ضياء حسن الشكرجي الصمت الذي يرسم بغداد
من بابل إلى الكرادة.. تجربة في صياغة الفراغ وحراسة القيمة
علي إبراهيم الدليمي

يختار الفنان العراقي ضياء حسن الشكرجي أن يلوذ بالبياض، ممارساً حساسية تقشفية نادرة تُعلي من شأن الفن كرسالة جمالية وأخلاقية. منذ سبعينات القرن الماضي، انشغل الفنان بالبحث عن صوته الخاص عبر تجريد واع يُفكّك الواقع ليُعيد صياغته في خطوط حاسمة، وفضاءات تنبض بالحوار بين الكتلة والفراغ.
في زمن يركض فيه الجميع وراء الميكروفون وأضواء الكاميرات، اختار الفنان ضياء حسن الشكرجي أن يركض وراء البياض. لا يعلن، لا يضج، لا يشرح، يرسم، منذ أن بدأ السبعينيون يكتبون أسماءهم على جدران القاعات، وهو حاضر، بهدوء نادر، وعطاء لا ينضب.
فنان ولد في أحضان أثار بابل، عام 1946، وتخرج من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد العام 1968. في الدفعة التي آمنت بأن الفن مسؤولية قبل أن يكون موهبة.
أقام معرضه الشخصي الأول على قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1970. ومنه بدا واضحاً أنه لا ينتمي إلى موجة المحاكاة، لم يكن يريد أن ينقل الواقع كما هو، كان يريد أن يسأله، ومن قاعة إلى قاعة، ومن بغداد إلى دمشق وموسكو واليابان وقطر وعمان، حمل هذا السؤال معه. لم يكن يبحث عن تصفيق خارجي، كان يبحث عن مساحة يفكر فيها بصوت اللون.
ثم عزّزه بمعرضه الثاني عام 1975 على قاعة كولبنكيان، ثم معرضه الثالث على قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1977، ومعرضيه الرابع والخامس على قاعة كوديا للفنون عامي 1994 و1996، فضلاً عن معارض الفن العراقي المعاصر خارج العراق: دمشق عام 1975، موسكو عام 1978، اليابان عام 1981، قطر عام 1982، عمان عام 1992، ومعارض الواسطي منذ عام 1970.
عودة إلى الوطن
كان يعود إلى بابل كلما احتاجت روحه إلى طين أصلي، لا أحد يعرف عنه ضجيجا، يعرفه الطلبة، ويعرفه الجدار، وتعرفه الفرشاة. خمسة عقود ونصف من العمل المتواصل، لا يطلب فيها شهادة حضور، إنه فنان يختبئ خلف الرمز، لكنه في الحقيقة لا يختبئ، هو فقط لا يحب أن يقف أمام اللوحة. يفضل أن تقف اللوحة وحدها.
أسّس أول قاعة للعرض الفني في شارع السعدون مع الفنان علي النجار، ومن ثم التحق بهما الفنان جودت حسيب في المرسم المسمى “مرسم ضياء حسن” عام 1974. من عام 1988 وحتى عام 2003، فعل ما لم يفعله كثيرون، حيث فتح باب بيته للآخرين، أسس في الكرادة الشرقية ببغداد قاعة ومعهداً صغيراً سمّاه “كوديا”، لم يكن مشروعاً تجارياً، كان مشروع نجاة، مكاناً للعرض، لاقتناء التجارب، لورش العمل، للندوات التي لا تنتهي بالتصفيق بل بالسؤال. أدار المكان بيدين اثنتين: يد فنان ويد معلم، استمر حتى جاء عام 2003 وغير كل شيء، لكن الأثر بقي. لأن القاعات قد تُغلق، أما الفكرة فلا.

فنان ولد في أحضان أثار بابل
قبل “كوديا” كان قد شارك في تأسيس مرسم مع زملاء في السبعينات، واشتغل على فكرة أن الفنان يجب أن يعلّم، شغل لسنوات طويلة منصب مفتش تربوي في وزارة التعليم العالي، لم يكن وظيفة إدارية عنده، كان امتداداً للمرسم، يذهب إلى القاعات الدراسية كما يذهب إلى لوحته: بهدوء، بعين فاحصة، وبنية أن يترك أثراً لا توقيعاً.
وحين بلغ الستين، عاد إلى مقاعد الدراسة. نال الدكتوراه بامتياز عن الحداثة في تشكيل عناصر التصميم الداخلي، لم يفعلها ليضيف لقباً، فعلها لأنه يؤمن بأن التعلم ليس فيه تقاعد، وأن الفنان الذي يتوقف عن التعلم يبدأ في تكرار نفسه.
لو وقفت أمام أعماله ستفهم لماذا يَهرب من الضجيج؟ لوحاته ليست صاخبة. هي تقشف بصري واع. يأخذ الشكل ويجرده حتى العظم. لا يرسم الشجرة، بل يرسم إيقاعها. لا يرسم الجسد، يرسم انحناءه. الخط عنده أسود وحاسم، يحدد مسارا كما يحدد القدر. واللون لا يصرخ. خلفية بلون الورق الخام، “بِيج” يميل إلى الصدق، كأن اللوحة ما زالت مسودة لفكرة كبرى لم تكتمل بعد. وفجأة يضرب الأحمر الآجري، أو الأسود، أو الأبيض. ليس زينة. هو
يلغي العمق التقليدي. يسطح كل شيء. لا يريدك أن تدخل داخل اللوحة بمنظور هندسي، يريدك أن تدور حولها بعينك وفكرك. الفراغ عنده ليس خلواً، هو شريك، يتنفس، يمنح الكتلة حقها في الحركة، ولهذا تشعر وأنت تنظر بأن الأشكال ليست جامدة. هي في حوار دائم مع الأرضية التي تحملها.

رموز من الهوية العراقية
الناقد محمد الجزائري قال عنه مرة إنه “يعزف على نحاسيات، إيقاعات تسبق العاصفة، خطوط ترق أحياناً لكنها تبقى محملة بثقل حجري، كلام دقيق، لأن ضياء لا يرسم بخفة، يرسم بثقل الذاكرة. يرسم خوفاً على مكان نحبه، وذعراً على إنسان نحبه. في لوحاته تشعر أن المكان يراقبك بعيون اللون. وأن الكتلة الضخمة أسفل العمل قد تسقط في أي لحظة لتمحو كل شيء. هذا الإحساس بالتهديد الناعم هو ما يجعل التجريد عنده إنسانياً، لا بارداً”.
أما الشاعر حسين الحسيني فوصفه بأنه “امتداد لتجربة تجريدية غنائية، فضاءات ملونة، خطوط دائرية صاعدة، حساسية مرهفة”.
وهذا صحيح أيضاً. فالرجل لا يتخلى عن العاطفة حتى وهو يهندس السطح. الانحناءات عنده قد تكون تضاريس، وقد تكون أجساداً متداخلة، يترك لك أن تختار، لا يعطيك إجابة.
يضعك أمام سؤال: ما علاقة اللون بالكتلة؟ وكيف لضربة فرشاة واحدة أن توازن كونا صغيراً؟
تأثر ضياء حسن الشكرجي في بداياته بكبار الفن العراقي: بألوان فائق حسن الذي أثر فيه أيضاً في الجانب التربوي، وبكاظم حيدر وغازي السعودي في الصرامة البصرية، وبالفنان اليوغسلافي أرنوموفسكي، الذي مرّ ببغداد وترك أثرا لا يُنسى. لكنه لم يستنسخ أحداً. أخذ منهم درس الإخلاص للدرس، ثم مضى في طريقه. طريق التجريد وحده. لم يغادره. لم يجربه كهواية ثم يعود إلى الواقعي، جعله قناعاً وبيتاً في آن. قناعا يخفي به الخطوط التعبيرية المباشرة، وبيتاً يسكنه منذ السبعينات وحتى اليوم.
فنان الصمت
في سبعينات القرن الماضي كان المشهد الفني العراقي يغلي، السياسة تدخل القاعات، والمنفى يصبح خياراً لكثيرين، هو اختار البقاء، اختار أن يكون مع الجميع وفي الوقت نفسه غائباً عن الأضواء. مهمة صعبة؛ أن ترسم، وأن تدرّس، وأن تشرف، وأن تنقل الخبرة، وأن لا تبيع روحك للسوق. كثير من أعماله الأولى بيعت وذهبت إلى مقتنين لا يعرفهم. لم يوثقها. لم يكن يفكر في الأرشيف. كان يفكر في الغد.
تجربة نلمس فيها بوضوح بصمة الفنان التي تعتمد على الاختزال كأداة فلسفية لإعادة صياغة الواقع.
ولهذا نقول إن له فضلا أكاديميا حرا، مثلما كان لقاعة الأورفلي، وقاعة حوار دور في إنعاش الحركة، كان لـ”كوديا” دورها. كانت ساحة تلاقح. يدخلها الطالب فيخرج وهو يحمل سؤالاً لا إجابة جاهزة. وهذا هو التعليم الحق.
اليوم أعماله موجودة في بيوت وعواصم كثيرة: عمان، بيروت، لندن، الدوحة، أبوظبي، موسكو، تونس، الرباط، الكويت. لكنه لا يتحدث عنها، يتحدث عن الورشة القادمة، عن الطالب الذي بدأ يفهم الفراغ، عن اللون الذي لم يجربه بعد.

استنطاق المساحات اللونية الصغيرة لتقول الكثير
إذا سألته عن سرّ هذا الصمت الطويل يبتسم. لا يجيب. يعود إلى اللوحة. لأن الجواب عنده ليس كلمة، الجواب: خط، مساحة، الجواب ذلك التضاد بين الأحمر المحروق والبيج الهادئ.
ضياء حسن الشكرجي نموذج نادر لفنان يرى الفن رسالة جمالية وأخلاقية، لا يفصل بينهما. يرى أن تعليم الأوليات للأجيال الجديدة هو حراسة للقيمة. وأن القاعة الأهلية الصغيرة قد تصنع ما لا تصنعه المؤسسات الكبيرة أحياناً. خمسون عاماً وهو يرسم ويبحث ويجرب ويشارك. لا يطلب كاميرا. يطلب جداراً نظيفاً. لا يطلب لقباً. يطلب طالباً يفهم. لا يطلب شهرة. يطلب أن تبقى اللوحة حية بعد أن يغادر.
في بلد تعود على الصخب، يذكرنا هذا الرجل البابلي بأن هناك طريقة أخرى للوجود: أن تعمل بصمت، أن تؤسس ولا تعلن، أن تعلّم ولا تمنّ، أن تجرد الواقع حتى يصبح سؤالا.
ولهذا حين نكتب عنه اليوم لا نكتب سيرة، نكتب شهادة، شهادة على أن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة ناعمة، مقاومة للنسيان، وللتكرار، وللسوق، وللضجيج.
ضياء فنان لا يرسم لكي يُرى. يرسم لكي نرى نحن، يرسم لكي نكتشف أن بين الخط المنحني والزاوية الحادة هناك مسافة اسمها الإنسان، وأن بين اللون الصارخ والخلفية الخام هناك مسافة اسمها الوطن، ومن هناك، من صمت الكرادة، ومن هدوء بابل، يواصل، لا يلتفت، فقط يمد يده إلى الفرشاة، ويبدأ من جديد.
تُعد أعمال الفنان ضياء الشكرجي تجربة بصرية غنية تجمع بين التجريد التعبيري والبحث في جماليات السطح التصويري.
في تجربته، نلمس بوضوح بصمة الفنان التي تعتمد على الاختزال كأداة فلسفية لإعادة صياغة الواقع، فالبناء التجريدي والاختزال الشكلي، يعتمد على عصرنة التكوين إذ يبتعد الشكرجي عن المحاكاة المباشرة، متجها نحو تجريد الأشكال إلى عناصرها الأولية (خطوط، مساحات، وظلال).

حداثة عراقية مزجت بين التراث والوعي المعاصر
ويبدو التكوين لديه، وكأنه عملية تفكيك لعناصر طبيعية أو أشياء جامدة، ثم إعادة صهرها في بوتقة هندسية مرنة، حيث تتداخل الخطوط المنحنية مع الزوايا الحادة لتخلق إيقاعاً بصرياً متوازناً، معتمدا على الفلسفة اللونية حيث يسيطر اللون المختار على لون الورق الخام على الخلفية، مما يعطي إحساساً بالعفوية والصدق، وكأن اللوحة هي مخطط أولي (اسكيج)، لفكرة كونية كبرى. ومن خلال التضاد اللوني، فإن استخدام الأحمر الآجري (البرتقالي المحروق) والأسود مع الأبيض يخلق قوة جذب بصرية عالية.
هذا التباين ليس مجرد تزيين، بل هو أداة لخلق السيادة داخل العمل، حيث تبرز المساحة الصفراء في الوسط كمركز استنارة يربط شتات العناصر.
أما على مستوى الفضاء والمنظور، فيعمد الفنان إلى تسطيح الأبعاد، وإلغاء المنظور التقليدي (العمق) لصالح المنظور المسطح. هذا التسطيح يحول العناصر إلى “رموز” بصرية بدلاً من أن تكون جسيمات مادية، مما يفتح باب التأويل للمتلقي، لإيحاء علاقة الشكل بالأرضية، في حوار ذكي بين الكتلة المرسومة والفراغ المحيط بها.
الفراغ في أعماله ليس عدماً، بل هو عنصر فاعل يمنح الأشكال مساحة للتنفس والحركة داخل كادر اللوحة.
استنطاق المساحات اللونية الصغيرة لتقول الكثير. استنطاق المساحات اللونية الصغيرة لتقول الكثير.
ويظهر الفنان حساً حداثياً، وينتمي أسلوبه إلى “التجريد الهندسي اللين”، حيث يتم توظيف الخط الأسود القوي لتحديد المسارات، مما يذكرنا بأساليب الحداثة العراقية التي مزجت بين التراث والوعي المعاصر.
ورغم تجريد العمل، إلا أن الانحناءات قد توحي بتضاريس جغرافية أو أجساد متداخلة، مما يضفي صبغة إنسانية على التجريد الصرف.
تمثل تجربة ضياء الشكرجي حالة من التقشف البصري الواعي؛ حيث يتم استنطاق المساحات اللونية الصغيرة لتقول الكثير.
الفنان هنا لا يقدم إجابات، بل يطرح أسئلة حول علاقة اللون بالكتلة، وكيف يمكن لضربة فرشاة بسيطة أن تخلق توازناً كونياً على سطح العمل.
كاتب وناقد فني عراقي




