قص

القصف

إبراهيم العلوش

لم يكن القصف جزءاً من مفردات حياتنا اليومية قبل الحرب، لكننا استيقظنا ذلك الصباح على صوت قصف مدفعي منتظم، خرجنا حائرين لا نعرف ما نفعله تحت القصف، البعض ممن كانت لديهم معلومات عن الأسلحة والحرب انشغل بتصنيف أنواع القذائف ومصدرها، ولم يكن واعياً بما يكتنف نفوسنا من هلع لم نألفه من قبل.

كانت التعليمات أن نقف في الممرات وفي الحمامات ونبتعد عن النوافذ، كان ينبغي علينا التدرب على هذا الجو أثناء دراستنا الثانوية أو حتى الابتدائية بدلاً من دراسة (الشعر الجاهلي) وأقوال (القائد الخالد).

لم نكن نعلم شيئاً عن قانون الاحتمالات الذي يستهدفنا كل لحظة، فالقذيفة التي تعبر فوقنا تستهدف بيوتنا، أو بيوتاً مجاورة، أو أسواقاً لم تنتبه بعد للزائر الطائر من فوقنا، كان القصف مفاجئاً لنا.

الأطراف التي تتبادل القصف كانت تلعب الشطرنج بنا، الفرق أننا كنا خائفين، بينما قطع الشطرنج الخشبية لم تكن آبهة لمصيرها على الرقعة التي تتنقل بين مربعاتها خلال ملايين المعارك منذ اختراعها في الهند أو في بلاد فارس أو في أي بلاد قبل أن تصل إلينا، لم تكن تلك القطع تحمل مشاعرنا، ولم تكن تتراكض مثلما نفعل اليوم في غرف المنزل التي تتطاير الأشياء في داخلها وترتج الخِزانات والكتب التي فيها، والذكريات التي كانت تنعم بالسلام و بالضحكات.

كانت زوجتي تخفي خوفها، وأنا أحبسه في داخلي بعنف لئلا يتسرب إلى الأطفال الذين تمسكوا بثيابنا على نحو مفاجئ، قلت لهم لا تخافوا انها الحرب ونحن نعرف قواعدها، ورددت ببلاهة ما كنت قد حفظته من منشورات تلخص قواعد السلامة المحتملة.. تعالوا إلى الممر وابتعدوا عن نافذة الصالون الكبيرة.

فيما بعد استبدلنا كل الزجاج بالبلاستيك، وصرنا أكثر خبرة بمواعيد القصف، وأنواع القذائف. وتقلصَ الخوف الذي نكتمه بعد تسرب أجزاء كبيرة منه إلى أعضائنا الداخلية وذاب في عظامنا وفي أكبادنا وفي قلوبنا وصار جزءاً من بنياننا الداخلي.

بعد أشهر، صرت أحصي السكان الذين سقطوا ولا تفاجئني أسماء الذين أعرفهم، صار الحرص يقتصر على الأهل المباشرين، وعلى نوافذ المنزل، وصار معظم همنا يتلخص في تأمين الخبز وما تيسر من الطعام، ومعرفة أخبار الجهات التي تقصفنا!

انفجر فرن الخبز بصاروخ عَبَر البلاد من أقصاها ليهبط فيه، كان وزن الصاروخ يزيد على طن، تخيلوا وزن رصاصة المسدس القاتلة مقابل طن البارود المندفع إلينا بكل ما يحمله من قوة الانفجار.. رصدَ الصاروخ المندفع الهواة وخبراء الأسلحة وهو يتجه من غرب البلاد إلينا، لم نكن نعلم مساره الدقيق ولكن الجميع أكدوا بأنه ذاهب إلينا وكانت وسائل التواصل الاجتماعية هي المسارات المتبقية لوصول الأخبار إلينا.

حُرنا بحالنا ونحن نركض من جهة إلى أخرى، مرة إلى الجهة الغربية التي يفترض أن يعبرها الصاروخ الروسي باتجاه السوق المقابل، أو إلى الجهة الجنوبية التي من المتوقع أن يعبرها الصاروخ الأعمى إلى الشمال باتجاه المدرسة الثانوية القريبة، الأهداف الروسية صارت معروفة لنا، فهي تقتصر على الأسواق، والمدارس، والمستشفيات، والمواقع الأخرى التي تثير الذعر.

البارحة كان رئيس البلاد يبتسم ببلاهة وهو يقف إلى جانب وزير الخارجية الروسي، وهما يتفقدان دقة تدمير البلاد، وأشاد (السيد الرئيس) بالقدرات التدميرية التي أضافتها القوات الروسية والايرانية لأسلحة (جيشنا الباسل).

ونحن نجول هلعين في الشقة، شعرنا بشيء يدفعنا بعنف ويرمينا أرضاً، ارتميت على السجادة، وأمرت الصغار بالانبطاح قبل موجة الانفجار الثانية، صمتنا، دفنَّا رؤوسنا بالأغطية قبل أن يرتفع الانفجار الرهيب الذي وصل أخيراً إلى الفرن في جهة السوق القريب، كان الانفجار عميقاً، هزّنا بعنف، لم أستطع الكلام، تجمدت الأشياء من حولي، وأنا أحاول التخلص من أثر موجات الاهتزاز التي خلفها الانفجار. أردت أن أبكي فلم أستطع، صرخ الصغار وانتصبوا كأنهم يتجنبون موجات الاهتزاز التي تنبع من الأرض، ومن بقايا الجدران والسقف، كانت الشظايا تملأ البيت، والهلع يغوص عميقا في أحشائنا.

مع الزمن صار القصف يغيِّرنا ولم نعد أولئك المتفاجئون في ذلك الصباح الذي داهمنا فيه القصف أول الحرب، كانت موجات الاهتزاز تتوغل في كل النواحي من حياتنا ومن تصوراتنا عن العالم، وعن أنفسنا، كان القصف المتصاعد يغيِّرنا ويغير الأشياء من حولنا كل يوم.

خرجتُ من المنزل إلى ما تبقى من الحديقة العامة، رأيت الناس يرفعون رؤوسهم إلى السماء، ويديرون أنظارهم مثل أقراص دوار الشمس الصفراء، فعلت مثلهم، شاهدت طائرة تحوم في الأجواء، لم تكن تقصفنا، ولكنها بعد أقل من دقيقة رمت برميلاً متفجراً، كان البرميل مع مظلته يهبط ببطء، تداولته الرياح، وركضنا بشكل عشوائي. ركض بعضنا إلى الشرق وركضت مع آخرين إلى الغرب، كان الوقت أواخر الربيع والرياح تتقلب فيه، ولكن البرميل المتوج بمظلة يسلم نفسه لما تبقى من رياح هادئة ويتحرك ببطء يثير فينا الرعب ويطيل زمن الهلع.

ركضت مع الراكضين قربي وعكس الراكضين الذين جاؤوا من الاتجاه المقابل، نسيت الحديقة وأشجارها المسودة وصار كل همي أن أبتعد عنها وكأننا افترضنا أن البرميل سيسقط في النقطة التي رأيناه منها، وغادر كل واحد مكان الرؤية الأولى بكل ما يستطيع من قوة، أنهكنا الجري وما يزال البرميل يتمرجح في الهواء البعيد، ولم يكن منظره متناسباً مع السماء الربيعية الزرقاء التي كانت تعلوه!

ارتمى البرميل أخيراً على بيت مبني من البلوك الذي تطاير وقتل سكانه، توفي صديق لي مع عائلته، ولم أجرؤ على زيارة المكان، خرجت من المدينة باتجاه النهر هائماً على وجهي بعد الانفجار الشديد، لم تكن تجارب ودروس الانفجارات السابقة كفيلة بتخفيف خوفنا، شعرت أن أمواج الاهتزاز اقتلعت جزءاً من جسدي. مرت عليه مثل آلة دوارة حصدت جزءاً من الجسد الذي اخترقته، شعرت بأنني تمثال مجوف يمثل حرباً يشاهدها الزوار في متحف بعد عشرات السنين من قصفنا، كنت أسير مثل شبح في فيلم رعب أمريكي، لكنني ما أزال هنا، وما أزال خائفا ولا أقوم بدور تمثيلي وإنما اجترّ ما خلَّفه البرميل المنفجر في ثنايا جسدي الذي أكلت الاهتزازات أجزاء منه!

عدت إلى المنزل مثل دمية خشبية تمشي وهي فاقدة الوزن، كان الخوف قد تحول إلى حريق داخلي أجبرني على الصمت، تناولنا ما يشبه العشاء، لم أكن قادراً على النطق، ولا على السؤال، ولا على الجواب. كان الانفجار يتكرر في مخيلتي ووجه محمود يتطاير عالياً، كان الوجه يرتفع إلى السماء قطعة واحدة، لم يتشظَ وكأنه كان مستعجلاً الوصول إلى موعد تأخر عنه هناك في السماء السابعة؛ التي تعلو سماء البرميل المتأرجح فوقنا في عبثية الاختيار.

يكتب إلينا الأصدقاء البعيدون عن القصف، متسائلين عن حالنا بعد كل هجمة، يتطمنون علينا وعلى أولادنا، ويبينون لنا أنهم بعيدون جداً عن الحرب والانفجارات، ويغرقوننا بالتعاطف والشفقة، ويكررون بإلحاح ضرورة مغادرتنا للمكان، وعندما يرجع التيار الكهربائي نشاهد أنفسنا والبرميل الذي سقط علينا في نشرات الأخبار التي تلتهم مأساتنا بشغف يغري المشاهدين ويمنعهم من تغيير رقم القناة.

بعد حادث البرميل صرت أخرج إلى الشارع عقب كل انفجار، أزور المكان المستهدف وأحصي مع الناس عدد القتلى والجرحى، وأشاهد أسرار البيوت التي فتحت أحشاؤها وخرجت أشياؤها إلى العلن، كتب، أدوات طعام، ملابس شتوية أو صيفية، وسائد، جوارب، ألبسة داخلية، كل الأشياء تأخذ حصتها من السواد الذي يتلطخ به المكان.

بعدها صرت أتفقد الأبنية التي عملت فيها مهندساً خلال السنوات السابقة، أتفقد واجهاتها والناس الذين احتلوها بعد انتهاء ورشاتنا من العمل فيها، كنا نبتسم عندما ننتهي من البناء، ونقول: لقد حولنا الرمل والإسمنت والحديد إلى شقق تضم أسراً كبيرة أو صغيرة، أو تشهد زواجاً جديداً لعروس وعريس.

 لكننا لم نكن نعرف بأن القصف سيصل إليهم، ويلّون المكان بالأسود، ويخطر على بالي سؤال غريب: هل ساهمنا في استدراجهم إلى الموت الذي دخل غرفهم التي بنيناها كمصائد؟ لكننا لم نكن نعرف بأن القصف سيعيد مواد الرمل والإسمنت والحديد إلى حالتها الأولى، قبل أن نبدأ البناء، وقبل أن نبتسم بفخر ونحن نسلم البناء!

لا نزال نجد الخبز والبندورة والبيض، وعلب السردين رغم القصف، كنا نفرح برؤية بعضنا وقد نجونا من القصف الأخير، نسلم على الأهل والأصدقاء والجيران، ونتلقى منهم أخبار من مات، أو من جرح أو من غادر المكان بعيداً عن هذا القصف، ربما إلى قصف آخر بدأ مع وصولهم أو بعد ذلك بقليل!

لم تقصف المدافع علبة السردين التي نتناولها كما فعلت في قصيدة محمود درويش، لكنها قصفتنا نحن، وقصفت عقول وقناعات أطفالنا، جعلتنا نهتز بعمق ونفقد اليقينيات التي كنا قد حولناها إلى بديهيات مثل أن نستيقظ في الصباح ونذهب إلى عملنا، او أن نجد الطعام دائماً وأن تلمع الكهرباء في بيوتنا، أو أن نؤمن بأن البشر أخوة، وأن الأطفال يجب أن يذهبوا إلى المدارس، تلك المُسَلمات التي كانت تسوّر حياتنا صارت أوهاماً تحتاج إلى براهين وحجج تؤكد وجودها!

انفجرت قذيفة قرب مقهى صيفي كنا نرتاده، امتلأت وجوهنا بالتراب الذي أهاله الانفجار علينا، نفضنا الغبار واستبدلنا كأس الشاي الموحل بآخر ونحن نسمع امرأة تصيح على ضحية وقعت جراء القصف، صمتنا قليلاً وترحمنا عليه، وأعدنا تشغيل اسطوانة التحليلات التي نتوهم صحتها عن احتمالات نهاية الحرب، لكن شعوراً داخلياً كان يصرخ فينا لن تنتهي الحرب قريباً.

بعد كل قصف كان الأطفال يتراكضون إلى مواقع الانفجارات ويبحثون عن الخردة المعدنية التي لم تصب أجسادنا، يفتشون بحماس ولكنهم بعد دقائق يخرجون من المكان حاملين شظايا مسودة، أو يتم طردهم من المكان من قبل الكبار خشية القنابل التي لم تنفجر بعد!

لماذا لم يعلمونا في المدارس كيفية العيش مع القصف، وكيفية التواءم مع مخلفات الانفجار وبقايا الحياة التي ظلت لنا، لماذا يدرسون أثر القذائف وميزاتها الانفجارية في أقنية التلفزيون، ويصدرون مجلات وكتب وتتأسس مراكز أبحاث عن قوة الانفجار، ولا يكترثون بنا نحن الذين نهتز من قوة الانفجار أو نتراكض هلعين في بيوتنا أو في الشوارع التي تستقبل الانفجار المفاجئ!

هذا العالم غير عادل بالنسبة لنا ولم ينظر إلينا إلا كأهداف للقصف، البارحة توفيت غادة وهي معلمة مدرسة كانت تصر على الذهاب إلى مدرستها رغم القصف، فاجأتها قذيفة انفجرت قربها، في اليوم التالي لم تذهب غادة إلى المدرسة بل ذهبت إلى المقبرة التي تزايد سكانها وصارت قبورهم حقولاً تمتد يوماً بعد يوم، لا أعرف إذا كانت معلمة أخرى قد تولت أمر التلاميذ الصغار أو ما تبقى منهم بعد موجة القصف الشديدة التي طالت المدينة خلال الليلة الماضية!

كنا نشاهد قصف المدن في الحروب العالمية التي كنا نظن إنها انتهت، أو نشاهد الحروب البعيدة في بلدان لا نعرف أسماءها ولم نكن ندري أن شظايا القصف فيها ستصل إلينا وستدخل بيوتنا وتضرب أجسادنا، جارنا أسعف ابنه بعد قصف مفاجئ وقالوا له أن الشظايا الصغيرة لن تخرج من رأسه، ستبقى هناك طوال حياته، لا تحزن انه سيتقاسم معها أفكاره وذكرياته ورغباته وأحلامه التي ستساهم قطع الحديد الصغيرة بصياغتها من الآن إلى آخر يوم في حياته!

تغيرت ملامحنا تغيرت ملامح البناء الذي نسكنه، تغيرت ملامح المدينة كلها، صار القصف يوشّح صفحاتها البيضاء ويلطخها بالسواد وببقع الدم الذي يسارع السخام إلى امتصاصها. إذا كانت المدينة صفحة بيضاء قبل القصف فإنها أصحبت رسمة بالحبر الصيني الذي يوشحها فنان مجنون يفرّغ شحنات الغضب والحقد ويطلس وجوهنا بالسواد ويحرق الأشجار والواجهات ويتجدد جنونه كلما رأى مساحة ما تزال خالية من سواده المتناثر بعبثية!

بعد أسابيع من الهدوء تصاعد القصف فجأة، اتصل بي أخي وحاول انتزاع وعد مني من أجل الخروج، كنت ذاهلاً، لم أكن أدري بأن القصف يتوسع بهذا الشكل، كانت المدافع تقصف ليل نهار، والطائرات تقصف بجولات متقاربة، تحول كل شيء حولنا إلى دمار شامل، لم تعد الاهتزازات خاصة بمن هم قرب القصف، بل صارت المدينة كلها تهتز وتتناثر أبنيتها عبر انفجارات تبدو عميقة، بل شديدة العمق ولكنها سرعان ما ترتفع عالياً وبصخب يصم السمع ويعمي الأنظار، كانوا يعملون ليل نهار على اقتلاع المكان من جذوره، صارت الشوارع أنهاراً من الشظايا المتدفقة، حتى النهر المجاور خرج من مكانه ومضى بعيداً عنا، لم يحتمل ماؤه القرب منا، وكأن أسماكه ساعدت الاهتزاز الكبير ودفعت النهر الذي كان يطفيء ظمأنَا، و يؤنس وحدتنا وجعلته يهجرنا، هناك حيث هرب الماء بعيداً عنا، ولم يعد أي شيء إلى هدوئه لأن القصف لا يتوقف والأشياء لا ترجع أصلاً إلى أمكنتها بعد الاهتزازات الصاعقة.

خرجنا من المكان حاملين صرراً مما تبقى من أشيائنا، كنا ذاهلين وشبه مجوفين بلا أحشاء، كانت الانفجارات تقتلع الأرض من أقصى أعماقها، من نواتها العميقة، وترسلها عالياً إلى السماء السوداء التي فقدت زرقتها الربيعية عندما شاهدناها أيام قصف البراميل المتفجرة. كان الموت يتكاثف مع شدة الاهتزازات التي صارت تقتلع الروح، وتحيلها إلى رماد لا يترك أثراً ولا خبراً عن المدينة التي عشنا فيها طفولتنا وطفولة أولادنا الذاهلين من هول القيامة التي تحيط بنا!

مهندس وقاص سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى