احتضار زمن القارئ!
خليل صويلح

أينما اتجهت ستجد روائياً مؤجلاً يتربّص بك، فلكلٍ حكايته التي يعتقد جازماً بأنها تستحق التدوين والإشهار، وتالياً، الحصول على لقب: “روائي”! لقد انتهى زمن الشعراء، أولئك الرومانطيقيين الذين كانوا يرشقون الشرفات بالزهور كعشاق أبديين يعملون على تخفيف وطأة العيش برنين الكلمات.
اقتحم الساحة شعراء المنابر بالهتاف والتحدي ونصب الكمائن للخصوم. انكفأ شعراء قصيدة النثر وبسالة الحياة اليومية لمصلحة الأوزان والقوافي المهجورة. كأن هذه البلاد لم تصنع الحداثة يوماً. لا شعراء إذاً، في أوراق التقويم، إنما نظّامون غرقوا في بحور الشعر بلا مجاذيف للإبحار نحو ضفاف أخرى.
على الأرجح، تكمن معضلتنا اليوم كقرّاء في هذه الجحافل من الروائيين/ الرواة الطارئين الذين عمّموا ثقافة السالفة؛ لا تشريح الحكاية وتفكيكها.
قوّالون في المضافات لا أكثر. حسب الإحصاءات النقدية استهلكت الساحة السورية في العشرية السابقة نحو 450 عنواناً.
يا للهول، يا للهلاك، يا خزي المستودعات الرطبة. روايات أم تصفية حساب، ومعارك ثأرية؟
روائيون بسيوف خشبية ومبارزات في سيرك مفتوح. سيهتف أحدهم: دع الجميع يكتب وسيتكفل غربال النقد بعزل القمح عن الزؤان!
لكن مهلاً، أين النقّاد؟ عفواً ألّا تعجبك “القراديات” التي يحتشد بها الحائط الأزرق في مديح هذه الرواية أو تلك من طراز “رائع وروعة، ومن أجمل ما قرأت؟
ما يحدث فعلاً، هو أن النقد أصبح أقرب ما يكون إلى الفزعات العشائرية في دفع الضيم عن أحد فرسان القبيلة، تيودوروف وبتحديقة أخرى حقنة من المنشطات المزيّفة، و”أوميغا ثري” منتهية الصلاحية.
كان تيودوروف تزفيتيان قد هتف يوماً “الأدب في خطر”، والآن ينبغي أن نردّد “القارئ في خطر”. لقد تلاشى القارئ تدريجياً، مكتفياً بقراءات مبتسرة يقطفها على عجل من منصات الميديا ويدلقها أمام الآخرين بوصفه مثقف مقاهٍ لا أكثر، فقارئ من هذه الفصيلة يشبه من خضع لدورة أغرار، وإذا به يرتدي زي جنرال بأوسمة على الصدر بوصفه كاتباً بدمغة رسمية من إحدى دور النشر التي يسميها المصريون”بير السلّم”.
انتهى زمن القارئ، منذ أن انتشرت ورشات الكتابة أو دروس فن الخياطة لجهة كيفية صناعة الحبكة وتطريز القماش بورود صناعية، وإذا بنا أمام مدجنة هائلة في تصدير البيض بصفارين كأوهام قابلة للتحقق، ولكن هيهات!
روائي سوري




