اسطورة الأخوات برونتي
ترجمة: زبيدة الدليمي
الأخوات برونتي (شارلوت، إميلي، وآن) هنّ ثلاث روائيات وشاعرات إنكليزيات بارزات في القرن التاسع عشر، وُلدن في يوركشاير وعشن حياة عزلة ومأساة، أنتجن خلالها أعمالاً أدبية خالدة مثل «جين آير»، و”مرتفعات وذرينغ”. نشرن رواياتهن تحت أسماء مستعارة ذكورية (كورير، إيليس، وأكتون بيل) للتغلب على التحيّز ضد الكاتبات النساء آنذاك.
«وقد نشرت العديد من المؤلفات والمقالات التي تناولت حياة هذه الاخوات الثلاث ونتاجهن الأدبي الا ان كتاب (أسطورة الاخوات برونتي) يمثل دراسةٌ ثاقبةٌ في التاريخ الأدبي لهذه الكاتبات، وهذا الكتاب من تأليف لوكاستا ميلر وهي كاتبة إنكليزية وصحفية أدبية، وقد اختارت تتبع تطور شخصيتي شارلوت وإميلي برونتي. حيث تعترف المؤلفة أنها أهملت أختهما آن لأنها لم “تكتسب المكانة الأسطورية لشقيقتيها بجدارة”.
ومع ذلك فان مؤلفة الكتاب تشير الى انه حتى في حياتهن، كانت الأخوات برونتي – شارلوت وإميلي وآني – شخصيات بارزة، لطالما اكتنفت سمعتهن الأدبية شبكة من الأساطير والأكاذيب التي لا تزال قائمة إلى حد ما. في هذا الكتاب، تقدم المؤلفة سيرة ذاتية ذكية للغاية، تُفنّد هذه الحقائق المغلوطة لترسم صورة جديدة وأصلية لثلاث كاتبات استثنائيات. احتفى بهن بعض قراء القرن التاسع عشر كبطلات أدبيات، بينما انتقدهن آخرون بشدّة ووصفوهن بالتهور وعدم الأخلاق، فقد تحدّت الأخوات برونتي الأعراف حتى وهنّ يحاولن العيش في ظلها: “أحدثن ثورة في التصوير الخيالي للحياة الداخلية للمرأة”، حتى وهنّ يطورن الشخصية الاجتماعية لـ”الابنة العانس المتواضعة”. تتتبع ميلر مسار حياتهن المهنية، وخاصة شارلوت، من ألعاب طفولتهن إلى النجاح الباهر لروايتي “جين آير” و”مرتفعات ويذرينغ”. بالاستناد إلى ثروة من الرسائل والدراسات الأكاديمية، تنجح المؤلفة في الكشف بدقة عن كيف طغت الشائعات التي صوّرت الأخوات برونتي ككائنات متدينة وقديسات وشهيدات على رواياتهن، تتناول ميلر مؤلفات متنوعة تناولت سيرة حياة الاخوات الثلاث، بدءاً من إليزابيث غاسكل، التي مثّل كتابها الشهير “حياة شارلوت برونتي” (1857) “ميلاد الأخوات برونتي كرموز ثقافية”، وصولًا إلى الكتاب الذي ألفه تيد هيوز، والذي لم يُسلط الضوء فيه على حياة الأخوات فقط، بل أيضاً على أهمية أعمالهن وقيمتها. في نهاية المطاف، كانت هذه الاستعادة الأدبية هي ما سعت إليه ميلر: إزالة غموض التاريخ، وإبراز عبقرية رواياتهن وفنها، والسماح للأخوات برونتي بالتعبير عن أنفسهن.
تقدم ميلر سرداً دقيقاً ومفصلاً للغاية لتطورات شخصية شارلوت برونتي، بدءاً من تنكرها الأول تحت الاسم المستعار كورير بيل ، مروراً بكشفها التدريجي عن اسمها الحقيقي (وما واجهته من انتقادات فورية لكونها صريحة بشكل “لا يتناسب مع كونها أنثى” بشأن عواطف جين آير وميولها)، وصولاً إلى شخصية الابنة المتواضعة التي تناولتها الكاتبة اليزابيث غاسكل،في كتابها “حياة شارلوت برونتي».
وتجادل ميلر بأسلوب مقنع بأن الكاتبة غاسكل كانت مسؤولة عن الصورة الشائعة لشارلوت كشخصية مضطربة نفسياً، تعيش في أقصى الأراضي النائية مع أب متقلب المزاج وعنيف، تنقطع عن الكتابة حين تسمع اصوات أجراس الكنيسة وهطول المطر على نافذتها الريفية الصغيرة.
وتشير مؤلفة الكتاب إلى أن إميلي برونتي ظلت مغمورة لفترة أطول من شارلوت. وقد رُفضت رواية “مرتفعات وذرينغ” عموماً باعتبارها نتاجاً غريباً لطفلةٍ مُصابة بمرضٍ عضال. لكنها كانت تُلتهم سراً من قِبل فتيات المدارس المتمردات في تسعينيات القرن التاسع عشر، ولاحقاً من قِبل روائيات وفلاسفة مطلع القرن العشرين مثل ماي سنكلير. تشير ميلر إلى سنكلير باعتبارها صاحبة أسطورة “إميلي المتصوفة” – العرّافة الوثنية، التي تجوب المستنقعات برفقة خيالها الجامح، “وانها ليست حرفية ماهرة بل كائناً يتمتع بمواهب روحية نادرة».
تميل المؤلفة إلى الانتقال بسلاسة من الأسلوب الأكاديمي الى الشعبي في كتابة السير الذاتية، ومن متاجر الهدايا التذكارية إلى الحياة الأدبية. وتُستشهد بعبارات موجزة في مجلة “راديو تايمز” كمصادر لا تقل أهمية عن تأملات سنكلير المتأنية.
يتجاهل هذا الطرح مسألة مدى موثوقية المصادر المختلفة، وما إذا كانت بعض وسائل الإعلام أكثر ترجيحًا لتقديم معلومات موثوقة من غيرها. كما تترك دون إجابة سؤال ما إذا كانت جميع التعليقات على الكُتّاب أسطورية، أو ما إذا كان بإمكان بعض كُتّاب السير الذاتية الموهوبين بشكل خاص أن يقتربوا أحيانًا من “الحقيقة” حول كاتب ما.
يتضمن كتاب (أسطورة الاخوات برونتي) طيفاً واسعاً من الأفكار، بدءاً من المفهوم السائد عنهن كفتيات معزولات وبريئات، استمدّن كتاباتهن الصادمة من تعرضهن القاسي للرذائل الذكورية من خلال أخيهن وأبيهن، وصولاً إلى صورة الأراضي الموحشة التي تجتاحها الرياح، والتي تمثل استعادة شارلوت لها من منظور نسوي. من المثير للاهتمام أن شارلوت تبدو متواطئة في خلق أسطورة الاخوات برونتي.
فبعد أن صدم نشر رواية “جين آير” تحت اسم كورير بيل المستعار (إذ اختارت الشقيقتان أسماءً مستعارة محايدة جنسياً، خوفاً من الكذب صراحةً) الجمهور، أصبحت شارلوت، كما تجادل مؤلفة الكتاب، أكثر حرصاً على الحفاظ على صورتها العامة، خاصةً بعد الكشف عن هويتها. تورد مؤلفة الكتاب حكايات عن حفلات عشاء حيث توقع الضيوف أن يُبهروا ببراعة كورير بيل، لكنهم فوجئوا بشارلوت برونتي المنطوية. ولم تكتفِ شارلوت بالحفاظ على صورتها فحسب، بل على صورة شقيقتيها أيضًا. فبعد وفاة إميلي وآني، كتبت شارلوت، في مقدمة طبعة جديدة تضم روايتي “أغنيس غراي” و”مرتفعات ويذرينغ”، نبذةً تعريفية اعتذرت فيها لشقيقتيها عن أسلوب كتابتهما عن المواضيع التي تناولتاها، واصفةً إياها بأنها أخطاء بريئة وغير مقصودة. وبالطبع، لم ينتهِ الأمر عند الشقيقتين فقط؛ فقد ركز كتاب إليزابيث غاسكل الشهير عن شارلوت، “حياة شارلوت برونتي”، بشكل كبير على حياتها الشخصية لتبرير كتاباتها المثيرة للجدل أو حتى تجاهلها. بالطبع، الكثير من هذه التفاصيل مختلقة، مثل إساءة معاملة والدها المزعومة للأطفال، لكنها ما زالت متداولة حتى يومنا هذا.



