يوميات

بيت جدّي في صيدا

دلال البزري

بيت صيدا، كيف أنساه؟ كيف لا أشتاق إليه؟ كيف أصدق أنه لم يعُد قائماً؟

أراه في غفْوتي وصحْوتي، في أكثر مناماتي. أرى نفسي في غرفة الجلوس المطلة على البحر القريب. يلاطفني بأنفاسه، تلفحني نسماته. أقول لنفسي إنها تحمل معها رائحة اليود. والمدى الأزرق يمتد أمامي.

أفرح بالمنام. أود أن يطول، أن أبقى كل حياتي أمام تلك النافذة البحرية. لكنه مجرد منام. فأستيقظ وأتحسّر. خسارة! هذا البيت بِيعَ قبل نصف قرن، في أثناء الحرب الأهلية. اشتراه مقاول هدمه وبنى على أنقاضه عمارة شاهقة فاخرة.

مع أنني لم أعش فيه أكثر من سنة واحدة، سنة دراسية واحدة دخلتُ في أثنائها مع أخوتي مدرسة الرهبان والراهبات، بعد عوتنا من المغرب. وبعد استقرارنا في بيروت، نعود إليه في عيدي الفطر والأضحى، وأيام الصيف ذات الإجازات الطويلة.

كنت أسرح فيه، في وسعه وحدائقه. وأسبح مع أخوتي وأبناء عمي وعمتي في بحره القريب. عند العصر، نلبس البيكيني، نضع المنشفة على أكتافنا، نعبر شارع رياض الصلح، ونكون على الرمل الحار، حيث ينتظرنا أولاد وبنات الجيران. الشمس تكون في هذا الوقت قد اجتازت منتصف السماء، وبدأت تميل إلى الغروب، والبحر يلتمع كما لو كانت تسكنه نجوم فضية، ونحن نصرخ كلما ارتفعت موجة، ونسير معها، تحتها… نتلاعب بها، مثل الشياطين.

البحر… البحر… والجار الذي ينتظرنا جالسًا على مدخل بيته الواقع على الشاطئ، الذي يستعيذ بالله كلما رآنا، أم أنه كان ينتظرنا ليعبر عن غضبه من انطلاقاتنا وانعدام قيودنا، واستغفاره الله على هندامنا، ونحن نضحك… نضحك…

كيف أنسى عودتنا من البحر ومنعنا من دخول البيت قبل اغتسالنا خلف مدخله بحنفية تطلق العنان لفوضانا وصخبنا…؟

أو كيف أنسى أول مرة في حياتي سمعت أم كلثوم تغني “إنت عمري”. كانت ليلة رأس السنة من عام 1965. حفظت كلماتها من دون أن أفهم شيئًا منها. والآن، كلما سمعت “قبل ما تشوفك عينيا، عمري ضايع يحسبوه إزاي عليّ…”، أرى نفسي في صالون البيت مع مراهقي ومراهقات العائلة، نتراقص على ألحانها بعيون متناغمة، يعكس بريقها وهج القناديل الملوَّنة بالأحمر، الموضوعة على الرفوف الجانبية لمرآة عملاقة ذات إطار محفور بالنقوش.

أو كيف أنسى تلك الطفلة التي ظهرت من خلف التصوينة، حيث يسكن أقاربنا من الجيران، فكان منعطفًا في حياتي، في تصوري لنفسي. “هذه الطفلة أجمل مني!”، أقول لنفسي. خصوصًا بشعرها المالِس الأشقر… أين منه شعري المنفوش المبعثر الذي لا يصفّفه أي مشط؟ وعيونها ورقتها ونعومة ملامحها… وأقول لنفسي “كذبوا عليّ عندما قالوا إنني أجمل بنت في الدنيا. هذه البنت أجمل مني”. فكانت رندة البزري، ابنة جارنا وقريبنا نزيه البزري، كما علمت لاحقًا.

كل هذه اللحظات… كيف أنساها؟

عُمر البيت يكاد يكون قرناً الآن. بناه جدي الحاج سعيد قبل ولادة أبي بخمس سنوات، عندما كان رئيساً للمحكمة الشرعية، وقبل أن يتولى مهمة رئاسة بلدية صيدا، إثر وفاة أخيه.. وبعيداً عن سكنه الأول في صيدا القديمة، الملاصقة لقلعتها ومرفئها. وقتها قال أبناء العمومة إن جدي انتقل من صيدا المحمية بأبوابها القديمة إلى حيث “يعيش الواوية” (أي ابن آوى). والصيداويون يتحاشونه، ليس لأنه مثل الذئب قد يفترسهم، بل بسبب عوائه الليلي الحزين، الذي يشبه الأنين. لذلك، ففي أول رمضان من سكن جدي وعائلته في هذا البيت، رفض المسحراتي القيام بجولته الليلية بالقرب منهم، تجنبًا لأولئك الواوية النقّاقين.

مع أن هذا البيت ليس بعيدًا عن المدينة القديمة، كما يبدو اليوم، بعدما ضاقت المسافات… اختار جدي أرضه الواقعة بين بساتين تمتد حتى التلال المرتفعة نسبيًا، وبين البحر، من الجهة الغربية، المطلة مباشرة على جزيرة سماها الصيداويون “الزيرة”، نظرًا لصغر مساحتها.

لا قرميد أحمر على سقف البيت الأعلى، ولا تلك الزخرفة في الحديد والعقود على الأسقُف الداخلية. بيت من وحي بنّائين لا يحسبون لا للزينة حسابًا، ولا للمساحات، المساحات خصوصًا. كل شيء في هذا البيت رحب، فسيح، كريم… كرم المكان والمساحة.

من الخارج: لتدخل إليه، عليكَ أن تجتاز ممرًّا شاسعًا، ودرجًا عريضًا، يتقدمهما عمودان ضخمان عاليان. وأنت صاعد الأدراج، تمهّل قليلًا وانظر إلى الأسفل، جهة شمال المدخل: ساحة واسعة مسوَّرة ينبسط فيها ملعب لكرة قدم، أو لرحلة دائرية بالدراجة الهوائية. وفي إحدى زوايا هذه الساحة، تحت الدرج، غرفة صغيرة فيها أغراض الجنْيناتي الذي يبيت فيها عندما يقصُر النهار في الشتاء. كان يرعى الزرع والورود الناشئة في الحدائق العليا. لكنه غابَ عنها خلال الحرب العالمية الثانية، فباتت ملاذًا للقطط الولاّدة، والتي كان أبي يهتم بها وهو صغير، ويتابع أمور دفئها وطعامها.

وقبل المنزل نفسه، على مستوى أعلى قليلًا من الحدائق الثلاث، مساحة أخرى مربعة، مبلّطة، ملاصقة لأحد نوافذ البيت الخشبية، محاطة بتصْوينة ذات حيطان منخفضة، ولها “مدخل” على أحد جوانبها. توضع فيها الطاولات والكراسي في أيام الصحو. في داخل “حرمِها” هذا، كما يصفها روادها، يتسامر أبي مع أخوته وأبناء عمومته وجيرانه في جلسات طرب خفيف، لعبة الورق والشقاوة، والطيبات والليموناضة… وحولهم تنخفض الحدائق الثلاث المنفصلة عن بعضها، تحيط بالبيت من جهتَيه الغربية والشمالية. ولكل حديقة نوع من الزهور، طيبة اللون والعطر. يحبها الصيداويون، ويقطِّرونها، لتعطي ماء بطعمها، أو زيوتًا بأريجها.

في طريقكَ إلى البيت، لا تدخل إلى المنزل مباشرة. أكملْ هذه الطريق شرقًا في اتجاه البساتين الممتدّة على شرقه. سلّم ودرابزين، ومن بعده سلّم آخر أطول يعرّج غربًا نحو أعلى، ويوصل إلى باب المنزل الفوقاني، المنزل الذي سكنته عمتي نعمات بعد زواجها، وتقاسم جزءًا منه أبي وأمي وأخوتي خلال تلك السنة التي كلمتكم عنها أعلاه.

الآن: عودة إلى المنزل الأساسي، المسمّى “تحتاني”، حيث عاش أبي وأهله.

السقف العالي، ثم الممر الطويل، يتوسطه على شماله باب خشبي أنيق يدخلكَ إلى “غرفة الضيوف”: فسيحة شرِحَة، لها نوافذ على البحر وعلى الحدائق، مؤثَّثة بالمقاعد والطاولات الدمشقية المصنوعة من الخشب المعشق، المطعم بالصدف والعاج، والمنجّدة بقماش من المخمل الكثيف، ذات خيطان ذهبية رقيقة على حوافها. وهذا الصالون مخصص للضيوف البعيدين، ولحفلات الطرب التي يحييها عمي حسيب بآلة العود، وبصوته العاطفي العذب.

تكمل الممرّ. وقبل أن تلجَ الصالة الكبرى، عليك أن تأخذ يمينك، فهنالك ممر آخر، وغرفة نوم الحاجة محاسن، جدتي. وقد خُصِّص لها عند مدخل غرفتها مصْبنة للوضوء. والأرجح أنها سكنتها بعد وفاة جدي، أو قبل زواج عمي.

عُدِ الآن إلى الوراء، إلى الصالة الكبرى، التي تسع الصالون وغرفة السفرة الشاسعتين، والمرايا الواصلة حتى السقف، ذات القناديل الحمراء. تقع غرفة مناماتي في غرب هذه الصالة، جهة البحر. اسمها “غرفة القعْدة”، أي الجلوس. كنبات مريحة لمن يود أن يأنَس بها، وعلى شمالها غرفتَا نوم.

شرق الصالون تتصدره شرفة عريضة، فناء نصف مسقوف، قليل من أرضه مبلَّط، وعلى جانبيه أبواب تطل إلى الداخل، وفي وسطه شجرة ياسمين شاهقة ترتفع حتى الطابق الأول. ولو كان للعطور مكان في الأحلام، لنافست هذه الشجرة غرفة “القعود” الواقعة جهة البحر. فهي لا تكتفي بأسري برائحة الياسمين العزيزة إلى نفسي، بل تختلط بيود البحر، فيكون عبقها فواحًا يتسلل إلى أعماق روحي، ويتحول، بعد نصف قرن على اقتلاع الشجرة إلى متحف للشوق يجري في داخلي مجرى دمي.

وفي بداية الربيع، يلف صيدا غلاف جوي يغمرها برائحة زهر الليمون، نابعة من بساتين البرتقال الواقعة شرقها، فأعيش حلم يقظة وقتها، بين الياسمين واليود في الداخل، وبين زهر الليمون في الخارج.

اليوم، اختفت شجرة جدي، وبساتين الليمون. ولم يبق غير البحر، الذي يصعب تنشق عطره بما صار يسده من حيطان عالية.

لنعد إلى منزل جدي، والغرفة الأخيرة للبيت، الواقعة في نهايته الشمالية، تلك التي يسكنها عمّاي شكيب ونسيب، والحاملة معها قصصًا لا تنتهي، لنا موعد آخر معها.

وللـ”شياطين الحشّورين”، كان هنالك “تتْخيتة” (علّية) تصعد إليها بدرج عادي مثل كل الأدراج، تجمع المونة والمربيات وأنواع المخللات والمجففات، من ملوخية، وبامية، وملْبن العيد، وماء زهر، ماء ورد، ربّ رمان… وكل أنواع الشقاوات والأسرار، والألعاب الممنوعة، والمخابئ على أحجامها، التي يلوذ إليها المختبئون في لعبة الغُمَّيْضة.

تحت هذه العلّية الفسيحة، يقع المطبخ. يعلوه بدرجة واحدة المجْلى، وعلى يمينه حمام قضاء الحاجة، وثان للاستحمام. وهذا الأخير، تسبقه رائحة صابون الغار. وفيه جرن عريض من الحجر، تحت حنَفيتين، ساخنة وباردة، على طرفه طاسة، وكرسي خشب صغير، يقعد عليه المستحم. كنت أهوى هذا الحمام. الاستحمام فيه كالمغامرة. فيه تعرفت إلى صابونة الغار التي لم تنقرض صناعتها حتى الآن. والماء الساخن أكثر من البارد، والحفّ بالليفة من أجل نظافة قصوى. فأخرج منه بوجه يفيض بالأحمر، كأنه جديد.

في ليالي الشتاء الطويلة، تغلق “غرفة الجلوس” المواجهة للبحر، ويوضع مَنْقَل (موقد) الفحم وسط الدار. منقل عظيم عند أهله، مصنوع في دمشق، “توصية” من أبناء العم هناك. دائري، مرفوع بأربعة أرجل، مصنوع من النحاس ومنقوش بالأدعية والزهور وأوراق الشجر. يتحلقون حوله في تلك الليالي، وعبق الطفولة والعمر الرَحِب.

لا أريد أن أنسى بيت جدي… ولا أن أغير من مناماتي وأنا واقفة أمام نافذة “غرفة القعود”، أستنشق… أسبح … أغرق في الأزرق… بيت جدي مثل الغرام. قصة سعادة قديمة تمنحني قوة تحمّل سماجة هذا العالم الجديد.

كاتبة وباحثة ومحاضرة لبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى