الحمار والكاميرا

عبد الكريم البليخ
كنتُ، وما زلت، من عشّاق اقتناء الكاميرا. لم تكن الكاميرا بالنسبة إليّ مجرّد آلة صغيرة تلتقط الوجوه والأمكنة، ولا صندوقاً معدنياً يُعلَّق في العنق أو يُحمل في اليد، بل كانت منذ طفولتي نافذةً سحرية أطلّ منها على العالم، وأداةً لحفظ ما يهرب من الذاكرة قبل أن تطويه الأيّام. كنت أشعر، وأنا أحدّق في الكاميرات المعروضة خلف زجاج محال التصوير، أنني أمام شيء يفوق قدرتي على الفَهم؛ شيء يوقف الزمن للحظة، ويمنح العابرين فرصة للبقاء في صورة.
كان هذا الشغف مبكراً وعميقاً، لا يوازيه في قلبي إلّا حبّي للمدرسة، والحنين إلى مقاعدها، ورفاق الدرب، ودفاتر الدروس، وذلك الانضباط الجميل الذي كنت أراه جزءاً من هَيبة الحياة. فالمدرسة، بالنسبة لطفل في مقتبل العمر، ليست مكاناً لتعلّم القراءة والكتابة فحسب، بل فضاء تتشكّل فيه الملامح الأولى للشخصية، وتولد فيه الأحلام الصغيرة التي تكبر معنا. هناك، بين السبورة والدفتر، وبين صوت المعلم وهمسات التلاميذ، يبدأ الطفل في اكتشاف ذاته، ويشعر أن للعالم أبواباً كثيرة يمكن أن تُفتح بالمعرفة والصبر والمحبّة.
وشاءت الصدفة، في أحد أيّام عام 1977 كما أذكر، وكنت حينها في الثالثة عشرة من عمري، أن أكون في طريقي إلى سوق الغنم القريب من سور الرّقة الأثري. كان ذلك السوق عالماً قائماً بذاته، تختلط فيه أصوات الباعة بثغاء الأغنام، وحركة الناس بغبار الطريق، ورائحة العلف بروائح التعب والكدح. كنت ذاهباً إلى والدي الذي كان يعمل في السوق، يبيع ويشتري، مثل كثيرين من أبناء المدينة الذين كانت الحياة تدفعهم كل صباح إلى طلب الرزق بما تيسّر لهم من جهد وخبرة وصبر.
في ذلك الطريق، وبينما كنت أسير بعين طفل تلتقط التفاصيل الصغيرة أكثر ما تفهم معانيها، رأيت حماراً مقيّد القدمين بحبل، يقف في مكان بعيد نسبياً عن عيون الناس. كان المشهد غريباً ومؤثراً في آن واحد؛ حيوان مسكين عاجز عن الحركة، تحيط به عزلة صامتة، كأنما تُرك هناك لينتظر مصيره. لا أدري لماذا اقتربت منه، أكان بدافع الفضول الطفولي، أم بدافع الشفقة، أم بشيء غامض في داخلي دفعني إلى فكّ قيده؟ لكنني أتذكر أنني شعرت يومها أن تركه على تلك الحال أمر لا يطاق.
لم يكن معي سكين ولا أداة تصلح لقطع الحبل. حاولت بيديّ، وبذلت جهداً كبيراً، لكن الحبل كان محكماً وقاسياً. وبعد بحث في المكان، وجدت قنينة زجاجية مكسورة الحواف ملقاة بالقرب منه، فاستعنت بها بحذر، وبدأت أحكّ الحبل شيئاً فشيئاً حتى تمكنت، بعد مشقة لا تخلو من خوف وارتباك، من قطعه. وما إن تحرّر الحمار حتى شعرت كأنني أنقذت كائناً من قيد ثقيل، وكأنني في الوقت نفسه فتحت باباً صغيراً في طريق لم أكن أعرف نهايته.
سرت به مسافة لا بأس بها، من غير أن تكون لديّ خطة واضحة. كنت أمشي معه كمن يقود مصادفة لا يعرف إلى أين ستحمله. وبعد أن تجاوزت بوابة سور الرّقة من جهته الشرقية، حيث كنت أقيم هناك مع أسرتي، التقيت رجلاً طاعناً في السن. أوقفني الرجل، وتأمّل الحمار قليلاً، ثم أبدى رغبته في شرائه. لم أسأله كثيراً، ولم أتردّد طويلاً، فقد بدا الأمر بالنسبة إليّ فرصة نادرة، وربّما هدية غير متوقعة من القدر. دفع لي الرجل ما يعادل عشر ليرات سورية في ذلك الزمن، وكان ذلك المبلغ في عين طفل مثلي ثروة صغيرة قادرة على تحويل الحلم إلى حقيقة.
ما إن وضعت النقود في يدي حتى عرفت وجهتي فوراً. لم أفكر في طعام، ولا في لعبة، ولا في شيء آخر. توجهت مباشرة إلى حارة العجيلي في وسط المدينة، حيث كان يقع محل علاء للتصوير. ذلك المحل كان بالنسبة إليّ مكاناً يشبه الأحلام. كم مررت من أمامه! وكم وقفت خلف زجاجه أتأمل الكاميرات المرصوفة بعناية، بعضها جديد يلمع ببريقه، وبعضها مستعمل يحمل أثر أيدٍ سابقة وذكريات لا أعرفها. كنت أقف أمامها بدهشة طفل يرى في كل كاميرا عالماً كاملاً، ويتمنى أن تمتد يده يوماً إلى واحدة منها.
دخلت المحل تلك المرة وأنا أشعر بانتشاء عجيب، كأنني لا أدخل متجراً، بل أدخل إلى حلم مؤجل طال انتظاره. اخترت الكاميرا، ودفعت ثمنها، ثم اشتريت فيلماً للتصوير، وخرجت وأنا لا أكاد أصدق أن تلك الآلة الصغيرة أصبحت ملكي. كنت أحملها بفرح غامر، وأخشى في الوقت نفسه أن أغمض عينيّ فأكتشف أن ما حدث لم يكن سوى حلم عابر.
عدت إلى البيت مسرعاً، وعرضت الكاميرا على أمي. وما إن رأتها حتى غلب عليها الخوف والدهشة، وصرخت في وجهي ظناً منها أنني حصلت عليها بطريقة غير مشروعة، أو أنني سرقتها من مكان ما. كان خوف الأم أسبق من فرحتي، وحرصها على سمعتي ونظافة يديّ أكبر من دهشتي بما امتلكت. راحت تسألني بإلحاح: من أين جئت بها؟ ومن أعطاك المال؟ وكيف اشتريتها؟ ولم تهدأ إلا بعدما رويت لها الحكاية كاملة، من الحمار المقيّد، إلى الرجل العجوز، إلى محل التصوير.
في تلك اللحظة شعرت أنني لم أشترِ كاميرا فقط، بل اشتريت بداية طريق. كانت تلك الحادثة الصغيرة بداية الألف ميل لطفل أحب التصوير قبل أن يعرف معنى الفن، وعشق الصورة قبل أن يدرك عمق الذاكرة. لقد تحقّق حُلمي الأول عبر مصادفة لا تخطر على بال: حمار مكبّل القدمين، وقنينة زجاجية مكسورة، ورجل أراد الشراء، وطفل كان ينتظر من الحياة إشارة كي يقترب من حلمه. وهكذا التقت رغبتان في طريق واحد؛ رجل حصل على الحمار الذي أراده، وطفل حصل على الكاميرا التي ظل يراها، يومها، أجمل هدية يمكن أن يمنحها القدر.
كاتب وصحافي سوري
