يوسف الخال .. شاعر الحداثة وصانع منبرها
عبد الكريم البليخ

حين يُذكر تاريخ الحداثة الشعرية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، لا يمكن تجاوز اسم الشاعر والصحافي والمترجم يوسف الخال، لا بوصفه شاعراً كتب قصيدة مختلفة فحسب، بل باعتباره واحداً من أبرز الذين أسهموا في تغيير نظرة العرب إلى الشعر ووظيفته ولغته ومصادره.
لقد كان شاعراً ابن بلدين، وُلد في سورية، ونضجت تجربته الثقافية والصحافية في لبنان، فحمل في تكوينه شيئاً من الجغرافيا السورية، وشيئاً من حيوية بيروت وانفتاحها. وبين المكانين صنع هويته الأدبية التي لم تنغلق على حدود، بل اتجهت نحو الثقافة الإنسانية الرحبة، باحثة عن قصيدة تستطيع أن تعبّر عن الإنسان العربي الحديث، بما يحمله من قلق وأسئلة وتناقضات.
شاعر القلق الوجودي
وُلد يوسف عبد الله الخال سنة 1916 في بلدة عمار الحصن، إحدى قرى وادي النصارى في سورية، في بيئة غنية بالطبيعة والروحانيات والتنوّع الثقافي. ثم انتقل إلى لبنان، حيث تابع تعليمه ودرس الفلسفة، وكان المفكر والفيلسوف شارل مالك من أبرز الذين تركوا أثراً في تكوينه الفكري. ومنذ بداياته، لم يتعامل الخال مع الشعر بوصفه زخرفة لغوية أو صناعة قائمة على الوزن والقافية، بل رآه شكلاً من أشكال المعرفة، وطريقاً لطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالوجود والموت والحب والإيمان والحرية ومصير الإنسان. ولذلك ظلت الفلسفة حاضرة في شعره، لا كأفكار جافة، وإنما كقلق داخلي يتخفّى في الصورة والإيقاع والرمز.

الشاعر والأديب والصحافي يوسف الخال
بدأ يوسف الخال حياته العملية في الصحافة والنشر، وأنشأ في بيروت «دار الكتاب»، التي بدأت نشاطها بإصدار مجلة «صوت امرأة»، فتولى تحريرها وإدارة الدار حتى سنة 1948. وقد كشفت هذه التجربة المبكرة عن شخصيته العملية والتنظيمية، فهو لم يكن شاعراً ينتظر أن تنشر الصحف قصائده، بل كان صاحب مشروع ثقافي يبحث عن المنبر القادر على احتضان الأصوات الجديدة. وكانت الصحافة بالنسبة إليه امتداداً للثقافة، وفضاءً للحوار، ووسيلة لتحريك المياه الراكدة في الحياة الأدبية العربية.
في عام 1948 سافر إلى الولايات المتحدة للعمل في الأمانة العامة للأمم المتحدة، ضمن دائرة الصحافة والنشر. وقد أتاحت له هذه المرحلة أن يطّلع عن قرب على الأدب الغربي الحديث، وأن يقرأ تجارب شعرية وفكرية لم تكن متاحة بسهولة للقارئ العربي في ذلك الوقت. ولم تكن إقامته في الغرب مجرد انتقال وظيفي، بل تحولت إلى مختبر ثقافي أعاد من خلاله النظر في القصيدة العربية ومشكلاتها. وهناك ازداد اقتناعه بأن الشعر لا يستطيع أن يعيش خارج تحولات الحياة، وأن القصيدة التي تكتفي بتكرار الأشكال القديمة، مهما امتلكت من فصاحة، مهددة بالابتعاد عن أسئلة الإنسان المعاصر.
تزوج الخال في مرحلة من حياته الرسامة والناقدة الفنية هلن الخال، ثم تزوج لاحقاً من الشاعرة والفنانة مها بيرقدار، وأنجب منها ولدين هما يوسف وورد. وقد أحاطته في حياته الخاصة أجواء فنية وثقافية انعكست على تجربته ووسعت حساسيته تجاه الصورة واللون والمشهد. وعندما عاد إلى لبنان منتصف الخمسينيات، كان يحمل رؤية ثقافية واضحة، وخبرة في الصحافة والنشر والترجمة، ومعرفة واسعة بالشعر الغربي. ومن هذه العناصر جميعها وُلد مشروعه الأهم: مجلة «شعر».
صالون يصنع الحداثة
صدر العدد الأول من مجلة «شعر» في بيروت سنة 1957، فكانت أكثر من مطبوعة فصلية؛ كانت إعلاناً عن ولادة مناخ شعري جديد. التفّ حولها عدد من أبرز شعراء الحداثة والنقاد، من بينهم أدونيس، وأنسي الحاج، وخليل حاوي، ونذير العظمة، وشوقي أبي شقرا، وفؤاد رفقة، ومحمد الماغوط، وعصام محفوظ، وأسعد رزوق، وخالدة سعيد التي كتبت باسم «خزامى صبري». واختلفت تجارب هؤلاء وأساليبهم، لكنهم اجتمعوا حول ضرورة تحرير القصيدة من الجمود، والانفتاح على الشعر العالمي، وإعادة النظر في اللغة والإيقاع والصورة ووحدة التجربة الشعرية.
واجهت المجلة اعتراضات حادة، واتُّهم أصحابها بالانقطاع عن التراث وتقليد الغرب والخروج على الأوزان العربية. غير أن قيمة المشروع لم تكن في إلغاء التراث، بل في رفض التعامل معه باعتباره نموذجاً مغلقاً لا يجوز الاقتراب منه. كان الخال يريد أن يصبح التراث طاقة حية للحوار، لا سلطة تمنع التجريب. وقد آمن بأن الحداثة لا تتحقق بتغيير شكل القصيدة وحده، بل بتغيير الرؤية إلى العالم، لأن الوزن الجديد لا يصنع قصيدة حديثة إذا بقيت الأفكار والصور والعلاقات باللغة أسيرة الماضي.
وإلى جانب المجلة، أسس الخال ما عُرف بـ«صالون الخميس»، وهو لقاء أدبي جمع شعراء وكتّاباً ونقاداً لمناقشة النصوص والقضايا الفكرية. كان الشعراء يقرأون قصائدهم، ثم تبدأ الأسئلة والحوارات، وأحياناً الخلافات الحادة. وقد أدى الصالون دوراً مهماً في تحويل الحداثة من اجتهادات فردية متفرقة إلى حركة ثقافية تمتلك منبراً وحواراً ومفاهيم مشتركة.
كان يوسف الخال في قلب هذه الحركة، يدير النقاش ويستقطب المواهب ويفتح صفحات المجلة أمام التجارب الجديدة. وهنا تكمن أهميته بوصفه صانعاً للمشهد، لا مجرد اسم داخله.
توقفت مجلة «شعر» في مرحلتها الأولى سنة 1964، ثم استأنفت صدورها سنة 1967 قبل أن تتوقف نهائياً لاحقاً. غير أن أثرها بقي حاضراً في الشعر العربي، وأعيد طبع أعدادها في مجلدات أصبحت مرجعاً للباحثين في تحولات القصيدة الحديثة. وفي عام 1967، مع إنشاء «دار النهار للنشر»، انضم يوسف الخال إليها مديراً للتحرير، فواصل عمله الثقافي والصحافي، وأسهم في تقديم الكتب والنصوص والأصوات الجديدة. وقد جمع في مسيرته بين حساسية الشاعر ودقّة المحرر ووعي المترجم وقدرة صاحب المشروع على التنظيم والمتابعة.
أما في تجربته الشعرية، فقد كتب الخال القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة والنصوص المتحرّرة من البنية التقليدية، كأنما أراد أن يترك للمعنى حرية اختيار شكله. لم يكن الشكل لديه غاية مستقلة، بل وعاءً يتبدل بحسب التجربة. فإذا كتب في التأمّل الروحي اتخذت لغته نبرة هادئة مشبعة بالإيحاء، وإذا اقترب من الحب حضرت الحسية والصورة، وإذا واجه الموت اتسعت قصيدته للأسئلة الوجودية. ولهذا تبدو أشعاره واقفة عند المنطقة التي يلتقي فيها الفكر بالوجدان، والروح بالجسد، والواقع بالرمز.
مشروع يتجاوز المجلة
تكثر في قصائده مفردات العبور والنهر والحجر والليل والموت والقيامة والانتظار. وهي ليست مفردات منفصلة، بل عناصر في رؤية متكاملة إلى العالم. ففي قصيدة «العبور» نلتقي بإنسان وحيد يراقب الليل وينتظر لحظة العبور، وكأن النهر حدٌّ بين حالتين أو عالمين. وفي «غد يحتضر» يتحول المستقبل من وعد بالخلاص إلى مساحة للوهم والخيبة. أما في قصائد أخرى، فتنبثق الصوفية الحسية التي تمزج الجسد بالروح، وتجعل الحب طريقاً إلى اكتشاف الذات والوجود.
وقد امتلك شعره قدراً كبيراً من الرمزية، لكنه لم يستخدم الرمز لإغلاق المعنى أو استعراض الغموض، بل لفتح القصيدة على احتمالات متعددة. كانت أسئلته تتحول أحياناً إلى أجوبة، ثم تعود الأجوبة فتلد أسئلة جديدة. ومن هنا يشعر قارئه بأنه لا يقف أمام خطاب يقدم حقائق جاهزة، بل أمام تجربة تدعوه إلى التأمل والمشاركة. فالقصيدة عنده لا تقول كل شيء بصورة مباشرة، وإنما تترك فراغات يتحرك فيها الخيال، وتمنح المتلقي فرصة الدخول إلى طبقاتها الفكرية والنفسية والروحية.

ومع ذلك، فإن مكانة يوسف الخال التاريخية تبدو أكبر من حضوره الشعري المتداول اليوم. فقد تجاوز بعض رفاقه اسمه من حيث الشهرة والانتشار، لكن ذلك لا ينتقص من دوره الريادي.
لقد كان وراء المنبر الذي قدّم عدداً من أهم شعراء الحداثة، واحتضن قصيدة النثر ومنحها شرعية الحضور والنقاش، وفتح نافذة واسعة على الترجمات والآداب الأجنبية. وقد لا يكون أكثر شعراء جيله توهجاً في كل نصوصه، لكنه كان من أكثرهم وعياً بالحاجة إلى مشروع جماعي ينقل الشعر العربي إلى أفق آخر.
ولعلّ هذه المفارقة هي ما يجعل تجربته جديرة بإعادة القراءة: فقد منح الآخرين مساحة كبيرة كي يكتبوا ويختلفوا ويجربوا، وربما غطى صخب الحركة التي أسسها جانباً من صوته الشخصي. غير أن العودة إلى أعماله تكشف شاعراً رؤيوياً، مهموماً بالإنسان ومصيره، ومثقفاً يرى أن التجديد مسؤولية، وأن الشاعر لا يكتفي بتدوين مشاعره، بل يشارك في بناء حساسية عصره. لذلك لا ينبغي اختصار يوسف الخال في كونه مؤسس مجلة «شعر»، على أهمية هذا الإنجاز، فهو شاعر ومترجم وصحافي وناشر وصاحب رؤية ثقافية متكاملة.
شاعر ومنبر وثورة
رحل يوسف الخال سنة 1987 بعد معاناة مع مرض السرطان، لكن مشروعه لم يرحل معه. فقد بقيت مجلة «شعر» واحدة من أهم المحطات في تاريخ الأدب العربي الحديث، وبقيت الأسئلة التي أثارها حول اللغة والإيقاع والتراث والحرية والتفاعل مع الآداب العالمية حاضرة حتى اليوم. وتكمن قيمة الخال في أنه لم ينتظر التحول، بل أسهم في صنعه، ولم يكتفِ بكتابة القصيدة، بل هيأ لها المنبر والرفاق والنقاش والمساحة التي تستطيع أن تتنفس فيها.
كان يوسف الخال شاعراً بين بلدين، لكنه كان أيضاً شاعراً يتطلع إلى ما وراء الحدود كلها. حمل من سورية ذاكرة البدايات، ومن لبنان فضاء الحرية الثقافية، ومن الغرب خبرة الاطلاع والمقارنة، ثم صهر ذلك في تجربة تركت أثراً عميقاً في الأدب العربي. وحين نقرأه اليوم، فإننا لا نقرأ سيرة شاعر راحل فحسب، بل نقرأ فصلاً كاملاً من تاريخ الحداثة العربية؛ تاريخ رجل آمن بأن الشعر لا يعيش بالتكرار، وأن الكلمة لا تظل حيّة إلّا حين تملك شجاعة السؤال والمغامرة والتغيير.
كاتب وصحافي سوري



