الموسيقى تداوي وجع الإنسان
عبد الكريم البليخ

ـ رأيتُ رجلاً في خريف العمر، انحنت قامته تحت ثقل السنين، وامتلأ وجهه بتجاعيد لا تشبه خطوط الزمن وحده، بل تشبه خرائط طويلة من التعب والصبر والحرمان. كان الرجل قد جاوز التسعين عاماً ونيّف، ويُعدّ من أكبر المعمّرين في مدينتنا. عاش عمره بسيطاً، لا يملك من الدنيا سوى كدّ يديه ورضا قلبه، يعمل أجيراً في حقول القطن والذرة والقمح، يلاحق رغيفه بين المواسم، ويجمع من عرقه قوت يومه هو وزوجته العجوز.
وحين تقدّم به العمر، ولم تعد عظامه تقوى على الانحناء تحت الشمس، اكتفى بتلك الليرات القليلة التي يدفعها له التأمين، كما تُدفع لغيره من العجزة، لا تسمن ولا تغني من جوع، لكنها في زمن الفقر تصبح سنداً ولو كان هشّاً. غير أنني صُعقت ذات يوم، وأنا أراه في أحد الحقول ينظّف الحشائش، يجرّ جسده جراً، كأن كل خطوة يخطوها تحتاج إلى معركة صغيرة مع الوجع.
سألته بحزن: ما الذي أعادك إلى العمل، وقد قبضتَ منذ وقت قصير مبلغ التأمين؟ رفع رأسه بصعوبة، وفي عينيه صفاء عَجيب، وقال بهدوء: نعم قبضتُ تلك الليرات، لكنني ساعدتُ بها أناساً هم أحوج مني. أنت تعرف ما فعلته الحرب في سوريا، وما آل إليه حال الناس من تشرذم وضياع وقلة حيلة. الفقر لم يعد عارضاً عابراً، بل صار مقيماً في البيوت والوجوه والقلوب. تراجعت قيمة الليرة، وارتفع الخوف في صدور الناس، ولم يعد كثيرون يعرفون إلى أين يمضون، ولا كيف يحمون أطفالهم من الجوع.
ثم أضاف: الناس اليوم بحاجة إلى لقمة خبز تسدّ رمق صغارهم، هذا إن وُجدت. وقد حاولت أن أتبرع بجزء كبير ما حصلت عليه من مؤسسة التأمينات الاجتماعية، لا لأني أملك الكثير، بل كي أشعر أنني ما زلت قادراً على أن أكون إنساناً. أيامي في الدنيا صارت بين قوسين أو أدنى، وحريّ بي أن أقدّم ما أستطيع؛ لأسرة منكوبة، أو مريض يحتاج إلى دواء، أو بيت آيل إلى السقوط يحتاج إلى ترميم. هناك أشياء كثيرة لا يجوز أن نعبرها ببرود، بل ينبغي أن نقف عندها بقلب مفتوح وإحساس حقيقي.
وقفت أمامه صامتاً، كأنني أقف أمام حكمة الحياة لا أمام رجل فقير. لم يكن يملك مالاً، لكنه كان يملك ما هو أعظم من المال: ضميراً حيّاً، وروحاً لا تزال قادرة على العطاء. يومها شعرت أن الكرم لا يُقاس بما يفيض عن حاجتنا، بل بما نقتطعه من وجعنا لنخفّف وجع الآخرين. وانهمرت الدموع من عيني، لا شفقة عليه، بل إجلالاً له.
ـ قرأتُ عن ساعة قديمة من نوع “رولكس”، طرحتها دار “كريستيز” في نيويورك للبيع، وكان يضعها أسير بريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، واستُخدمت في تنظيم عملية “الهروب الكبير” من معسكر نازي عام 1944. كانت الساعة من طراز “رولكس 3525 مونوبلوكو”، وقد ارتداها الملازم الأول في سلاح الجو الملكي جيرالد إيمسون، أثناء احتجازه في معسكر “شتالاغ لوفت 3” في سيليزيا البولندية.
شارك في خطة الهروب عبر الأنفاق نحو مئتين وخمسين سجيناً من ضباط بريطانيين وكنديين وأميركيين وبولنديين وأستراليين. نجح بعضهم في الفرار، لكنّ الألمان أعدموا خمسين ممن ألقوا القبض عليهم، فيما أُطلق سراح الآخرين عام 1945. تحوّلت الحكاية لاحقاً إلى رواية كتبها بول بريكهيل، ثم إلى فيلم شهير حمل عنوان “الهروب العظيم” عام 1963.
العجيب في قصة هذه الساعة أنَّ الملازم إيمسون طلبها من شركة “رولكس” وهو في الأسر، وتسلمها عبر الصليب الأحمر، وسُمح له أن يدفع ثمنها بعد انتهاء الحرب. لم تكن الساعة مجرّد أداة لمعرفة الوقت، بل صارت جزءاً من خطة للنجاة، وحارسة صامتة لذاكرة الخوف والأمل. كان على الأسرى أن يحسبوا بدقة الوقت اللازم لعبور الأنفاق بين الحفرة والغابة، فغدت عقارب الساعة مشاركة في حلم الحرية، شاهدة على رغبة الإنسان في كسر القيد ولو كان محاطاً بالموت.
وقد قُدّرت قيمة الساعة بنحو مئتي ألف دولار، غير أن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بالمال. فالأشياء أحياناً تكتسب معناها من الوجع الذي مرّت به، ومن الأرواح التي لامستها، ومن الحكايات التي حملتها. كما أن الشيخ الفقير منح ليراته معنى أوسع من قيمتها، منحت هذه الساعة وقتها معنى أعمق من مرور الدقائق.
ـ سمعتُ أن الموسيقى تُعدّ من أفضل الوسائل في معالجة مرضى الأعصاب، كما يؤكد عدد من الأطباء المختصين في علاج الأمراض العقلية والنفسية. فالموسيقى ليست ترفاً عابراً، ولا زينة للفرح وحده، بل هي لغة داخلية تخاطب ما يعجز الكلام عن ملامسته. إنها تصل إلى المناطق المعتمة في النفس، تفتح نافذة في العزلة، وتهدهد اضطراباً لا يراه الآخرون.
وقد أشار أحد الأطباء إلى أنه لو خُصص في كل مصحّة للأمراض العقلية قسم خاص بالموسيقى، يديره مختصون يعرفون تأثير الأنغام في النفس، لكان في ذلك علاج نافع لكثير من المرضى. وقد أخذ بهذا الرأي أحد مديري المستشفيات في مانهاتن، في الولايات المتحدة، فعزل فئة من مرضاه، وراح يراقب تأثير مقطوعات موسيقية مختارة في عقولهم المضطربة، فكانت النتيجة أن كثيرين منهم تحسنت حالتهم. كما نظّم مدير آخر فرقة أوركسترا تعزف للمرضى في أوقات الطعام، فكان وقع الموسيقى عليهم بالغ الأثر.
ويرى المشتغلون بالعلاج النفسي أن للموسيقى صلة وثيقة بالتركيب العضوي لجسم الإنسان، وأن الأنغام المنظمة تؤثر في مراكز الإحساس والانفعال في المخ. فالنغمة قد توقظ ذاكرة مطمورة، أو تخفّف توتراً حاداً، أو تعيد إلى الروح شيئاً من توازنها المفقود. ومن التجارب اللافتة أن أستاذاً للموسيقى عزف في أحد مستشفيات الأعصاب في شيكاغو أمام امرأة كانت ترفض إرضاع طفلها، فظلت جامدة لا تتأثر، حتى بدأ عزف قطعة معينة، فما لبثت أن انتبهت ومالت إلى وليدها وأرضعته.
وروي أيضاً أن رجلاً أصيب بالعمى إثر حالة هستيريا حادّة بعد وفاة زوجته، فاستُدعي لعلاجه موسيقار معروف، بدأ معه بأنغام هادئة خافتة، ثم عزف له لحناً مفرحاً طلبه المريض بنفسه، فلم تمض أيام حتى هدأت أعصابه. وهكذا يتبدّى أن للنغم أثراً مختلفاً في النفوس، وأن الموسيقى قد تكون أحياناً دواءً لا يُسكب في كأس، بل يُسكب في القلب.
بين الشيخ الذي تصدّق بما يحتاجه، والساعة التي حفظت توقيت الهروب من الموت، والموسيقى التي توقظ في الإنسان رغبته في الحياة، خيط واحد لا ينقطع: الإنسان حين يواجه القسوة يبحث دائماً عن معنى. قد يجده في رغيف يقدّمه لغيره، أو في ساعة تذكّره بالحرية، أو في لحن يعيد إليه سلامه الداخلي. وما أحوجنا اليوم، وسط هذا الخراب، إلى شيء من الرحمة، وشيء من الذاكرة، وشيء من الموسيقى.
كاتب وصحافي سوري



