نفايات من صنف آخر.
أرتاد مقهى الروضة في حي الصالحية عند الواحدة ظهراً من كل يوم عدا الجمعة، أجلس إلى طاولة في ركنٍ قصي من الصالة، أخرج جهاز اللابتوب من حقيبتي وأبدأ الكتابة، غير عابئ بضوضاء المكان. أراقب حشود البشر الذين توافدوا إلى العاصمة إثر سقوط الديكتاتور، كمن يقلّب صفحات جريدة يومية: بدو وريفيون وقطّاع طرق ومتسولون وزعران ولاجئون عائدون من المنافي، كما لو أننا في بابل لهجات. سترنّ عبارة “حياة زبالة” في أذني بإيقاعات مختلفة مثل رمية نرد، فالشكوى من قسوة مهنة العيش أسطوانة يومية يردّدها الجميع تقريباً.
إنها الزبالة مرّة أخرى داخل الحاويات وخارجها، وقد جرى توطينها في المعجم اليومي كما لو أنها نبتة ريحان في مزهرية فوق الطاولة، فمطحنة إدارة النفايات الصلبة تعمل بدوام كامل، بالتناوب مع إعادة تدوير الكائنات البشرية لتأصيل بلاستيك العاطفة ودعّامات صمّامات عضلة القلب المصنوعة من مواد معدنية أو من قلب خنزير.
هكذا نغرق في المقهى، كما كل يوم، بنفايات الكلام واللغة المستعملة إلى حدود التلف، وفائض الحكي كفلاسفة مؤجلين، ثم نمضي “على حمّالة لغة مريضة”، باستعارة من الشاعر وديع سعادة، لكننا في شهر أغسطس/آب – على وجه التحديد – نصل إلى مرحلة التفسّخ.
يضع أحدهم جثة شاعر عمودي أو ما بعد حداثي، لا فرق، فوق طاولة الرخام، ويعمل على تشريحها وتقطيع أوصالها إلى أن تتحلل تمامًا إلى بكتيريا وجراثيم وفطريات، وبالمقياس ذاته تتحلل بمبضع جرّاح جثث روائيين وكتّاب قصة قصيرة وسينمائيين وجنرالات ومحللين سياسيين وصانعي محتوى وذباب إلكتروني. ما يبدأ في الظهيرة بكأس من الشاي وجثة متفسخة، ينتهي مساءً بمقبرة جماعية واحدة على الأقل، من بين 73 مقبرة جماعية جرى اكتشافها حتى الآن في مختلف أنحاء البلاد.
تلوّث سمعي بأعلى طبقاته
لن تنتهي المذبحة البيئية هنا، فنحن على موعد هذه المرّة مع التلوّث السمعي بأعلى طبقاته، كأن تبدأ صباحك بشريط مسجّل يعلن فيه صاحبه عن شراء البطاريات التالفة وأنواع البلاستيك والغسالات المعطّلة، وكل أنواع الخردة بما يشبه النفير العام (أفكّر الآن باللصوص المتخصصين بسرقة المطارق النحاسية لأبواب البيوت القديمة).
ما إن يتلاشى صوت آلة التسجيل الجحيمية، ستنطلق ورشات ترميم المنازل باستعمال آلات موسيقية أشدّ إزعاجاً: مطارق ومهدّات، وأزيز مثاقب كهربائية، ورائحة دهان، ومشاجرات عمّال، ثم يلتحق بالموكب بائع أسطوانات الغاز بنوتة موسيقية خاصة به، من دون أن نتجاهل صخب فرق العراضات الشعبية بالسيف والترس لمناسبة افتتاح محل للبوظة أو الشاورما أو الألبسة الداخلية. نبرة الاحتجاج هذه تبدو نوعاً من الترف الفكري، فلا مكان لراحة الفرد وسط الحشود أو إعادة الاعتبار إلى شؤون البيئة النظيفة. أغلق جريدة الوجوه في الخامسة مساءً، أكنس ما تراكم في الدماغ من نفايات وخردة كلام وأوهام مثقفين (كان على “هاملت” شكسبير أن يردّد “نفايات نفايات نفايات” بدلاً من عبارته المشهورة “كلمات كلمات كلمات”.
أمضي متلفعاً بحكمة فيلسوف النفايات فرانسوا داغوني: “من منّا لن يتحوّل يوماً إلى نفاية؟ فالقبر، في نهاية المطاف، ما هو إلّا حاوية تضمّ أجساد من رحلوا”.
روائي وصحافي سوري




