فنون

جبران طرزي: ثنائية الأصالة والتجديد

خضير الزيدي

في العام 2025 تمت طباعة كتابي الثاني (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد)، ليكون استكمالاً، من حيث المشروع النقدي، للكتاب الأول (جبران طرزي سيرة إبداع فني مشرقي) الذي تبنّت دار الأديب في عمّان طباعته في العام 2024. كان الاشتغال في الحقل النقدي للكتاب الثاني بمثابة امتداد وتكميل لتلك القراءات النقدية التي تعمل على تحليل لوحات الفنان اللبناني جبران طرزي، وسعيت أن أشير إلى مقاربات أسلوبية رصينة تجمع مشروع جبران طرزي الداعي للاهتمام بالموروث الشرقي مع فنانين عرب أو عالميين، لاعتقادي بأن أيّاً من مشاريع الفنانين الحقيقيين لن يتوقف مع موتهم أو رحيلهم المفاجئ، إنما ثمّة ثمرة عطاء تستكمل رحلة الإبداع من شخص لآخر، وهذا ما جعلني أتلقف بشغف الوقوف طويلاً عند اشتغالات الفنان اللبناني جبران طرزي، ومنها ما تعلق بالتجريد الهندسي والمرايا الشرقية والصناديق الخشبية ذات الطابع التراثي.

التصور والبناء

كتاب (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد) عملت فيه على تأسيس مختلف عن الكتاب السابق، وكان تصوري أن يضم بين طياته أدق تفاصيل البناء الفني والأسلوبي ومميزات فنه، فسعيت أن ينقسم الكتاب إلى عدة أقسام: (مدخل أولي) يضمّ قراءة الصناديق والمرايا الشرقية، وأيضاً نعرج على الرؤية والتوظيف في بيان الممارسة التعبيرية، ثم تكون لنا قراءة خاصة حول مفهوم الجزء والكل والوحدات المرتبطة بالجمال، ثم نعاود قراءة ما لم نعرج عليه في مرايا الفنان كونها انعكاساً للعبقرية الفنية المشرقية، مع التأكيد على مميزات تلك المرايا باعتبارها توصيفاً فنياً جمالياً. وأيضاً احتوى المدخل الأول في هذا الكتاب قراءات متنوعة، مثل التي تناولت التراث الفني ومفهوم ما بعد الحداثة وبناء اللوحات التجريدية الهندسية وخبرة الفنان جبران طرزي الأسلوبية، ثم نتوقف عند التصور العام، وهو: ما الذي يميز رؤيته وأعماله؟

حراك الأسلوب والهوية

في المدخل الثاني لكتاب (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد) رأيت من الضروري أن نقارن تلك التجربة العريقة والمميزة مع فنانين لهم مقاربات سواء في الرؤية أو الطريقة والاتجاه الفكري، لإيماننا بأن التجريد الهندسي له فرضية اللجوء نحو تصورات الأصالة والعمق التراثي، وكيف يمكن للفنان أن ينجح في تأكيد حضور بيان فكري له مقومات خطاب الحداثة فنياً. وكان مما يميز هذه الآراء أن أجد مشتركات قائمة، كان لا بد من التركيز والتذكير بها، تجمع بين خطاب الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد والفنان اللبناني جبران طرزي، فهناك عوالم في الغاية الروحية الصوفية يجتمع بها الفنانان، وهناك تصور نحو التجريد، وشاءت الظروف أن يلتقي الفنانان في معرض مشترك أُقيم في (آرت دبي عام 2018)، مثلما ذكرته جريدة لوموند الفرنسية في تلك الفترة، وكان لذلك المعرض نصيب من التذكير والحضور والأهمية التي ذُكرت في وقتها. وبعد الانتهاء من المشتركات بين شاكر حسن وجبران طرزي، وجدت من الإخلاص أن نتبنى، بالرؤية والتحليل، المشتركات القائمة في خصائص التجريد الهندسي بين لوحات الفنان العالمي (فازاريلي) وجبران طرزي، فالاثنان قدما لوحات غاية في التركيز التجريدي، وخاصة ما تم اعتماده من اشتغال في الإيهام البصري في واحدة من لوحات (فازاريلي) التي سميت يومها (تكوين بالأزرق)، وأنجزها في العام 1975. أما نمط التركيب والبناء عند جبران طرزي فكان ضمن سياق نظري يقوم على فكرة التركيب التقليدي (قائم/ نائم)، وهو منجز واشتغال تميز به دون غيره من الفنانين العرب، لأنه توزع في تقديم نظري وتطبيقي منتظم استناداً لاعتبارات رياضية ثابتة.

الأندلس الجديدة

العنوان أعلاه كان هو المدخل الأخير لكتابنا الموسوم (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد)، عرجت فيه على السيرة الذاتية والفترة التي عاشها متنقلاً بين دمشق والمغرب وبيروت، وكيف استهوته الحرف التقليدية ذات الطابع الشرقي لتعيد له ما انشغل به المؤسسون الأوائل من إبداع إنساني في دولة الأندلس، حيث النقوش والمقرنصات والأقواس والأهلة وفن العمارة. يومها فكر جبران طرزي كيف يكون فاتحاً للفن الذي تعلمه على يد جده، الذي فتح أربعة مشاغل حرفية بين بيروت والقدس والإسكندرية ودمشق، فما إن بلغ أربعة عشر عاماً حتى عاد مع أسرته إلى مدينة بيروت، ولم ينس صورة الحلم الأندلسي، متذكراً مدناً شهدت فتوحات كثيرة كغرناطة وإشبيلية والأندلس. شخصيته الفنية سعت لتنقب طويلاً في العديد من الأبحاث التي تختص بالأدب والآثار والفنون التقليدية والمعاصرة، فكانت السنوات الممتدة بين 1966 إلى 1975 كفيلة بتغيير وعيه وتعزيز ثقافته، لأن بلداً مثل المغرب ولبنان لا يختلفان عن احتوائهما تاريخ الشرق العريق. كل هذه التفاصيل وأخرى هو ما احتواه كتابنا الثاني، الذي جاء بواقع أكثر من 80 صفحة ملونة، نشرنا فيها، مع الإيجاز، الصور الفنية التي عمل عليها الفنان عبر سنوات متعددة، والتي أُقيمت في معارض شخصية في حياة الفنان وبعد رحيله.

كاتب وصحافي عراقي

التشكيلي اللبناني جبران طرزي

من أعمال الفنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى