نبض الشارع

اتحاد الكتاب العرب: واقع يتآكل بصمت!

أزمة ثقة تتعمّق وصوت الثقافة يتراجع

إصلاح حقيقي أو الغرق في التهميش

عبد الكريم البليخ

في المسافة الفاصلة بين ما يُكتب على الورق وما يُعاش في الواقع، تتبدّى مفارقة مؤلمة تكاد تختصر حكاية اتحاد الكتاب العرب في سورية بين ما مضى، وما حدث في الآونة الأخيرة. هناك، في الوثائق والبيانات الرسمية، تبدو اللغة واثقة، متماسكة، ومشبعة بوعود الإصلاح والتحديث لكنها بقيت مجرد وعود عجزت عن التنفيذ .. بينما هنا في التفاصيل اليومية، تتكشف صورة مغايرة، أقرب إلى هشاشة كيان يتآكله الإهمال، وتثقله التناقضات، وتنهكه قرارات لا تجد طريقها إلى العدالة أو المشاركة.

هذه الفجوة ليست مجرد خلل إداري عابر، بل هي تعبير عن أزمة أعمق، تتصل بطبيعة العلاقة بين المثقف ومؤسسته، وبين الحلم الثقافي وواقعه المأزوم. فحين يتحوّل الاتحاد، الذي وُجد ليكون بيتاً للكلمة الحرة، إلى فضاء تغلب عليه الفردية التي تسيطر وتحتكر إصدار القرار، فإننا لا نخسر مؤسسة فحسب، بل نخسر جزءاً من معنى الثقافة نفسها، بوصفها فعلاً جماعياً يسهم في بناء الوعي وتشكيل الوجدان العام.

تعيين أم انتخاب؟

لقد بدا واضحاً، في الفترة الأخيرة، أن مسار الاتحاد انحرف تدريجياً نحو نمط من الإدارة يقوم على التعيين المباشر، لا على الاختيار الحر. لرؤساء فروع في محافظات كدمشق واللاذقية وطرطوس والرّقة وحلب حيث جرى تكليفهم بقرارات فوقية، لا تعكس بالضرورة إرادة القاعدة الثقافية التي يُفترض أنهم يُمثلونها فجاءت قرارات التعين وفق رغبة الرئيس المكلف الدكتور أحمد جاسم الحسين “ولغاية في نفس يعقوب” . وهنا، يتسلل السؤال الجوهري: كيف يمكن لمؤسسة تُعنى بالإبداع أن تُدار بمنطق لا يفسح المجال للإبداع ذاته، أي الحرية؟

الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب

إن الدعوة إلى انعقاد مؤتمر عام ليست ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وجودية. فالمؤتمر، في جوهره، ليس مجرد اجتماع دوري، بل لحظة مراجعة شاملة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الأعضاء وقيادتهم، وتُستعاد من خلالها روح المشاركة التي غابت طويلاً. إنه الفضاء الذي يسقط الذرائع، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويمنح المثقفين حقهم الطبيعي في اختيار من يمثلهم بصدق، لا من يُفرض عليهم بقرار إداري.

غير أن هذه الحاجة الملحّة تصطدم بواقع معقد، يتداخل فيه التاريخ السياسي للمؤسسة مع حاضرها المرتبك. فقد تحوّل الاتحاد، في مراحل مختلفة ومتدرجة سابقة، من منظمة مجتمع مدني كانت تتلقى فيه دعماً مادياً محدوداً من الدولة، ولكن ومع الهيمنة الأسدية تحولت تدريجياً إلى أداة في يد السلطة، يُعاد من خلالها إنتاج خطاب أحادي، ويُقمع فيها التنوع الفكري الذي يُفترض أن يكون جوهر العمل الثقافي. وهكذا، لم يعد الصراع داخل الاتحاد صراعاً إدارياً فحسب، بل صار صراعاً على المعنى: معنى أن تكون كاتباً، وأن تنتمي إلى مؤسسة تمثلك.

ومع التحولات التي شهدتها البلاد، وانتصار ثورة الشعب برزت محاولات لإعادة ترتيب البيت الداخلي، والسير نحو إعادة هيكلة الاتحاد على أسس أكثر مؤسساتية. وقد أُعلن عن خطوات تهدف إلى الانتقال من منطق “الإقصاء” وتهميش الدور إلى منطق المؤسسة الفاعلة التي تعنى بالمبدع والإبداع، ومن ظل السلطوية إلى العمل الجماعي، مع التركيز على تنمية المواهب الشابة، وتفعيل دور الفروع، وتحويل الاتحاد إلى فضاء لإنتاج المعرفة لا لتكرار الإيديولوجيا. وهي خطوات، في ظاهرها، تبعث على الأمل، لكنها تظل بحاجة إلى اختبار حقيقي على أرض الواقع.

ذلك أن الإصلاح لا يُقاس بما يُعلن، بل بما يتحقق فعلياً. وهنا، تعود الأسئلة لتفرض نفسها بإلحاح: هل تغيّر الاتحاد فعلاً؟ هل أصبح منبراً للتعدد والحوار؟ أم أن الصمت الذي يخيّم على أروقته اليوم يشير إلى فراغ أعمق، إلى غياب الحياة التي كانت تدبّ فيه يوماً، حين كان أشبه بخلية نحل لا تهدأ؟

خطاب القمع الجديد

لقد جاءت وثيقة التفاهم حول مستقبل اتحاد الكتاب العرب، الموقّعة في الرابع عشر من نيسان 2025، كمحاولة لإعادة ضبط البوصلة. نصّت الوثيقة على جملة من المبادئ التي تبدو، في جوهرها، بديهية: عدم إقصاء الكفاءات، احترام القوانين الناظمة، إعادة المفصولين، تعزيز دور الثقافة في الوحدة الوطنية، ترسيخ حرية التعبير، وضمان استقلال القرار الثقافي. كما أكدت على أن هذا التوافق لا يُغني عن الانتخابات، التي ينبغي إنجازها خلال عام.

لكن العام مضى، وبقي المؤتمر مؤجلاً، وكأن الزمن في هذه المؤسسة يسير ببطء لا يشبه إيقاع الحياة خارجها. وهنا، يتعاظم الشعور بأن الأزمة لم تعد في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة. فوثيقة التفاهم، مهما كانت متقنة الصياغة، تظل حبراً على ورق إذا لم تجد من يحوّلها إلى ممارسة يومية.

من الناحية النفسية، يمكن قراءة هذا التعثر بوصفه انعكاساً لحالة خوف كامنة: خوف من التغيير، من خسارة المواقع، من انكشاف التوازنات الهشّة التي قامت عليها المؤسسة لسنوات. أما اجتماعياً، فهو يعكس أزمة ثقة بين المثقف ومؤسسته، بين الفرد والجماعة، حيث يشعر كثيرون أن أصواتهم لا تُسمع، وأن مشاركتهم لا تُحتسب.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو التحول في الخطاب، من الدعوة إلى الحرية إلى التلويح بالعقاب. فحين يُستخدم التهديد بالإحالة إلى لجان الانضباط، أو يُلوّح بمفاهيم مثل العدالة الانتقالية كأداة للضغط، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج لآليات القمع ذاتها، وإن اختلفت المسميات. وهنا، يفقد الاتحاد دوره كحاضنة للحوار، ويتحوّل إلى فضاء يشيع فيه التوجس بدل الطمأنينة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الأمل قد تلاشى. فما زالت هناك مساحات يمكن ترميمها، وما زالت الكلمة قادرة، في لحظة صدق، أن تكون جسراً بين القلوب المتباعدة. فالمؤسسات، مهما تعثرت، يمكن أن تستعيد عافيتها إذا ما توفرت الإرادة الجماعية، وإذا ما أُعيد الاعتبار لقيمة الحوار بوصفه بديلاً عن الإقصاء.

صمت أم مساءلة؟

إنّ الحاجة إلى انعقاد المؤتمر لا تزال قائمة، بل تزداد إلحاحاً مع مرور الوقت. فهو ليس مجرد استحقاق قانوني، بل فرصة لإعادة تعريف الاتحاد، لتحديد ما إذا كان سيبقى أسير ماضيه، أم سينجح في التحول إلى مؤسسة حديثة، تعكس تنوع المجتمع السوري وتطلعاته.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يريد القائمون على الاتحاد فعلاً هذا التحول؟ أم أن بقاء الحال على ما هو عليه يضمن للبعض مواقعهم، ولو على حساب العدالة والتمثيل الحقيقي؟ بين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل المؤسسة، ويتحدد معه أيضاً موقع الثقافة في مجتمع يسعى، رغم كل شيء، إلى استعادة صوته.

إنها لحظة اختبار، ليس للاتحاد وحده، بل للمثقفين أنفسهم: هل يكتفون بدور المتفرج، أم يمارسون حقهم في الفعل والمساءلة؟ ففي مثل هذه اللحظات، لا تكون الكتابة ترفاً، بل ضرورة، ولا يكون الصمت حياداً، بل موقفاً.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى