أدب

“مُجرّد ظلال منسية”: ترسم واقعاً فانتازياً جديداً

راسم المدهون

حملت قصص الكاتب السعودي يوسف المحيميد الجديدة “مجرّد ظلال منسية” الصادرة حديثاً (منشورات المتوسط – ميلانو – 2026) أجواء مختلفة ومذاقاً خاصاً يذهب بقارئها إلى مساحة سرد تنتمي لحكايات شديدة التكثيف، وتأخذ بلاغتها من مزجها أساليب الواقعية اليومية العادية المألوفة، والتي تتكرر أمامنا بأساليب تتنوع في انتقالاتها بين الفانتازيا مرة و”الحلمية” الحادة مرة أخرى، ما يذهب بالقصة كجنس أدبي أو كفن سردي إلى ولع يلعب الشكل الفني دوراً مهماً في تكوينه وجمالياته.

نتحدث بالذات عن الشكل الفني الذي جاء في قصص “مجرّد ظلال منسية” بالغ التكثيف، سمته الأبرز الاقتراب من فن “القصة القصيرة جداً”، ولكن من دون أن يتبناها أو يطابق أشكالها. يوسف المحيميد يكتب قصة لا تزيد عن صفحة أو صفحتين، لكنها رغم ذلك تظل ملتزمة بانتمائها وتكوينها السردي لفن القصة القصيرة التي تمتلك بنائية بالغة التكثيف، مقشّرة من الزوائد والإطالات، ولكنها في الوقت نفسه تلتزم عناصر القصة في حدثها السردي كما في تكوينها الحكائي العام. هي قصص من عالم الحياة الراهنة السريعة، والتي تقارب لهاثاً ينطلق من لحظة تشبه الوقائع التي نمر بها في طرقات العالم وعواصمه، التي باتت مع زخم التكنولوجيا والحياة السريعة تلقي بثقلها على البشر وتدفعهم للاصطدام بعالم اليوم وما فيه من لهاث وراء كل شيء، بكل ما يحمله هذا الاصطدام من تغريب روحي شامل وبالغ القسوة والتأثير.

في اختيار هذه السردية التي تنتسب لفكرة مقاربة الحدث الواقعي اليومي من حدقة الفانتازيا وجموح المخيلة، يبني المحيميد مساحاته القصصية ويرفدها بشخصيات تنتمي لحالات قلق تتناوب في رسم تفاصيله عوالم غريبة، تطبع قلق الشخصيات القصصية بالتوتر، إذ نراها شخصيات تعيش أيامها ووقائع حياتها برؤى غريبة، لكن غرابتها لا تبدد واقعيتها، أو لنقل بدقة أكثر: حقيقتها، والتي تنجح بسبب قدرة الكاتب على رسمها بدقة فيها التماسك وقوة الإقناع، والأهم منهما جمالية السياقات الدرامية السردية، والتي رغم كل تلك العناصر فوق الواقعية تظل تحتفظ بأهم عناصر السرد في رأيي، وهو التشويق؛ أعني بتوصيف آخر جاذبية المشهد السردي واشتعاله بعناصر درامية تأتي في سياقاتها المتوقدة بدلالاتها وقوة تأثيرها. في القصص ثمّة مقاربات فردية لشخصيات تعيش “لحظات كابوسية” كافكاوية، لكنها لحظات تتصل بالرؤية الحلمية التي ترسم توصيفها للواقع في حالة لا معقولة تضع الشخصية القصصية في مواجهة سرد يبدو في غرائبيته أقرب إلى محاولة رسم الكابوس بهدوء، ليقارب اعتيادنا له باعتباره “مألوفاً” وينتمي للحياة اليومية التي باتت طبيعية وصادقة.

وفي قصص مجموعة “مجرّد ظلال منسية” تمتحن القصص عبثية النظر وعبثية الرؤية؛ فالكتابة السردية هنا تؤلف سياقاتها و”منطقها” من جموح الوقائع التي تعبر عن فداحة الحياة الجديدة لبشر يعيشون مأزق مقارباتهم الفردية اللامعقولة واللامنطقية لما يدور حولهم، وهي مقاربات تعيدنا لسؤال الواقع وكيف نراه، لا كما هو حرفياً بل كما هو في دلالاته المتخيلة الأقوى والأشد تأثيرًا. في قصة بعنوان “هكذا كانوا جميعًا” يقدم يوسف المحيميد في عرض سريع عدداً من الشخصيات في حالات يعيشون فيها ممارسات بسيطة وهم يسافرون في طائرة، وتبدو انشغالاتهم جميعًا بلا معنى، ليضعهم في الفقرة الأخيرة من القصة أمام الحقيقة التي يراها الكاتب ولا يرونها في انشغالاتهم. “لا أحد يفكر في وجهة هذه الطائرة التي بلا مضيفين ومضيفات، تلك التي تحلق لساعات طويلة، وأيام، وكأنها فقدت مسارها الصحيح، بل وخرجت من الكوكب، وباتت تطير في العدم. لم يتوقف أحدهم حتى للسؤال: ماذا لو نفد الوقود؟”.

هي قصص الرؤية التي تمنح القاص ذاته أحقية امتلاك صورة الواقع وأحداثه وتفاصيله على النحو الذي يضعه في خطوطه الأقرب لمخيلة الكاتب – المؤلف، أي تجعله في حالة أقرب للإقناع وأكثر صدقية ومدعاة للتأمل؛ فالكتابة هنا هي ولع التأمل وولع اكتشاف الحالات الإنسانية التي يناقضها الواقع، بل هو يتحداها ويضعها في صورة مستمرة في حالة اشتباك لا يتوقف مع البشر والأشخاص باعتبار حياتهم لحظة مأزومة، كافكاوية بصورة أو بأخرى.

يأخذنا هذا للمسألة الأهم: قصص يوسف المحيميد الجديدة تذهب بعيداً في مغامرتها الفنية، فهي تستفيد من تجريبية زكريا تامر، خصوصاً في مجموعته القصصية الأشهر والأهم “النمور في اليوم العاشر”، لكنها تفارق رمزيات نمور تامر إلى انشغالات المحيميد برسم هذيانات شخصيات قصصية تتوغل في تخوم مجهولة من الرؤى والتخيلات والتصرفات التي تستبدل الواقعي بالمتخيل، والجدي بالعبثي، وتتركنا كقراء ننتقي ونقرر أيهما أكثر صدقاً وأيهما ينتمي لواقع حياتنا ويعبر عنه.

يوسف المحيميد في قصص هذه المجموعة الجديدة يقدم سرديات تعلو فنيًا وتصل تخومًا بعيدة من مقاربات فيها سعي جدي طموح لكتابة قصصية تستعيد صورة الحالات الإنسانية كما تراها حدقة الكاتب في لحظات كبرى، محتدمة وفادحة الإيقاع، وتمتلك سطوتها الهائلة على أرواح البشر وتصرفاتهم اليومية وردود أفعالهم غير المتوقعة، بل الغريبة وغير المعتادة. هي قصص أهم ما فيها ما تمتلكه من وهج السرد ومن جماليات المشاهد القصصية التي تقارب لوحات فنية تشتعل في سطورها نار الفكرة وصورها، وتنهض تفاصيلها على نحو متفاعل وبهيّ الحضور وله جاذبيته العالية، والتي تجعل القصة القصيرة التي تقرأها في حالة حضور دائم نعيشه ونستعيده بمتعة اكتشاف جمالياتها وأبعادها وحتى منطق مقارباتها لهمومنا وعبث حياتنا. قصص تتأمل، وترى، وتعيد تأثيث الرؤى بالأفكار والعناوين وباستقراء الدلالات والمعاني.

ناقد فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى