قصيدة إلى صديقتي الصغيرة
عبد السلام العجيلي
منذ بضعة شهور وصلت إليَّ من بلدة هاله في المانيا الشرقية رسالة مكتوبة بالألمانية، هذه ترجمتها:
عزيزي الدكتور عبد السلام
رسالتك التي بعثت بها إلى الدكتور فلايشهامر كان من حظّي أني رأيتها في علبة البريد فأوصلتها إليه. جذب نظري طابع البريد الجميل جداً، فأعجبني أكتب إليك هذه الكلمات: لقد تمنّيت أن أملك طابعاً كهذا، فأرجوك أن تكتب لي. أنا في الثالثة عشرة من عمري، إذ إني مولودة في 12 أكتوبر 1956. شعري طويل لونه أحمر داكن، وعيناي بنيّتان غامقتان، وفي المدرسة علاماتي جيدة.
سمعت أشياء كثيرة وجميلة عن بلادك. أرجوك أن تكتب إليّ، وأن تعطيني عنوان صبيّة سورية لأكتب إليها. يسعدني إذا لم تتأخّر عليّ بالجواب.
المخلصة/ أندريا
فوجئت بهذه الرسالة الطريفة، وتذكرت ذلك الطابع الذي ألصقته على مظروف كنت أرسلته إلى الدكتور وينفريد فلايشهامر في هاله على نهر ساله، في ألمانيا الديمقراطية: طابع يحمل صورة مسجد خالد بن الوليد في حمص، بلون أحمر على أرضيّة زرقاء فيروزية، من أجمل إصدارات البريد السوري في السنين الأخيرة.
وأنا في الواقع دؤوب على أن أنتقي لمراسلاتي الخارجية أجمل الطوابع فألصقها عليها. يبدو أني كنت في عقلي الباطن مثل أشعب في طمعه: فقد رووا أن أشعب مرّ بسوق النحّاسين على رجل يطرق النحاس ليصنع منه طبقاً فقال له: أعمل معروفاً وزد في سعة هذا الطبق. فقال الرجل: ألَكَ رغبةٌ في شرائه؟ قال أشعب: لا، ولكن علّ أحداً يهدي إليّ فيه شيئاً فيكون محتواه أكثر…

جيل الدربكة/ آراء في العلم والفكر والسياسة
نعم، ربّما كنت مثل أشعب في طمعه، وأنا لا أدري، فإذا كنت كذلك فإن طمعي لم يذهب سدى، فإنها هي رسالة الصغيرة أندريا شومان، تثبت أن قصاصة ورق ملوّنة وجميلة قادرة على أن تخلق حسّ إعجاب في قلب صبية من بلد بعيد نحو بلدي وأهله البعداء الغرباء عن تلك الصبيّة.
أندريا تتراسل اليوم مع كاتيا تقاربها في السن، وهي ابنة زميل لي وصديق أعطيتها أنا عنوانها. تتبادل أندريا وكاتيا الرسائل والبطاقات الملوّنة، والمعلومات عن بلديهما، عن أحوال الطقس وعدد السكان والعادات في الأعياد، إلا أن هذا لم يحرمني من رسائل الصبية الألمانية، ولا من غرائب استفهاماتها أو مطالبها. آخر كتاب وردني منها مثلاً وضعني أمام مشكلة لم تكن تخطر لي ببال. فقد طلبت مني راجية في إلحاح، أن أضمّن رسالتي المقبلة مقطوعة شعرية عربية…
لم يكن هذا الطلب مستغرباً في ذاته. فكّرت في البدء في أنّها علمت من الدكتور فلايشهامر أن قائمة كتبي المطبوعة تحوي ديوان شعر نفدت نسخه في المكتبات، فأرادت أن تحظى باقتناء قصيدة مكتوبة بخطّي. وخطرت لي بعد ذلك فكرة أكثر تواضعاً: إنّ فايمار، مدينة غوته، ليست بعيدة عن هاله، بلدة أندريا… فلعلّ صديقتي الصغيرة اطلعت على “الديوان الشرقي للشاعر الغربي” لغوته، فأحبت أن تعرف شيئاً عن شعر هؤلاء العرب الذي نسج كبير شعراء ألمانيا.
في كل الأزمان ديوان على منوالهم، وعلى كل فقد وجدت محبّباً إليّ أن ألبّي طلب أندريا، فأكتب لها بضعة أبيات من الشعر العربي نصّاً وترجمة.
وهنا وجدت نفسي أمام المشكلة التي قلت قبل أنها لم تخطر لي ببال. والمشكلة هي هذه: ما هي المقطوعة الشعرية العربية التي تليق بأن تُكتب إلى صبيّة في الثالثة عشرة من عمرها، تعيش في أوروبا، في القرن العشرين، وفي بلاد مثل ألمانيا الديمقراطية من أوروبا؟
ليس الجواب على هذا السؤال سهلاً. ذلك أمر جرّبته بنفسي حين استعرضت محفوظاتي من الشعر القديم، وقلّبت صفحات من دواوين الشعراء المحدثين.
الجاهليون هم بلا شك أصدق شعراء العربية وأدناهم إلى الأفهام إذا تجاوزنا عقبة الغرابة اللفظية. ولكن ماذا يهم أندريا من حكاية دارة جلجل عند امرئ القيس، أو من الفارس الذي طعنه عنترة برمحه المثقف الصدق الكعوب، أو من حكميّات زهير بن أبي سلمى، لو بعثت لها بمقطوعة من شعر واحد من هؤلاء؟ أمّا قصائد الهجاء بين جرير والفرزدق ومعاصريهما فأخشى لي أن أُدثّرها بألف دثار فلا يسمع بها أجنبي غريب. وحتى غزل عمر بن أبي ربيعة وجدته مثيراً للضحك عند فتاة ترى القبلة بين حبيبين شيئاً عاديّاً، لكثرة ما تقع عيناها عليها في التلفزيون والسينما وفي الطريق والحدائق العامة، بينما يتمنطق لها عمر بن أبي ربيعة بسيفه أو يركب لها فرسه، أو يقصد من أجلها جبّانة في الصحراء حتى ينالها من حبيبته…
أذكر هنا أني كنت مرة في أوروبا أقرأ على صديقة لي قصيدة عربية أنا معجب بها، فلما وصلت في القصيدة إلى “العذول”، لم أعرف كيف أترجم الكلمة ترجمة صحيحة. قالت الصديقة: ومن هذا الذي ليس لاسمه ترجمة في لغتنا؟ قلت: إنه إنسان يحول بين الحبيب وحبيبته باللوم والتعنيف، وحتى بالوشاية قالت: لماذا، أهو زوج الحبيبة؟ قلت: كلا.
قالت: أهو منافس للحبيب غيور منه؟
قلت: لا، إنّ العذول إنسان غريب عن الحبيبين يُصرّ على تكدر صفو العاطفة بينهما.
قالت: شيء لا يُصدَّق… ما دام ليس زوجاً ولا محبّاً ولا أباً ولا أمّاً، فما دخله بين اثنين يحب أحدهما الآخر؟ ليس عجيباً أن لا يوجد مثل هذا الإنسان اسم في لغتنا لأن وجوده بالذات غير منطقي!
تذكّرت هذا، فتركت أشعار الغزل عند القدماء جانباً في بحثي عن قصيدة أرسلها إلى الصبيّة الصغيرة. لم أخشَ على براءة تلك الصبية من رواية ألفاظ الحب والغرام وتلاوة معانيهما عليها، بل خشيت من سوء التذوّق لاختلاف الأذواق، ومن عسر الفهم لاختلاف المفاهيم.
وكما قدّرت أن أندريا شومان لن تستسيغ غزل عمر بن أبي ربيعة، قدّرت أنها لن تعجب بغزل المتنبي بالبدويّات الرعابيب أو بفخره اللامنطقي بنفسه، أو بملامحه الرائعة في وصف معارك سيف الدولة. لذا تركت المتنبي جانباً، وتركت مثله أبا العلاء لعمق تفكيره، وكل شعراء المحسّنات البديعية في عصور الانحطاط لسطحية تفكيرهم… حتى بلغت شعراء أيامنا هذه.
وشعراء هذه الأيام كثر، والحمد لله، وبينهم من أنا شديد الإعجاب به حقّاً. لقد حسبت أني واجد عندهم مجالاً كبيراً للانتقاء، ولكني اكتشفت أن إعجابي أنا شيء، وإعجاب صبيّة ألمانية في الثالثة عشرة من عمرها شيء آخر. أتراني أنا شديد التدقيق كثير الوساوس، أم ترى الشعر العربي لم ينظم ويكتب إلا للبالغين الراشدين من القرّاء والمستمعين؟ لقد عادت إلى ذهني هنا كلمة قالها فيما يزعمون نابليون: إذا داعبت حصاني خاطبته بالإنكليزية، وإن غازلت حبيبتي فبالفرنسية، وإذا أردت التحدث بالحكمة فبالعربية…
العربية لغة الحكمة على ما يقول نابليون. ولكني أبحث لا عن حكمة، بل عن شعر…
إني لا أزال أبحث عن قصيدة جديدة بأن تُرسل إلى صديقتي الصغيرة أندريا كنموذج لشعر أمّة عريقة في شاعريتها، وقادرة على أن تثير في نفسها الشابة الإعجاب الذي أثاره طابع صغير أحمر اللون على أرضية زرقاء فيروزية… فهل من يهديني إلى هذه القصيدة؟؟
2-3-1970




