سير

إبراهيم الأخرس .. حارس ربابة الفرات

فنّان حمل ذاكرة الرّقة من عالم النهر إلى عالم أوسع

عبد الكريم البليخ

لم يكن إبراهيم الأخرس مجرد مغنٍّ شعبي مرّ في ذاكرة الرّقة ثم غاب، ولا صوتاً ارتبط بالأعراس والسهرات والمناسبات فحسب، بل كان واحداً من أولئك الرجال الذين حملوا المكان في أصواتهم، وحوّلوا الفن إلى ذاكرة جمعية تحفظ ما قد تعجز الكتب عن حفظه. كان صوته امتداداً لبيئة كاملة؛ لنهر الفرات وهو يشقّ الأرض في هدوء، وللقرى المتناثرة على ضفافه، ولحقول القمح، ولسهرات الريف الطويلة، ولحكايات الناس التي كانت تنتقل من جيل إلى جيل، قبل أن تزاحمها حياة حديثة تبدّلت فيها الأذواق والأمكنة وطرائق العيش.

وحين رحل إبراهيم الأخرس في الثامن عشر من تموز عام 2026، عن عمر ناهز الثانية والسبعين، إثر وعكة صحية ألمّت به، لم يكن الحزن الذي خيّم على الرّقة وأوساطها الفنية والثقافية حزناً على فنان فحسب، بل بدا كما لو أن وتراً قديماً انقطع فجأة في ذاكرة المدينة، وأن صوتاً كان يصل حاضرها بماضيها قد خفت إلى الأبد. فبعض الرجال، حين يرحلون، لا يتركون وراءهم فراغ شخص واحد، بل يأخذون معهم شيئاً من زمن كامل، من صورته ونبرته ودفئه وملامحه التي يصعب استعادتها.

صوت يحرس التراث

ينحدر إبراهيم الأخرس من قرية كديران في ريف الرّقة الغربي، وهناك بدأت حكايته مع الفن والحياة. في تلك البيئة الريفية لم تكن الأغنية ترفاً ولا فناً منفصلاً عن تفاصيل الناس، بل كانت جزءاً من يومهم؛ ترافق الأعراس، ومواسم الحصاد، والرحيل والعودة، والسهرات الليلية، ومجالس الرجال، وأفراح النساء، والعمل في الحقول. وكان البيت الريفي، ببساطته وفضائه المفتوح ورائحة التراب والخبز، مدرسة أولى يتعلم فيها الطفل معنى الانتماء قبل أن يعرف له اسماً.

نشأ الأخرس وسط عالم غني بالحكايات والأهازيج والأمثال والعادات، في زمن كان الصوت البشري فيه خزينة للذاكرة. لم تكن الأغنيات محفوظة في دفاتر أو أرشيفات، بل في صدور الناس، تنتقل من سهرة إلى أخرى، ومن أب إلى ابن، ومن جيل إلى جيل. ومن هذه التربة تشكّلت أذنه الموسيقية ووجدانه، فصار لاحقاً واحداً من حراس ذلك التراث الذين أبقوه حيّاً في مواجهة النسيان.

الربابة العلامة الأبرز في تجربته

وكان الفرات بالنسبة إليه أكثر من نهر أو جغرافيا؛ كان عالماً نفسياً وثقافياً يسكن الإنسان قبل أن يسكنه الإنسان. هناك ارتبطت الأرض بالكرامة، والزراعة بالصبر، والغربة بالحنين، والحب بالخوف من الفقد. لذلك لم يكن غريباً أن تصبح تلك المعاني جوهر صوته وغنائه.

رحل إبراهيم الأخرس، لكن ما تركه يتجاوز حدود الأغنية. بقي صوته شاهداً على زمن كانت فيه الربابة تحفظ سيرة الناس، وكانت الأغنية بيتاً للذاكرة. وبرحيله، بدا وكأن الرّقة فقدت واحداً من آخر حراس ذلك الزمن الجميل، لكن الوتر الذي حمل صوته طويلاً سيظل، كلما اهتزّ في ذاكرة أحد، يعيد شيئاً من الفرات الذي كان.

الربابة.. رفيقة العمر

شكّلت آلة الربابة العلامة الأبرز في تجربة إبراهيم الأخرس، حتى كاد اسمه يقترن بها.

والربابة، على بساطة تكوينها، ليست آلة بسيطة في معناها. فهي مصنوعة من الخشب والجلد والوتر والقوس، لكنها تحمل وراء صوتها تاريخاً طويلاً من البداوة والترحال والسمر والحكاية. إنها آلة لا تحتاج إلى بهرجة الأوركسترا بقدر ما تحتاج إلى إحساس العازف وقدرته على أن يجعل الوتر الواحد يقول أكثر مما تقوله عشرات الآلات.

تعلّم كثير من عازفي الربابة فنهم بالسليقة، في المجالس و«التعاليل» والسهرات الشعبية، بعيداً عن المعاهد والنوتة الموسيقية الصارمة. وفي هذا العالم وجد الأخرس لغته الخاصة.

لم تكن الربابة بين يديه مجرد آلة مرافقة للصوت، بل شريكة في الحكاية. كان صوته يفتح باب الذاكرة، ويأتي وتر الربابة ليكمل ما تعجز الكلمات عن قوله. ولهذا ظل حضوره مرتبطاً بهذه الآلة في حفلاته وجلساته الغنائية والأعراس والفعاليات التراثية.

امتلك إبراهيم الأخرس خامة صوتية قوية ومرنة، استطاعت أن تتنقل بين الحزن العميق للمواويل والعتابا وبين الإيقاعات الحماسية التي ترافق الدبكات الشعبية. وكان قادراً على مجاراة حدة «الزمارة» وعنفوانها، وعلى أداء الألوان السريعة التي تتطلب صوتاً متيناً وحضوراً قوياً.

تنقّل في الغناء الرقاوي والفراتي بين الموليا والعتابا والنايل، وهي أشكال غنائية تختزن جانباً كبيراً من وجدان المنطقة، كما أدى ألواناً إيقاعية شعبية مرتبطة بالدبكات والاحتفالات، ومنها «الهيكالة»، و«الزعلان» وغيرها من الأشكال المعروفة محلياً، إلى جانب أنماط الدبكة مثل «القوصار» و«الأسمر»، و«الولدة».

وفي كل ذلك لم يكن يؤدي الأغنية من خارجها، بل من داخل عالمها؛ لأنه كان ابن البيئة التي ولدت فيها.

من القرية إلى مسارح العالم

غير أن تجربة إبراهيم الأخرس لم تبقَ أسيرة القرية أو المجالس المحلية. فقد شكّل انضمامه إلى فرقة الرّقة للفنون الشعبية محطة أساسية في حياته الفنية، إذ انتقل من خلالها التراث الذي عاشه في بيئته الأولى إلى فضاءات أوسع، وأصبحت الربابة التي ارتبطت بالسهرات الريفية قادرة على الوقوف فوق خشبات المسارح الكبرى.

كانت الفرقة مشروعاً يتجاوز الترفيه. فقد سعت إلى تحويل تفاصيل الحياة الشعبية في الرّقة والفرات إلى لوحات فنية تحمل هوية المكان أمام الجمهور السوري والعربي والعالمي. وكان إبراهيم الأخرس أحد أعمدتها البارزين.

ومع الفنانة خولة الحسن شكّل ثنائياً فنياً ترك حضوراً واضحاً في عروض الفرقة، وأسهم في نقل ألوان الغناء الفراتي إلى مهرجانات ومحافل عدّة، من قرطاج وعمّان ودبي وجرش وبعلبك وبصرى الشام ودار أوبرا دمشق، وصولاً إلى مشاركات خارج العالم العربي في دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، فضلاً عن الصين، ليصبح ذلك الصوت القادم من ريف الرّقة قادراً على مخاطبة جمهور لا يعرف بالضرورة مفردات اللهجة الفراتية، لكنه يستطيع أن يشعر بصدقها.

هنا تكمن إحدى أهم دلالات تجربة الأخرس؛ فقد أثبت أن الفن الشعبي الحقيقي ليس فناً محلياً ضيقاً. كلما كان الفنان أكثر وفاءً لجذوره، صار أكثر قدرة على الوصول إلى الآخرين. لقد حمل الأخرس الرّقة معه أينما ذهب.

حملها في نبرة صوته، وفي لهجته، وفي الربابة التي بين يديه، وفي هيئة الفلاح والبدوي وأبناء القرى الذين استمد منهم الفن الشعبي مادته الأساسية. وهكذا تحولت أغنيته من تعبير محلي إلى شكل من أشكال التعريف بهوية منطقة كاملة. لذلك استحق أن يوصف بأنه سفير الأغنية الشعبية الرقية.

الفن بوصفه توثيقاً للحياة

كانت أهمية إبراهيم الأخرس تتجاوز حدود الأداء الغنائي. فمع فرقة الرّقة للفنون الشعبية شارك في أعمال وبرامج تلفزيونية وإذاعية حاولت توثيق أنماط من الحياة الشعبية التي بدأت تتغير مع الزمن. وكانت الأغنية والحركة الراقصة فيهما وسيلة لاستعادة تفاصيل العمل اليومي التي عاشها الريف الفراتي زمناً طويلاً.

غنّى للحصاد، ولدق الحنطة، وفتل الشعيرية، وصناعة الخبز، وللمواسم الزراعية، وتحولت حركات الفلاحين اليومية إلى عناصر جمالية في لوحات الفرقة: حركة المنجل في الحقل، وحركة اليد أثناء القطاف، وخطوات النساء وهن يصنعن الخبز أو يعملن في البيوت. وهكذا أصبح الفن نوعاً من الأرشيف الحي.

فالوثيقة ليست دائماً ورقة رسمية أو صورة فوتوغرافية. أحياناً تكون أغنية. وأحياناً تكون رقصة أو حركة جسد أو مفردة شعبية بقيت في لحن بينما اختفت من الكلام اليومي.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة إبراهيم الأخرس بوصفها عملاً ثقافياً وتوثيقياً بقدر ما هي تجربة غنائية.

صوت من أعماق سوريا

لقد أسهم بصوته في حفظ جانب من التراث الشفهي للمنطقة، ذلك التراث الذي ظل قروناً ينتقل عبر الذاكرة البشرية، والذي أصبح اليوم أكثر عرضة للضياع بسبب تغير أنماط الحياة والهجرة والحروب والتحولات الاجتماعية الكبرى.

لم يكن الأخرس أسير مفهوم جامد للتراث. فمع تمسكه بالربابة والزمارة والدف والأشكال الغنائية القديمة، أدرك أن الفن الشعبي يحتاج إلى القدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة. لذلك كان من أوائل من أسهموا في تقديم التراث الشعبي الرقاوي إلى جانب آلات موسيقية حديثة مثل الأورغ، من دون أن يتخلى عن جوهر الأغنية الأصلية أو لهجتها وقوالبها. كانت تلك محاولة لتحقيق توازن صعب بين المحافظة والتجديد.

فالتراث الذي يُغلق عليه باب المتحف قد يتحول إلى أثر صامت، أما التراث الحي فهو القادر على التكيّف مع الزمن من دون أن يفقد روحه. وقد فهم الأخرس، بفطرته الفنية وتجربته الطويلة، أن الأصالة ليست رفض الجديد، بل القدرة على استقبال الجديد من دون التفريط بالهوية. لهذا بقيت أغنياته قريبة من الناس.

كانت تتحدث بلغتهم ولهجتهم ومشاعرهم. غنّى للأرض التي تمنح الإنسان هويته، وللغربة التي تبعده عنها، وللحب الذي يمنحه سبباً للبقاء، وللفقد الذي يذكّره بهشاشته، وللحنين الذي يربط الإنسان بما تركه وراءه.

فرقة انفرط عقدها

لم يكن احترام الناس لإبراهيم الأخرس قائماً على موهبته وحدها. فالشهادات التي رافقت رحيله تحدثت أيضاً عن حسن خلقه وتفانيه وحرصه على تقديم الفن الشعبي بصورة تليق بالبيئة التي ينتمي إليها. وقد ارتبطت رؤيته للفن بفكرة أخلاقية واضحة: أن التراث يمكن أن يكون جميلاً وراقياً من دون إسفاف، وأن الرقص الشعبي يمكن أن يعكس حياة الناس وعملهم وتقاليدهم من دون ابتذال.

كان ينتمي إلى جيل رأى في الفن رسالة قبل أن يكون مهنة. ولعلََّ هذا ما جعل رحيله يثير شعوراً مضاعفاً بالخسارة؛ لأن غياب الفنان في مثل هذه الحالات لا يعني فقدان شخص واحد، بل انحسار خبرة كاملة تراكمت عبر عشرات السنين.

ومع اندلاع الثورة السورية وما تبعها من حرب وتشظٍّ اجتماعي وهجرة واسعة، تبدلت الرّقة كما تبدلت مدن سورية كثيرة.

توقفت تجارب فنية، وتفرّق فنانون، وغادر كثيرون أماكنهم، وانفرط عقد فرقة الرّقة للفنون الشعبية التي كانت ذات يوم إحدى أهم واجهات المدينة الثقافية.

كان هناك أمل بأن تستعيد الفرقة حضورها، وأن تعود لتمثل الرّقة في المحافل السورية والعربية والدولية، بل وأن تنجز لوحات جديدة توثق التحولات الهائلة التي عاشها السوريون خلال سنوات الثورة والحرب.

لكن رحيل مؤسس الفرقة إسماعيل العجيلي، ثم رحيل إبراهيم الأخرس، جعل استعادة ذلك الزمن أكثر صعوبة.

فالفرق الفنية لا تُبنى بالأسماء وحدها، بل بالذاكرة المشتركة والخبرة التي تتكون بين أفرادها عبر السنين. وحين يرحل الكبار، تضيع معهم أحياناً تفاصيل لا توجد في الكتب ولا في التسجيلات.

ترك إبراهيم الأخرس وراءه رصيداً من الأغاني والمواويل والتسجيلات والذكريات، لكنه ترك أيضاً إرثاً أعمق: فكرة أن هوية المكان يمكن أن تسكن صوت إنسان.

وقد واصل أبناؤه، ومنهم الفنانان أحمد إبراهيم الأخرس ومحمد إبراهيم الأخرس، حمل جانب من هذا الموروث بأساليب أكثر حداثة، في امتداد يؤكد أن الفن الشعبي ليس ملكاً لجيل واحد، بل سلسلة تتناقلها الأجيال، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. غير أن التحدي اليوم أكبر.

فالفن الفراتي التقليدي يواجه تراجعاً في حضوره بين الأجيال الجديدة، مع تغير الذائقة الموسيقية وانتشار الأنماط الحديثة وانحسار الاهتمام بتعلم آلات مثل الربابة وحفظ الموليا والعتابا والنايل والأغنيات القديمة.

ولهذا فإن رحيل فنان بحجم إبراهيم الأخرس يطرح سؤالاً يتجاوز الحزن الشخصي: كيف نحفظ الذاكرة بعد رحيل حراسها؟

لا يكفي أن نتذكر الفنانين حين يرحلون. المطلوب هو جمع أعمالهم وتسجيلها وأرشفتها، وتوثيق حكاياتهم، وحفظ الكلمات والألحان والأشكال الفنية التي حملوها، لأن ضياع أغنية شعبية قد يعني ضياع صفحة كاملة من حياة مجتمع.

الصوت الذي بقي

رحل إبراهيم الأخرس، لكن الربابة التي حملها عقوداً لم تصمت تماماً. ما زال صداها حاضراً في ذاكرة من سمعوه في الأعراس والسهرات والمهرجانات، وفي وجدان أبناء الرّقة الذين رأوا فيه صورة من صور مدينتهم وريفها، وفي التسجيلات التي بقيت شاهدة على زمن كانت فيه الأغنية تُولد من تفاصيل الحياة نفسها.

كان صوته معجوناً بتراب الأرض التي نشأ فيها، ومحملاً بصفرة القمح، وهدير الفرات، وحنين المسافر، ووجع الفقد، وفرح الأعراس.

من قرية كديران الصغيرة خرج ذلك الصوت، وعبر مع الربابة حدود المكان، وصعد مسارح عربية وعالمية، لكنه ظل في جوهره صوت ابن الريف الذي لم يتنكر لجذوره.

ولهذا فإن سيرة إبراهيم الأخرس ليست سيرة مغنٍّ شعبي فحسب، بل سيرة مرحلة كاملة من تاريخ الرّقة الثقافي والاجتماعي؛ مرحلة كانت فيها الأغنية سجلاً للحياة، وكانت الربابة كتاباً مفتوحاً، وكان الفنان يحمل ذاكرة جماعته كما يحمل المسافر زاده في الطريق.

وبينما تتغير المدن وتتبدل الوجوه وتختفي البيوت القديمة وتبتعد الأجيال عن تفاصيل حياة الآباء والأجداد، يظل صوت إبراهيم الأخرس قادراً على أن يعيد، في لحظة واحدة، صورة الفرات كما كان: سهرةً ريفية، وربابةً تنوح، وصوتاً يعلو من بعيد، وأرضاً لا يغادرها الحنين.

ذلك هو الإرث الحقيقي للفنان: ألا ينتهي حين يتوقف صوته، بل أن يبدأ حضوره الأعمق بعد الغياب.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى