يوميات

وجاهة مستعارة

دوان موسى الزبيدي

الألقاب الحقيقية هي التي تليق بأصحابها، أما الألقاب المصطنعة فهي أشبه بالفقاعات الهوائية؛ تبدو كبيرة ولامعة من بعيد، ولكنها تنفجر بأتفه وخزة، ليبقى صاحبها عارياً أمام الحقيقة: «كَالهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخاً صَوْلَةَ الأَسَد”ِ.

تحت عناوين براقة وألقاب رنانة، يختبئ أحياناً فراغ قاتل وشخصيات هشة تعاني من أزمة نقص حادة؛ فالألقاب الحقيقية تليق بأصحابها، وتأتي تتويجاً لعطاء وعلم حقيقيين، بينما تتحول الألقاب المفتعلة إلى «فضيحة متنقلة» تكشف حقيقة صاحبها مع أول اختبار حقيقي في الميدان. وما أكثر الأمثلة لكل لقب:

ـ لقب «دكتور»: يحرص بعضهم، في واقع مخادع، على أن تُسبق أسماؤهم بلقب «دكتور» في كل محفل، وعلى بطاقات العمل ووسائل التواصل، لحصولهم على شهادة شرفية، أو دراسة مسلوقة من جامعات تجارية وهمية، أو لإتمام بحث شكلي لا يعكس أي عمق معرفي. فالفضيحة أن الهشاشة تظهر جليّة عندما يُوضع هذا «الدكتور المزعوم» في ندوة علمية حقيقية، أو يُسأل عن تفاصيل دقيقة في تخصصه المزعوم؛ فتجده يتخبط في أبجديات العلم، وتتكسر هيبته الزائفة عند أول سؤال نقدي محترف. فهو كحاطب ليلٍ يجمع الحطب في الظلام، وينقل كلاماً لا يدركه، ويحمل لقباً لا يتقنه.

ـ لقب «شيخ»: يُطلق أحدهم على نفسه لقب شيخ، مستغلاً الهالة الدينية والاجتماعية، فيرتدي زياً معيناً، أو يحفظ متوناً سطحية دون فهم مقاصد الشريعة، أو سعياً وراء الهيبة المجتمعية وتصدّر مجالس الصلح والفتيا، بغرض الجاه أو التكسب.

تنكشف سوءة هذا اللقب حين يفتقر صاحبه إلى الحكمة والأخلاق والورع، أو عندما تُطرح عليه نازلة فقهية أو اجتماعية تحتاج إلى فقه واقع، فيخرج بإجابات متشدّدة أو مضحكة تكشف ضحالة علمه وسوء طويته.

يقول الشاعر:

وَمَا شَاهِدُ الإِحْسَانِ كَالمُتَصَانِعِ … وَلا عِلْمُ مَنْ يَخْتَالُ كَالعَالِمِ الوَرِعِ

ـ لقب مدير عام أو رئيس تنفيذي: يعتقد بعضهم أن كثرة الألقاب الإدارية المترفة، مثل «الرئيس التنفيذي»، أو «المدير العام» لكيانات وهمية لا وميض لها على أرض الواقع، تمنحهم قيمة اعتبارية ومكانة لا تستحقها جهودهم. فتتجلى الفضيحة عندما يلتقي هذا الشخص برواد أعمال حقيقيين أو قادة إداريين؛ فلا يجد ما يقدمه سوى لغة الشعارات الرنانة والاجتماعات العبثية الخالية من أي إنجاز أو أرقام حقيقية. فالإدارة لديه مظهر و«بروتوكول»، وليست كفاءة وقيادة، فينطبق عليه المثل: «أسمع جعجعة ولا أرى طحناً»؛ جعجعة بلا رحى.

ـ لقب رئيس أو وزير أو مسؤول سابق: تجد أحدهم يعيش في جلباب المنصب طوال حياته، فيشترط مخاطبته بلقب «معالي الوزير»، أو «السعادة»، رغم زوال منصبه منذ عقود، مستخدماً إياه كدرع لحماية شخصيته المهزوزة التي لا تقوى على العيش بلا مظلة رسمية.

تفضح هذه الألقاب عجزه عن إثبات ذاته كإنسان عادي قادر على الإنتاج والنجاح بلا سلطة أو حراسة، وبزوال اللقب تراه يعاني من عزلة نفسية وشخصية باهتة لا قيمة لها، فيظلّ أسير الماضي والمجد الزائف.

أخي القارئ، لك أن تتخيّل كم لدينا من هذه القطط والفئران التي تحاكي السباع في صولتها، لكن حينما تسقط الأقنعة تجدها قد عادت إلى حجمها الطبيعي.

رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فلا يظلمها!

باحث ومدقق لغوي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى