باليت المزمار

ما يُلامس القلب

ستار كاووش

ما الذي نريده من الفن؟ أو بالأحرى ما الذي يمنحه لنا الفن؟ هل يُجمّل الفن حياتنا، أو يُعيننا على تحمّلها؟ هل يمنحنا السعادة؟ هل يفتح لنا طريقاً جديداً؟ ونحن من جانبنا، كيف لنا أن نحب الفن؟ كيف يمكننا التعامل معه والاقتراب منه أكثر؟ كيف نفهم العلاقات الجمالية التي تربطه؟ شخصياً لا أعتقد أن هناك جواباً واضحاًً وشاملاً، مثلما ليستْ هناك وصفة جاهزة للفن.

لكني أرى أن الفن بالأساس يجب أن يلامس شيء ما في داخلنا، وهذا باعتقادي أهم ما يعنيه الفن بشكله العام. فمهما كانت التقنية عالية أو بسيطة، الموضوع يكون مهماً أم عابراً، حتى حجم العمل صغيراً كان أم كبيراً جداً، وغيرها من التفاصيل التي يمكن أن تشكل ركيزة معينة للعمل الفني. لكني يمكن أن أُنحي كل هذا جانباً أمام اللمسة التي تحرك شيئاً ما بداخلي، وأقصد هناك شيء ما يهزني من الداخل عند النظر الى بعض الأعمال الفنية. والعملية تشبه رؤيتك شخصاً لا تعرفه، لكنه يلامس روحك بشكل ما، ويحرك مشاعر معينة بداخلك.

الفن الحقيقي هو الذي يحمل هذا التأثير الذي يصعب تفسيره أو الإحاطة به بكلمات محددة.

استعدادنا الشخصي يقول الكثير عن طريقة رؤيتنا للفن، وهو البوصلة التي ترشدنا نحو الجمال الذي يكمن هنا أو هناك. يُضاف الى ذلك نوع الخبرة الجمالية التي نملكها، فهي تمنحنا التناغمات المناسبة لما نشاهده، وتجعل إيجادنا للحلول الجمالية أكثر طواعية وسهولة. الخبرة هي التي تجمع أجزاء الصورة أمام أعيننا وتمنحها هيئتها النهائية.

أزور المتاحف كثيراً، وأرى بعض الناس يمرون أمام اللوحات الفنية بسرعة تثير الحيرة والتساؤلات، لدرجة يبدون فيها كأنهم يسيرون في الشارع أمام فاترينات المحال التجارية المكتظة بالسلع المختلفة. ومع وجود هؤلاء أتساءل دائماً، كي يمكنهم مشاهدة التفاصيل المذهلة لقبعة (ساسكيا) التى رسمها ريمبرانت؟ أو الانتباه لرمزية ألوان الزهور في لوحة أوفيليا للفنان ميليه؟ كيف لهم الإحاطة بالأثر الذي تركته لوحة (الفارس الأزرق) عند إنتقال كاندينسكي من الفن التشخيصي الى الفن التجريدي؟ كيف يمكنهم تحسس دعابات يان ستين التي مزجها مع حركة فرشاته النابضة بالحياة؟ وإذا عرفنا مثلاً أن لوحة بيتر برويغل الخالدة (ألعاب الأطفال) تحتوي على ثمانين لعبة كان الاطفال يمارسونها في الأراضي المنخفضة بالقرن السادس عشر، وتضم بضع مئات من الاطفال، فكيف يمكن أن يمر المرء بجانبها دون أن يمنحها الوقت والاحترام اللائق؟

لا تنتظر من الفن أن يعطيك أكثر ما تمنحه له، إعطه الاهتمام المناسب وانظر الى الهدايا التي يجلبها لك. ثَبِّت بصرك بتروٍ نحو الفن، وسترى كيف يمد لك يده الحانية ويستقرَّ فى ذاكرتك الى الأبد، مثل أغنية تسمعها في الوقت والمكان المناسبين، فتجد لها طريقاً نحو قلبك.

لكن في حياتنا اليومية يختلف الحال عما هو موجود في أروقة المتاحف. فالشارع الذي نتقاسمه مع الآخرين فيه ما يثير اهتمامك لتتقرب منه، كذلك هناك ما يجعلك تحاول الإبتعاد عنه قدر الإمكان. الآن مثلاً، وأنا عائد في القطار من معرض الكتاب في مدينة فرانكفورت، ومنشغلاً بكتابة هذا الموضوع، محاولاً اكماله بطريقة جيدة، انتبهت فجأة الى الفتاة التي تجلس بجانبي، حيث تتدلى من وسط أنفها حلقة معدنية كبيرة تشبه الخاتم، تكاد تقترب من فمها، وفكرتُ بكيفية ابتعاد هذه الفتاة عن معايير الجمال التي أعرفها، أو حتى الشاب الذي انشغل بتلفونه قرب نافذة القطار، والذى وشم على وجهه شفاه ملونة وبعض الكتابات والأشكال الغريبة!

لا يهمني غالباً ما يقوم به الآخرون، وهذه الأمور ربّما لا تعنيني كثيراً، لكنهم يداهمونني مباشرة وعليًّ الاستجابة لهذا التأثير، فنحن لا نعيش وحدنا على هذا الكوكب، بل هناك شركاء معنا، ربما يكونون لطفاء أو غريبي الأطوار، أو معايير (الجمال) عندهم مختلفة، مع ذلك، هناك حدود للتجلد وتجاوز بعض الانكسارات الذوقية.

هكذا أهرب أحياناً من بعض إحباطات الحياة الجمالية وأبحث عن معرض أو متحف لنفض الغبار الذي يتراكم على نفسي بسبب ما أراه.

 أليستْ المتاحف نعمة كبيرة إذن، نعود اليها كلما ضاقت بنا السبل وانحسرت طرق الجمال؟ وهي بدورها تفتح لنا ذراعيها بحنوٍ وترشدنا للجمال الذي لا يصدأ مهما مرّ عليه الزمن.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى