آراء و مقالات

يد تكتب العالم وتمحوه

ياسين النصيِّر*

لا يمكن الحديث عن كتاب محمود هدايت “أنطولوجيا اليد”، إلا إذا ما استعرته كلّه، أو ألغيته كلّه. فهو تكوين لا يمكن اختزاله أو تجزأته، وعليك أن تكون حذراً عندما تختار مقتبساً تعتقد أنه يكفي للدلالة على ما تفكر به، الكتاب لا يقف عند ثيمة إرشادية، بل يؤسس لأنطولوجيا غير مألوفة في حياتنا، وهي الوعي بأفعال اليد بوصفها ليست يداً مفردة بل يداً كونية.

اليد التي ابتدأ حضورها مع آدم في تكوير عجائن الأرض المختمرة، لم تبدأ حقيقتها الأنطولوجية إلا مع يد فيدياس، وهي تعصر بقوة العجائن المخمّرة لخلق الفنون: تماثيلاً وصوراً وأشكالاً تفرض معانيها، ربما ستكون يد الله تعمل دائما في الخفاء حيث استغلها الطغاة لتكون سلاحاً مضافاً لأسلحتهم.

لكن اليد في الكتابة تشطب على أفعالها السابقة لتؤكد حضورها الدائم من خلال الأثر، يد المؤلف يد خالقة أيضا، لذلك فهي تدميرية بنائية باستمرار. اليد بصفتها الكونية ليست عضواً في جسد مفرد، بل هي مجموعة القوى التي تعين كل الكائنات لتكوين يد الله المطلقة الوجود.

هذا يعني انتقالة مربكة من اليد الشخصية كهوية ذاتية، إلى اليد الكونية كهوية جماعية للخلق، فمن اليد الواحدة تألّفت مصفوفة الأيدي العاملة، ومع ذلك لا أجد مبرراً للاستشهاد بأي مقطع أو جملة من كتاب محمود هدايت عن اليد، فما دوّنه في غرفته الذاتية لا يصلح إلا  أن يؤخذ كله أو يترك كله، أية فكرة تجزئ  الرؤية الكليّ، وهذا يعني: إما أن تصمت وتتأمل ما كتبه، وإما أن تكتب مجاوراً له.

وحين نلغي الذات ونحوّل دلالة اليد الخاصة إلى دلالة كونية، فإن الذات تندمج كونيا مع كل فكرة وردت في الكتاب: يد مجرمة، يد بنّاءة، يد ملوّحة، يد ممسّدة، يد حاملة كالأم، ويد رحم لأطفال اللغة، اليد هوية جماعية، مما يتيح سهولة الانتقال من أنا القائل إلى أنا الفاعل.

اليد هذا الجزء من – الجسد الإنساني – تكون عملاً وعطالة في آن واحد، ما يشغلها هو وجود آخر بحاجة دائمية لتقليب أوجهه لتبيان تضاريسه المختفية في فجواته، وما يجعلها عاطلة هو عدم وجود الآخر الذي يثير التفاعل، وبما أننا كائنات متحركة، فإن الأخر متضمن في أجسادنا؛ وعليه، فاليد هي مفردة جسدية ينطوي فيها عالم التجربة الإنسانية كله.

ثمّة صور عديدة تُدرك بسهولة عن شكل اليد عندما تجسد فعلاً إدراكياً متحركاً، فهي مسُّ (جفجيرا) ومكنسة في آن واحد، تظهر فاعليتهما عندما يكون موقع فيه وساخة، نوسخ أولا ثم ننظف، بمعنى أن اليد تبدأ بالتدمير وتنتهي بالتدمير، وتكون النظافة حال وسطى، أطرافها تلامس الأمس والغد، وما بينهما تعيد اليد / المس ترتيب الأشياء كي تمارس غدا ما مارسته في الأمس.

فالوساخة أساس الفوضى، والمسّ ليس أداة لإدارة الطعام في القدور فقط، بل هو قراءة متفحصة لصلاحية العالم للعيش، ليكون في مستوى الفائدة، لا وساخة من دون أرضية مشغولة بالثمر، عندئذ تأتي النظافة ليست تعبيراً دينياً، بل عملاً  تدميرياً قد يصل القتل أو الانتحار، وهكذا يكون القتل والانتحار ليس شخصانياً بقدر ما هو إزاحة الوساخة، ثمة فاعل مجهول يسكن أيدينا، ويمارس في اللاوعي دورا قذراً، في ضوء هذا تؤكد الإنتاجية أن عمل العمّال ليس انتاجاً فائض قيمة يصادرها الرأسمالي، والتي دعت ماركس لتأسيس خطابه الإيديولوجي لصراع الطبقات فحسب، بل دعوة لتأسيس فيالق نضالية، كون الصراع نفسه بين القوى المتصارعة لا يكون عقلانياً ألا إذا كان ثمة جريمة تخلق تراكما من الوساخات الفكرية والمادية، وما النضال الذي تنشده الطبقات الفقيرة لنفسها إلا إزاحة الوساخة الفكرية التي تصنعها الرأسمالية، لهذا اصبح النضال مشروعاً بينما أفعال الرأسمالية إجراماً. 

الكاتب والباحث العراقي في حقل الجماليات والفلسفة محمود هدايت

لا تتقدم الأيدي كفاعل اجتماعي، إلا إذا تحولت أوساخ المعامل والبضائع إلى اسلحة ونقود، عندئذ تتجدد أشكال المكانس لتزيل هذه القذارة عبر التاريخ، فاليد التي يعنيها محمود هدايت تخرج من كونها عضواً في جسد مفرد لتصبح كيانا في بنية مجتمع يتحرك وأيديولوجيا تمارس حضوراً لا يتوقف، وعنصراً تدميرياً يشطب على أية ممارسة صيانية توقف عملها، اليد تكوين إلهي يتحرك في فضاء التجارب، لا حدود لتشكيلاتها وأدوارها، ربما يقتصر حديثنا على أنها العضو البشري الذي اعتمده دارون في قياسه لتطور البشرية واستقامة العمود الفقري، لكن اليد في الحقيقة تشكل العنصر المادي الذي يجعل حاجات الإنسان تتطور بناء على تنوع الحاجات وتعدّدها، فهي يد، وعصا، وبندقية، وقاطرة، وسفينة، وطائرة، ومجداف، ومسّ يخلط عجائن العناصر كلها. وعندما تكون اليد بهذه الوظائف تشكل جماعة فكرية للممارسة تشبه أية أيديولوجية تؤلف فضاءً عموميا للتجارب، ولذلك تكون يد العمل المختبرة أكثر قدرة على الإدارة من يد  لا تمتهن إلا الوظائف الجسدية.

هذه التلويحة التي نمارسها ليست إلا رسماً تشكيلياً في فضاء العلاقات، وهذه الحركة المكوّرة للأصابع ليست إلا بنية صلبة للصيانة عندما يتعرض الجسد للتفكك، وهذه التلويحة في فضاء الساحات ليست سوى بنية تدميرية بوجه القوى المضادة للحياة.

حقيقة ما كتبه محمود هدايت يتجاوز مهمّات ما نفكّر فيه؛ حيث تفتح أنطولوجيا اليد ثلاثة عوالم :عالم الطبيعة التي تشكلت بأيولوجيا كفم يقضم ما تتناوشه لتأكله ثم تهضمه ليدخل نتاجه في بنية الجسد، ويد تنتهي بأصابع تتكوّر على شيء ما لتحتفظ به ذخيرة في حرز يعلم بخطوط  ما يتشكل فيه من أجنة الأفكار المختبرة، ففي تكورها قوة وإرادة، وفي انبساطها طاقة شعرية، وفي كلتا الحالتين ثمة ما يفسح مجالا لوجود فراغ بين تلويحة يد حديدية وانبساطة يد شعرية.

 ثمة انبساط واحتواء، مما يعني أن العالم الطبيعي من الشساعة والمجهولية ما يجعل اليد تمارس دور الحارس الذي لا تغمض عينه.

العالم الثاني: ستصبح اليد موطناً للفكر التحولي من البنية الطبيعية إلى البنية الاجتماعية الدينامية، هذا يعني أن اليد ستكون ثقافاً لصقل الرمح، يبدأ بإصلاح الذات ليعمّم على اصلاح المجتمع، مستعيرة يد الله المختفية. ونرى ذلك شكلياً في صور رفع اليد للتصويت أو للتأييد وكأنها إشارة سيميولوجيا على الموافقة، عندئذ تنتقل اليد من الطبيعة كأبٍ أول لها، إلى اليد الاجتماعية كأب ثانٍ لها يمارس فعلاً دينامياً تدميرياً،  يكون الفعل مركزاً على التغيير، لا على المحافظة والثبات، وهذا يعكس اجتماعية أعضاء الجسد وتكوينها حيث يصبح الإنسان مهيئاً للانتقال من الطبيعة إلى المجتمع، فالانسان ليس جزءاً من الطبيعة فحسب، بل “كل ما ينتجه من أول أداة إلى أبسط حجّة مجردة وأدق عمل فني، هو جزء لا يتجزأ من علاقة الطبيعة بذاتها” ماركس. فالفعل الدينامي لليد هو الممارسة الموجهة، تلك التي تعيد ترتيب اللغة في الدماغ من لغة يد عضو في جسد إلى لغة يد عاملة في بنية المجتمع، وسنجد ضمن هذه المهمة الكونية تعدداً رياضياً لأشكال اليد، خاصة بوجود آلية تقنية تنقل ما تتحسس به أصابع اليد من تغييرات جذرية، تنفتح بوساطتها على العالم، إلى ما تحتويه راحتها من عجائن مصيرية.

إن كوناً لا حدود له تصنعه أيادي البشر المرافقة لحركة اللسان لتجسيد معان جديدة للرفض أو القبول، ففي الممارسة الاجتماعية تكون اليد مسّا يدير طعام البشرية، كما تحضر أيضاً بوصفها مكنسة تنظف جسد العالم، فكلما ازدادت الفضلات،  يعني أن ثمة مجتمعات تبنى بدينامية متسارعة.

هذه البنية الثانية لليد هي التي تقرر مصائر البشرية، وتوضح أن العالم لا يبنى بالدماغ، إنما باليد.

في العالم الثالث لليد، يحضر دورنا كأدباء نتعامل مع نصوص كتبت لنقرأها، الحقيقة: أن كل نصّ يكتب هو فعل يدوي، حتى إن لم تستخدم يدك، فاليد بإيقاعها الأنطولوجي أوسع من اليد الجسدية؛ إنها الامتداد الإدراكي للفكر كي يستوعب ما يحيط به، لذلك لانقرأ أي نص من دون أن نأخذ في الاعتبار أننا نقرأ أعمال اليد، وتنوعت هذه الأيدي بين يد تكتب عن خلجات مختفية في النفس بحثاً عن الراحة التي توفّرها الأرض للنصوص، ويد تبحث عن قوة الإرادة كأحلام يقظة شعرية باحثة، كلتا الحالتين تصنعهما يدنا في علاقتها مع الطبيعة والمجتمع، فالقارئ عندما يقرأ نصاً من كتاب (أنطولوجيا اليد) يصبح الأب الثالث لليد، وعندها سيجد يده الطبيعية ويده الاجتماعية في اليد العاملة، اليد الكونية التي تبني العالم، عندئذ يغدو القارئ مؤلفا جديدا للنص، إذ إن يد القارئ / الناقد وحدها تعيد تشييد العالم.

 في السياق نفسه تصبح اليد قوة شعرية، لا بحركاتها ولا بتكوينها البيولوجي، بل في صياغة وجودنا الإنساني نفسه، هذا لا يعني أن فاقدي الأيدي يفتقدون هذه القدرة؛ بل إنهم قد ضمنوا اليد في كل أعضاء أجسادهم. وهذا عينه ما يجعلني مؤلفاً آخر لنص محمود هدايت.

*ناقد ومفكر عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى