أمكنة

ربيع فيينا…  حيث يسكن الجمال

عبد الكريم البليخ

في فيينا، لا يأتي الربيع كفصلٍ عابر، بل كحالةٍ شعورية تتسلل إلى الروح بهدوءٍ مهيب، كأنها وعدٌ قديم يتجدد كل عام دون أن يشيخ. هنا، حيث الخضرة لا تُرى فقط، بل تُحسّ، تنبسط المدينة كلوحةٍ لا تكتفي بأن تُبهج العين، بل تلامس في الإنسان ذلك الحنين الغامض إلى معنى الجمال الأول.

ليست فيينا مجرد مدينةٍ تتصدر قوائم النظافة والخدمات، ولا مجرد محطةٍ سياحيةٍ تزدحم بالزائرين من كل صوب، بل هي فضاءٌ إنسانيّ تتقاطع فيه الهويات دون أن تتصادم، وتتمازج فيه الثقافات دون أن تذوب. في شوارعها، في محالها، في صمت محطات المترو، وفي تفاصيل السكن، تتجلى أخلاقيات العيش المشترك، حيث الاحترام ليس سلوكاً مكتسباً، بل طبيعةٌ متجذّرة في وجدان أهلها.

ومع توالي الأيام، لا يكشف الربيع وجهه دفعةً واحدة، بل يراوغ كحلمٍ يتشكل ببطء، كأن المدينة تعيد ترتيب ملامحها لتقول شيئاً أعمق من مجرد جمالٍ ظاهر. إنه حوارٌ داخلي، يوقظ ما خَبُت في النفس من أمانٍ مؤجلة، ويعيد للإنسان صلته الأولى بالطبيعة، حيث السكينة لا تُطلب، بل تُمنح.

في الساحات العامة، حيث تمتد المساحات الخضراء كأذرعٍ مفتوحة، لا يكون الجلوس مجرد استراحة، بل تجربة وجودية صغيرة، يتصالح فيها المرء مع ذاته ومع العالم. هناك، تتلاشى الفوارق، وتبقى إنسانيةٌ خالصة، تتجلى في نظرة، أو ابتسامة، أو صمتٍ مشترك.

وربما، في نهاية الأمر، تعجز الكلمات عن الإحاطة بكل هذا الامتلاء. فالصورة وحدها ـ ببراءتها وصدقها ـ  قد تكون أقدر على نقل الحقيقة كما هي، دون تزييف. لكن حتى الصورة، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة عن نقل ذلك الإحساس الخفي: أن فيينا، في ربيعها، لا تُرى فقط… بل تُعاش.

17/4/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى