مسرح

تفرَّد بتعدد إسهاماته الإبداعية .. حمدي موصللي: المسرح فن الحياة

المسرح فن راسخ لا يمكن الاستغناء عنه

حسن م. يوسف

خلال العقود الماضية فرض حمدي موصللي نفسه، بتعدد أصواته وتنوع براعاته، كواحد من أبرز المبدعين السوريين المعاصرين، فهو كاتب ومخرج مسرحي متمكن، كما أنه ناقد أكاديمي له إسهامات جادة في النقد النظري والتطبيقي.  و ما يؤكد تميّز تجربته في مجال الكتابة الإبداعية والإخراج هو السلسلة الطويلة من الجوائز المحلية و الدولية التي حصل عليها.

ولد حمدي الموصللي في مدينة الرّقة السورية عام 1957، درس الهندسة الزراعية في جامعة حلب وتخرج منها  1982، وبعد أن درس النقد في معهد كشنيوف العالي وتخرج منه 1993، حصل على الدكتوراه من جامعة سان بطرسبورغ عام 1996.

في عام 2017 حرقت مكتبته بفعل إرهابي والتي تتضمن أكثر من ستة آلاف كتاب فضلاً عن بيته في الرّقة. عن تجربته الغنية في مجال التأليف والإخراج كان لنا هذا الحوار:

– نشأت وترعرعت في مدينة الرّقة الفقيرة بالمسرح، ودرست الهندسة الزراعية، ماذا يعني لك المسرح؟ وما هي الظروف التي دفعتك لتكريس حياتك لهذا الفن النبيل؟

المسرح كائن حي يحب الحياة، ويشارك البشرية أفراحها وأحزانها من خلال ما يجسده، فهو يغوص في الواقع وينبش في الماضي ويستحضره دروساً، ويرسم المستقبل، وهو بلا رعاية سيُحتضَر وسرعان ما سيموت، أما  الرّقة فهي مدينتي، وصديقتي  التي تغفو على سرير نهر عظيم (الفرات) تجاورها بادية الشام من الجنوب.

لعل البدايات هي الأساس في تكوين الذائقة الأدبية والمسرحية العملية… في هذه المدينة الريفية الخيّرة أبصرت النور في كنف أسرة متعلمة.. والدي هو الأساس الذي بنيت من خلاله توجهي الثقافي والمعرفي، فالوالد كان ماركسياً مثقفاً و عاشقاً للغناء و الموسيقا ومعتقلاً سابقاً في سجون الوحدة وسجون البعث، ينحدر من أسرة تحب الثقافة والفن و الطرب الأصيل.

 هذه البيئة كان لها الأثر الكبير في تكويني، فكتبت النصوص المسرحية، والقصة القصيرة والشعر وتدرجت من المسرح المدرسي إلى المسرح الطلابي في الجامعة  تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً.

بدأ المسرح في الرّقة في ثلاثينيات القرن الماضي عندما قدمت مسرحية “ذي قار” للشاعر عمر أبو ريشة  وكان للدكتور عبد السلام العجيلي وبعض الشباب الفضل في تلك الانطلاقة، إلا أن عروضنا ظلت مجرد محاولات حتى مطلع التسعينيات، إذ تشكلت فرق مسرحية متعددة وقد توّج هذا الحراك بإقامة مهرجان الرّقة المسرحي الدولي، الذي كنت أحد مؤسسيه، وقد لعب هذا المهرجان دوراً كبيراً في الحياة الثقافية، إذ تم من خلاله التعرف على مستويات وتجارب فرق سورية وعربية ودولية، مما أسهم في نشأة جمهور متابع ذوّاق .

– والهندسة الزراعية، هل انقطعت علاقتك بها، وكيف انعكست معارفك في هذا المجال على إبداعاتك المسرحية؟

منحتني الهندسة الزراعية التماس المباشر مع جماعات مختلفة من الناس ومساحة أفقية من التفكير الإضافي، كما زادت معرفتي بالعادات والتقاليد والفولكلور وما يشتمل عليه من أزياء وغناء ورقص وطعام وشراب وأفراح وأتراح ..إلخ وقد  ساعدتني هذه المعارف، حين اشتغلت على الكتابة الإبداعية، في تفجير الساكن وتحويله إلى حياة. والسؤال هو: ما معنى أنَّ الكثير من نجوم الإبداع، والفن في الوطن العربي هم من خريجي كلية الزراعة!

ـ قال أستاذي شيخ الساخرين، الكاتبُ المسرحي الإيرلندي جورج برنارد شو:  “قد أغفر لـ ألفرد نوبل اختراع الديناميت، لكن لا يمكنني أن أغفر له اختراع جائزة نوبل”، وعندما فاز بالجائزة عام 1925، قَبِلَها كعلامة تقدير لأعماله، لكنه رفض المبلغ المالي المرافق لها ككاتب مستقل، واقترح أن تُستخدم قيمة الجائزة في تشجيع التبادل الثقافي ودعم الترجمة بين اللغتين السويدية والإنكليزية.

ـ أنت تتهم بأنك أحد صائدي الجوائز، إلى أي حد تؤثر الجوائز على استقلالية الكاتب، وكيف كانت تجربتك معها؟

أعترف أنني خلال أكثر من ربع قرن حصدت أكثر من خمس عشرة جائزة في النص والإخراج المسرحي والقصة القصيرة، في سوريا والوطن العربي.  ينظر إلى الجائزة كإضافة معنوية للكاتب، وكعلامة تقدير له من محبيه ومعجبيه، إلّا أن الجائزة تعني لي أولاً التجاوز وعدم الاستسلام لها. لأن الجائزة بحد ذاتها لا تصنع أديباً، بل هي أداة تحفيز لكي يستمر العطاء، ويستمر تطور الكاتب نحو الأفضل من خلال الاستزادة المعرفية وفهم التعامل مع الأدوات الإبداعية، وفهم أكبر للعلاقات الإنسانية بكل أشكالها واشكالياتها المختلفة.

-غالباً ما ينظر إلى مسرح الطفل في الوطن العربي كما لو أنه المسرح في مرحلة طفولته، وأنت أنجزت أعمالا كثيرة لمسرح الطفل نصاً وإخراجاً، كيف تقيم تجربتك في هذا المجال؟

الكتابة للطفل هي فن سهل ممتنع، فمسرح الطفل فن شَرطيّ مركّب، له أسسه الخاصة به، والمبدع عندما يكتب للطفل يحتاج إلى فهم بنيته الحيوية ومتطلبات واحتياجات هذه البنية وآلية العمل معها بغية إثرائها وإشباعها من خلال ايجاد مساحة التهيؤ أو التخيّل لدى الطفل. وقد كتبتُ سلسلة مسرح الناشئة الجزء الأول من المسرح التعليمي الموجه للمرحلة العمرية الثانية والثالثة وصدر عام ٢٠٠٣ في أربع مسرحيات، أما الجزء الثاني من هذه السلسلة فصدر عام ٢٠٢٢ (مسرحيتان) وخلال هذه السنة من المقرر أن يصدر الجزء الثالث ويضم أربع مسرحيات، عدا المنشور في بعض الدوريات السورية والعربية. وكانت لي تجارب متميزة، أغلبها حصد جوائز على صعيديّ العرض والنص وأغلبها تمّ تصويره تلفزيونياً، أذكر منها مسرحيات السندباد البري .. الطربوش.. انتصار الخير.. أحلام الفتى زياد.. الصياد الوفي.. بذرة الاجاص.. الديك أبو برائل.. جحا والمرابي.. وغيرها.  كما أخرج لي بعض المخرجين العرب العديد من مسرحيات الطفل، في العراق والبحرين وقطر وتونس وعُمان ومصر والجزائر ..

-أصدرت عدداً من الكتب التي يغلب عليها طابع البحث النظري،  نذكر منها “المرأة في المسرح العربي المعاصر”، و “المسرح في حضارات الشرق القديم”، ولعل أهمها “الوجيز في تاريخ المسرح العالمي ” فما جديدك في هذا المجال؟

اشتغلت على كتابي “الوجيز في تاريخ المسرح العالمي” الذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح لفترة زمنية زادت عن عشرين سنة وهو يتحدث عن المسرح العالمي خلال ٣٥٠٠ سنة مضت، وقد أدخلتُ فيه ولأول مرة المسرح العربي على الخريطة المسرحية العالمية، وكذلك سلطت الضوء على بدايات نشوء المسرح في حضارات الشرق القديم في سوريا، وبلاد ما بين النهرين. كما عملت أيضاً على مجموعة دراسات هامة  حول إشكالية التراث والمعاصرة في المسرح العربي المعاصر .. ومن المتوقع أن يصدر لي قريباً كتاب بعنوان “الاغتيال السياسي والمأساة، المسرح العربي المعاصر أنموذجاً”

– لديك نزوع للتجريب داخل وخارج الأشكال الكتابية الشائعة، ما جديدك في هذا المجال؟

بدأتُ مؤخراً العمل على مشروع أطلقت عليه اسم “النص البصري”  وهو نص عابر للأجناس من قصة ونثر وشعر ومسرح، يحاول الابتعاد عن آلية النص التابع (التقليدي الكلاسيكي الغربي) وهو أحد استنتاجاتي البحثية العملية التي أشتغل عليها منذ سنوات. وقد نشرت بعض النصوص البصرية التجريبية في بعض الدوريات السورية، ولاقت نجاحاً وتشجيعاً، وأرجو أن تنجح التجربة.

– يحلو للمخرجين المسرحيين أن يتحدثوا عن أزمة في النص المسرحي، هل هي أزمة نص أم أزمة نوع محدد يناسب سقف الحريات المنخفض المتاح عندنا؟

المسرح لا يزدهر ويتطور إلا في مناخ من الحرية (ليبرالي أو ديمقراطي) والمسرح السوري كما المسرح العربي مصاب بداء إدارة الظهر للمحيط، وتنفيذ العرض المسرحي من خلال الاستعانة بنصوص مسرحية هي على الغالب مترجمة، قد تتقاطع مع همومنا، لكنها لا تحمل خصائصها، ونصوص محلية تقوم على حالات افتراضية قد تلامس الواقع المعاش دون أن تعري أعماقه، أما العروض التجارية فيغلب عليها الاستسهال، لذلك لم يستطع المسرح العربي حتى تاريخه أن يؤسس لقاعدة جماهيرية عريضة باستثناء عروض قليلة خرج بها عن الخط الأساسي الذي تبناه وسار عليه.

– استطاع المسرح أن يتغلب على تحدي الراديو والسينما والفيديو، فهل سيستطيع برأيك التغلب على الذكاء الصناعي ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من مفرزات الثورة العلمية التقنية؟

في حدود فهمي أن التجارب المسرحية الغربية في أوروبا وغيرها من البلدان مازال ألق حضورها مهيمناً، وإن كان هناك تأثيرٌ نسبي أحياناً لكنه مؤشر لا يقلق المسرح .. لأن المسرح كائن حي وفن راسخ لا يمكن الاستغناء عنه، لأنه حياة.

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى