إناسة

مولانا والعادلية العراقية

فراس الحمداني

منذ أن تابعت الدراما السورية (مسلسل مولانا) في رمضان الماضي، بقيت فكرته عالقة في ذهني، وأنا أفكر أن أكتب مقالاً مرتبطاً بقصة مولانا والعادلية السورية. مقال ذو فكرة عن العدالة التي لا تقف عند حدود النص، بل تتجاوزها إلى روح الإنصاف، حيث المدافع المؤمن بالعدل، وحيث القاضي الباحث عن الحقيقة لا عن مبرر للحكم، وحيث تكون الكلمة ميزاناً لا سيفاً.

لكني لم أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي أكتب فيه المقال عن حادثة في قرية أيضاً اسمها العادلية في محافظة كركوك، والتي جاءت حادثتها لتعيد طرح السؤال من جديد وبشكل أكثر إيلاماً. فالقصة لم تبدأ باعتداء، ولم تنتهِ بإصابة، بل بدأت بقرار إزالة ما وُصف بتجاوز على أرض، وانتهت بكشف تعقيد أكبر يتعلق بنزاع ملكية لم يُحسم بعد.

في يوم جمعة، خرج القائممقام (المنتهية ولايته) برفقة قوة عسكرية لتنفيذ مهمة إزالة تجاوز على أرض العادلية، فوجد نفسه في مواجهة مباشرة مع أهلها الذين رفضوا الإجراء، مؤكدين أن الأرض ليست متجاوزاً عليها، وأنها محل نزاع قضائي.

وما لبث المشهد حتى تطور سريعاً إلى احتكاك، ثم إلى إصابة القائممقام برأسه، في صورة تختصر حجم الاحتقان حين تتقدم السلطة على حساب الحسم القضائي. القائممقام رفع شكوى رسمية ضد أهالي العادلية، وهم بدورهم خرجوا عبر مؤتمر صحفي بحضور عضو مجلس المحافظة رعد الصالح، ليعرضوا وثائق وسندات ملكية يؤكدون من خلالها أن القضية لا تزال في أروقة القضاء، وأن الفصل فيها لم يصدر بعد، وهو ما يضع الحادثة في إطار أكثر تعقيداً، حيث لم يعد الصراع بين دولة ومخالفين، بل بين روايتين للحق، كل منهما تستند إلى ما تعتبره دليلاً.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان جوهر الحكاية التي قدمها (مولانا)، حيث لم تكن العدالة قراراً سريعاً ولا إجراءً مفروضاً، بل عملية بحث شاقة عن الحقيقة وإثباتها وسط تضارب المصالح والأصوات. فحين يغيب الميزان، تتحول القرارات إلى مصدر توتر بدل أن تكون حلاً، وتصبح القوة بديلاً عن القناعة.

في كركوك، التي عرفت عبر السنوات نزاعات متعددة على الأراضي تختلط فيها السياسة بالهوية والإدارة، يصبح أي خطأ في التوقيت أو في طريقة التنفيذ كفيلاً بإشعال أزمة، لأن الأرض هنا ليست مجرد مساحة، بل امتداد لمعنى أعمق يتعلق بالانتماء والحق والذاكرة.

حادثة العادلية تكشف بوضوح أن المشكلة ليست فقط في وجود نزاع، بل في كيفية التعامل معه. فحين يسبق التنفيذ قرار القضاء، تتراجع الثقة وتتصاعد ردود الفعل، وحين يشعر المواطن أن صوته لم يُسمع، يلجأ إلى ما يعتقد أنه وسيلته الأخيرة، حتى لو كان ذلك خارج القانون.

وما بين رواية السلطة ورواية الأهالي، يبقى القضاء هو الفيصل المنتظر، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختباراً حقيقياً، ليس فقط في إصدار الحكم، بل في استعادة ثقة الناس بأن العدالة يمكن أن تتحقق دون ضغط أو استعجال. وهنا يعود السؤال الذي أثاره مسلسل (مولانا) قبل أن تطرحه العادلية: هل نحن بحاجة إلى منظومة كاملة تؤمن بأن العدالة لا تُفرض بالقوّة، بل تُبنى بالثقة؟

وهل سنحتاج حقاً إلى (مولى) عادل ليحسم قضية أرض في العادلية؟ أم أن العدالة التي نبحث عنها يجب أن تولد من داخل مؤسساتنا قبل أي شيء آخر؟

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى