نبض الشارع

الشعر المنثور… إسفينٌ دُقَّ في أدبنا!

عبد الكريم البليخ

أنا مجرّد قارئٍ متابعٍ لما يُنشر في الصحف اليومية والمواقع الإلكترونية، وما أكثرها، فضلاً عمّا تنشره الدوريات والمجلّات الثقافية، وما تغدق به علينا دور النشر ـ على اتساع نشاطها ـ من دواوين شعرية لشعراء شباب، يحاول بعضهم تقليد كبار الشعراء أو السير على خطاهم، من دون أن يمتلك أدواتهم اللغوية أو رؤيتهم الشعرية أو قدرتهم على ابتكار الصورة المدهشة.

ولستُ ناقداً أكاديمياً، ولا أدّعي امتلاك ميزانٍ صارمٍ أقيس به جودة الشعر، لكنّني، كأيّ قارئ، أبحث في القصيدة عمّا يهزّ القلب ويوقظ الخيال ويمنح اللغة حياةً جديدة. غير أنّ المخجل أن كثيراً ممّا يُكتب اليوم تحت لافتة «الشعر المنثور» لا يمكن أن يُطلق عليه شعراً، ولا يكاد يَعني شيئاً حتى لقارئه؛ فهو عباراتٌ متباعدة، وصورٌ متنافرة، وكلماتٌ مبعثرة لا يجمع بينها إيقاعٌ داخلي ولا معنى واضح ولا إحساس صادق.

إنّ الشعر المنثور ـ برأيي ـ وليدُ عجزٍ في كثيرٍ من نماذجه، وقد صار يهدّد اللغة في آخر النهار، وعلينا التصدّي لآفته بعدما تفاقمت، ولطفرته بعدما استشرت!

إنّ الشعر المنثور، ولا شكّ، يُعدّ عصاً في عجلة مستقبلنا الأدبي، ولا يمكن مواجهة هذا التراجع، أو بعضه، إلا إذا ضاعفنا الاهتمام بنوعية الإنتاج الأدبي المقدَّم إلى القرّاء، لا بكميته، وأدرنا ظهر المِجَنّ لهذا الهراء القميء الذي لم يعد يتقبّله قارئ الشعر الحقيقي.

وعلينا ـ من ثَمَّ ـ أن نأخذ بما هو صالحٌ منه، وهذا نادر، والنادر لا حكم له. ومع ما في ذلك من تسامح، يمكن أن نسلكه مسلك النثر الفني، أو نعدّه لوناً من ألوان الكتابة لا أكثر، واضعين النقاط على الحروف، على أن تكون بيضاء من غير سوء.

لنسعَ إلى ذلك، ولنعمل كي يتحرّر شعرنا من الشوائب والأوضار. ومع ذلك، يظلّ السؤال قائماً: هل الشعر الحديث المنثور يلامس القلب حقّاً، أم أنّه إسفينٌ دُقَّ في مستقبل أدبنا العربي ولم نستطع التخلّص منه؟

يقول أحد الشعراء الشباب المتحمّسين لشعره:

في سريري

لوحٌ خشبيٌّ مبتلٌّ

يقول إنّه من حطام مركبٍ

المسكين لا يعلم

أنّه ضلعي الممزّق

وأنا… من أنا؟

سبع درجاتٍ إلى أعلى

ولم أفهم الغرق!

**

وتقول شاعرة:

مشواري بعيون المها

المتعب طويلاً…

وأنا أقرأ لك ديوانك وما خضته

في عراكٍ مع الكلمات.

ولكنْ عبثاً،

وأنا أرى بها جلدك للذات…

من رؤوس الأقلام النافقات

تنشد من بردى سواقيه،

ويتدلّل بآفاقه عليك الفرات.

لو كنت ذا جبلٍ،

ما كنت بالوادي تتسلّق الأمنيات،

ولا كنت في الحضور رسماً

تنجو بألوانك المنمنمات.

رأيت الحبّ مطيراً،

ورأيت الحبر طيراً يلوذ برتل الأمسيات،

فغناء الروح تلهث به وروداً،

كما يدثّره ربيعاً فاق فصولاً شاكيات.

قرأت عنواناً لو كان معطفاً،

لما ساقه برداً، ولا كان يرتجف من سائلات.

عنوانك لم يصل طريقاً لينتهي فردوساً،

بل ضلّ بين السطور راحلاً بالخاتمات.

**

وتقول أخرى:

حين يصير

العطر مطراً

مكسور الرنين،

أتفقّد أصابعي

العالقة على صوتك

كالشتاء الأخير.

وأنت تفيض

في عينيَّ،

أمضي إليَّ،

أحمل قلبي،

ألتصق بعزلته السحيقة

كوطنٍ منتهي الصلاحية.

**

ويقول آخر:

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً… حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

ـ لا أبا لك –

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ – أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ…

كلّ ليلِ.

إنّ الحرية في الكتابة لا تعني الفوضى، والتجديد لا يعني القطيعة مع اللغة والمعنى والجمال. وقد لا تكون المشكلة في قصيدة النثر ذاتها، بقدر ما تكمن فيمن اتّخذها باباً سهلاً للدخول إلى عالم الشعر من دون موهبةٍ أو ثقافةٍ أو امتلاكٍ لناصية اللغة. فليس كلّ كلامٍ موزّعٍ على أسطرٍ قصيرة قصيدة، وليس كلّ غموضٍ عمقاً، ولا كلّ صورةٍ شاذّةٍ ابتكاراً.

يبقى الشعر شعراً حين يصل إلى القلب والعقل معاً، ويمنح الكلمات معنى أبعد من ظاهرها. أمّا رصف المفردات المتنافرة وإغراق النص بالغموض، فلن يصنعا شاعراً، مهما ازدحمت الصفحات بالبياض والنقاط وعلامات التعجّب.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى