تشكيل

فاطمة العبيدي: ريشة عصامية تحلق إلى العالمية

لغة بصرية تستنطق الداخل في فضاء التجريد التعبيري

علي إبراهيم الدليمي

من أزقة كركوك العريقة، انطلقت حكاية التشكيلية العراقية فاطمة العبيدي، التي ولدت عام 1974 لتتشرب إرثا فنيا باذخا في كنف عمها الرائد محمود العبيدي. وبتحدٍّ عصامي فريد، صقلت موهبتها ذاتيا محولةً ريشتها إلى جسر إنساني عابر للحدود، فرض سطوته في المحافل الدولية بلغة تجريدية غنائية متفردة.

من أزقة مدينة كركوك العريقة، بدأت حكاية تشكيلية عراقية متميزة صاغت من شغفها المبكر هوية فنية عابرة للحدود. ففي عام 1974 ولدت فاطمة العبيدي، لتفتح عينيها على إرث فني باذخ كان يملأ بيت عائلتها، إذ ترعرعت في كنف عمّها، الفنان العراقي الرائد محمود العبيدي، أحد أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية في كركوك.

هذا التماس المباشر مع الجمال لم يقدها إلى مقاعد الأكاديميات الرسمية، بل دفعها إلى خوض غمار “التحدي العصامي”، فاتخذت من كتب الفن التخصصية، العملية منها والعلمية، صومعة ومختبرا، ومارست الرسم بشغف ذاتي صقلت فيه أدواتها بصبر وأناة، لتصنع لنفسها خطا تفردت به لاحقا.

العبور إلى العالمية

لم يكن الفن لدى فاطمة العبيدي يوما مجرد ترف بصري أو برج عاجي، بل كان على الدوام فعلا اجتماعيا ووجدانيا. فمنذ انطلاقتها المنتظمة في تقديم طروحاتها التشكيلية عام 1995، وهي تسعى لترك بصمة حقيقية في مجتمعها.

وتجلى هذا المفهوم بأبهى صوره في عام 2007، عندما أقامت في مدينتها الأم، كركوك، معرضا انطباعيا ضم 35 لوحة، حيث لم تكتف ببيع المجموعة بالكامل، بل قدمت ريع المعرض كاملا لدعم المحتاجين من أبناء مدينتها، واضعة الحجر الأساس لعلاقة استثنائية مع جمهورها، قوامها الإنسانية والتكافل.

لم تنتظر العبيدي قطار الدعوات الرسمية لتنقل صوت العراق إلى الخارج، بل حزمت لوحاتها المعاصرة، وسافرت بها نحو آفاق الفن العالمي على نفقتها الخاصة. لم يكن حضورها في المحافل الدولية مجرد تمثيل رمزي أو عابر، بل كان حضورا تنافسيا فرضت فيه ريشتها بقوة، لتنال اعترافا دوليا متراكما عبّرت عنه الجوائز والألقاب الرفيعة التي حصدتها:

عام 2014 توجت في سلوفاكيا بالجائزة الأولى الذهبية في المهرجان الدولي للرسم (الدورة 21)، ومُنحت لقب “سفيرة السلام من خلال الفن” من مؤسسة الشرق للفن التابعة للاتحاد الأوروبي، في سابقة هي الأولى لفنان من خارج أوروبا والشرق الأوسط والعالم العربي.

في عام 2014 أيضا نالت في تونس درع اللمسة العصامية (الجائزة الرابعة) في الملتقى الوطني للمبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي، ليتوج هذا الدرع رسميا تلك النشأة العصامية التي بدأت في طفولتها.

عام 2015 بإيطاليا حصدت الميدالية الذهبية الخاصة في “بينالي فلورنسا الدولي العاشر للفن المعاصر”، أحد أعرق المحافل الفنية عالميا.

وهكذا، إلى جانب هذه المحطات الكبرى، يزدحم سجل التشكيلية فاطمة العبيدي بعشرات الميداليات والأوسمة والقلائد والدروع التقديرية التي نالتها داخل العراق وخارجه.

إن هذا المسار الزمني الحافل يبرهن على أن حضور العبيدي على الخارطة التشكيلية الدولية لم يكن وليد صدفة أو حدث عابر، بل هو نتاج تراكم إبداعي واعتراف دولي متسلسل بفنانة حولت ريشتها إلى جسر للسلام، وحملت اسم العراق بأمانة واقتدار إلى أرفع المنصات العالمية.

التجريد تحرير للبصر

اختارت العبيدي أن تتحدث بلغة لا تصف الواقع بل تستنطقه من الداخل، حيث تقدم مجموعة متكاملة من اللوحات تعلن بوضوح عن تجربة بصرية ناضجة، نضوجها لا يقاس بعدد السنوات، بل بمدى تحررها من قيود التشخيص المباشر واعتمادها على عنصرين أوليين: اللون والخط، بوصفهما قائدين للتعبير لا تابعين له.

العبيدي لا ترسم مشهدا لننقله إلى الذاكرة، بل تبني فضاءً لنعيشه حسيا، فالسطح عندها ليس خلفية، بل جسد، اللون ليس زخرفة، بل نبض، والحركة ليست ديكورا، بل جاذبية بصرية. من هنا، يمكن قراءة تجربتها ضمن حقل التجريد التعبيري والتجريد الغنائي، مع تقاطعات واضحة مع كبار رواد التجريد العالمي، دون أن تفقد صوتها الخاص.

تشتغل العبيدي على السطح اشتغالة النحات على الكتلة، فهي تبني أسطحا غنية بالملامس الخشنة والبارزة، باستخدام تقنيات السكين لضرب طبقات كثيفة من الطلاء فوق بعضها. النتيجة إذا ليست مجرد خشونة بصرية، بل بنية ديناميكية تتحرك بين البروز والغور، بين ما يقترب من العين وما يهرب إلى العمق الفراغي.

هذه الملمسية تمنح اللوحة بعدا حركيا حتى وهي ساكنة، العين لا تنزلق على السطح، بل تتعثر، تتسلق، تنزل. ثنائية البروز والعمق تخلق إيقاعا لمسيا، كأن اللوحة تتنفس. المتلقي لا يكتفي بالنظر، بل يشعر برغبة في لمس العمل، لأن السطح نفسه صار حدثا بصريا.

هنا يتحول الفن من تمثيل إلى تجربة مادية مباشرة، وهذا جوهر التجريد التعبيري: أن تكون الضربة، والمادة، والكثافة، هي المعنى قبل أن يأتي الشكل.

اللوحة وثيقة زمن مضى

ويتراوح الفضاء اللوني والهارموني لدى فاطمة العبيدي بين اللهيب والسديم، حيث تتأرجح لوحاتها بين قطبين لونيين متعاكسين لكنهما متكاملان بنيويا:

القطب الأول: الألوان الحارة الملتهبة حيث يشتعل الأحمر والأصفر والبرتقالي، في مساحات من اللوحة لخلق حالة صراع عاطفي أو توهج انفجاري. هذه الألوان لا تهدأ، بل تقاتل من أجل الحضور، تستخدمها حين تريد أن تتحدث عن الطاقة، عن الاحتكاك الداخلي، عن لحظة الاحتراق قبل التحوّل.

أما القطب الثاني فيمكن وصفه بالهدوء الميتافيزيقي، حيث تبرز التدرجات الزرقاء والبنفسجية التي تفتح مساحات لانهائية، أقرب إلى البيئات السديمية أو المائية. هنا يخفت الصراع ويحل محله التأمل، الأزرق العميق لا يغلق البصر، بل يوسعه نحو ما وراء المرئي. البنفسجي يعمل كجسر بين الحسي والروحي.

العبقرية اللونية عند العبيدي تكمن في أنها لا تختار قطبا واحدا، بل تجعلهما يتحاوران داخل اللوحة الواحدة. اللهب لا يلغي السديم، والسديم لا يطفئ اللهب. ينتج عن هذا الحوار توتر هارموني: حالة من الاشتعال البارد، حيث ينفجر اللون داخليا دون أن يخرج عن إطار التكوين.

في عدد من الأعمال نلاحظ تكوينا يعتمد على التناثر اللوني المنظم، والخطوط المنحنية، والدوائر المضيئة التي تشبه حركة الأجرام السماوية أو تدافع الذرات، الحركة هنا ليست فوضوية أو عفوية مطلقة، بل حركة موجهة، لها مركز ثقل بصري يشد عين المتلقي إلى قلب اللوحة ثم يطلقها مجددا في مدار دائري.

هذه الديناميكا الدائرية تخلق إحساسا بالدوران الكوني، اللوحة لا تنتهي عند إطارها، بل توحي بأنها جزء من حركة أكبر. الدوائر المضيئة تشتغل كشموس صغيرة، أو كعيون كونية تراقب. الخطوط المنحنية لا تقطع الفضاء، بل تعزفه.

وهكذا يتحول التكوين من بناء ثابت إلى موسيقى بصرية: إيقاعات، صعود، هبوط، سكون.

يتكرر في عدد من اللوحات نمط بصري لافت: كتلة مركزية ترتفع منها خطوط حادة ومستدقة نحو الأعلى، تشبه المآذن أو الصوامع أو ناطحات سحاب غامضة، لكنها تقف وسط بيئة هلامية لا متناهية.

هذه الكتلة لا تُقرأ كعمارة حرفية، بل كرمز بنيوي للشموخ والعزلة معا. شموخ لأنها ترتفع وتخترق السديم، وعزلة لأنها وحيدة في محيط سائل لا يحتضنها، هي العمود الفقري للوحة، العمود الفقري للذات ربما. وسط سيولة العالم، يبقى شيء صلب، شاخص، يرفض الذوبان.

هذا النمط يمنح أعمال العبيدي توقيعا بصريا مميزا: توازن دقيق بين التجريد الكلي والرمز المختزل. لا تعود إلى التشخيص، لكنها لا تتخلى عن الإشارة.

التجريد التعبيري والغنائي

تنتمي فاطمة العبيدي بشكل مطلق إلى المدرسة التجريدية، وتحديدا إلى تيارين متجاورين:

التجريدية التعبيرية: حيث الضربة القوية بالفرشاة أو السكين هي الأداة المباشرة للتعبير عن الحالة النفسية والداخلية. اللون هنا ليس وصفا، بل فعل. المسحة السميكة، الخدش، التراكم، كلها آثار جسدية للفنانة على سطح اللوحة، وبالتالي آثار نفسية للقارئ.

تجريد المناظر الطبيعية أو “التجريد الغنائي”: في بعض اللوحات نلمح أفقا مبطنا يشبه تلاقي السماء بالماء، أو وجود جرم سماوي كالشمس أو القمر. الطبيعة هنا لا تُرسم، بل تُصهر في بوتقة شعورية خالصة؛ الغابة تصبح ضربة خضراء، والبحر يصبح تدرجا أزرق، والشمس تصبح بؤرة ضوء. الطبيعة تتحول إلى لحن، واللحن إلى شعور.

اللوحة ساحة صراع لا تنتهي

التجريد كفلسفة تحرر: ابتعاد العبيدي الواعي عن التشخيص المباشر ليس هروبا من الواقع، بل تحرير للبصر من سطوة ما نعرفه. حين لا تُقدم لك شجرة أو وجه، تُجبر على أن ترى العلاقات لا الأشياء. العلاقة بين اللون واللون، بين الخط والفراغ، بين البروز والغور. هذا التحرير هو جوهر التجريد: أن تنتقل من رؤية العالم إلى رؤية قوانينه البصرية.

التناقض بين الألوان الحارة والباردة، بين البروز الخشن والسديم الناعم، بين الكتلة الشاخصة والمحيط السائل، يشكل دراما داخلية. اللوحة عند العبيدي ساحة صراع لا تنتهي بالهزيمة، بل بالتوازن الدينامي. الصراع لا يُحسم، بل يُدار. وهذا انعكاس لوجود إنساني يعرف أن الحياة ليست سكونا، بل إدارة توترات.

في ما يتعلق بالمركز واللانهاية، فإن الكتلة الشاخصة وسط السديم تطرح سؤال الهوية: كيف تبقى الذات متماسكة وسط سيولة العالم؟ كيف ترتفع دون أن تنفصل؟ العبيدي لا تجيب بالكلمات، بل بالشكل، بالخط المستدق الذي يخترق ولا يقطع، بالكتلة التي تشمخ ولا تتصلب.

وتبرز المادة لدى العبيدي بوصفها فكرا: تقنية السكين عند العبيدي ليست وسيلة فقط، بل فلسفة؛ السكين تضرب، تكشط، تكوم، تفتح. هي أداة عنف لطيف على المادة، هذا العنف ينتج نسيجا بصريا لا يمكن للفرشاة وحدها أن تنتجه. التراكم الطبقي للطلاء يخلق تاريخا بصريا داخل اللوحة، كل طبقة تذكّر بالتي قبلها وتستعد لما بعدها.

هذا “الأثر المادي” يجعل من اللوحة وثيقة زمن، ليست لحظة واحدة، بل تراكم لحظات. المتلقي حين يقترب يرى تاريخ العمل محفورا على سطحه. وهنا تتجاوز العبيدي البصرية إلى الأنطولوجيا، اللوحة ككائن له ماض وحاضر.

لوحة فاطمة العبيدي لا تُشاهد من مسافة آمنة؛ تطلب اقترابا، تطلب أن تتحرك العين على التضاريس اللونية، أن تضيع في السديم ثم تُلتقط بالكتلة الشاخصة، أن تدور مع الحركة الدائرية ثم تستقر عند بؤرة الضوء.

هذا الاستقبال التفاعلي يجعل من العمل حدثاً لا سلعة. المتلقي لا يشتري صورة، بل يشتري تجربة. وكل مرة يقف أمام اللوحة، يكتشف علاقة جديدة، لأن التجريد لا يستهلك، بل يتجدد مع كل نظرة.

تُظهر تجربة فاطمة العبيدي أن التجريد ليس ترفا جماليا، بل لغة نقدية ووجودية. من خلال تمكين الألوان والخطوط من قيادة التعبير، ومن خلال بناء أسطح ملمسية، وفضاءات لونية متضادة، وحركات دائرية جاذبة، ورموز شاخصة وسط سيولة، تؤسس لحضور بصري عراقي خاص.

في النهاية، فاطمة العبيدي تذكرنا بأن التجريد الحق لا يبتعد عن الإنسان، بل يقترب منه أكثر، لأنه حين يتخلى عن الشكل الجاهز، يمنح المتلقي حرية أن يجد نفسه داخل اللوحة. وفي عالم يضيق فيه البشر بالقوالب، تبقى لوحات العبيدي فضاءً مفتوحا؛ سديما للتأمل، ولهبا للحياة، وكتلة شاخصة تقول: أنا هنا، رغم كل شيء.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى