نبض الشارع

“صوت الرافقة”.. هوية غائبة.. إخراج مرتبك ومجاملة تُحاصر النقد

عبد الكريم البليخ

ثلاثة أعداد صدرت من مجلة «صوت الرافقة»، الصادرة عن مديرية الثقافة في الرّقة، وما زال السؤال نفسه يفرض حضوره بإلحاح: متى تبدأ هذه المجلة فعلياً؟

ليس في هذا السؤال استفزاز، ولا انتقاص من جهود العاملين فيها، بقدر ما هو تعبير عن خيبة قارئ كان ينتظر من العدد الثالث أن يكشف عن تطور ملموس، وأن يُثبت أن التجربة تعلّمت من خطواتها السابقة. فالمجلة التي تحمل اسماً يرتبط بتاريخ المدينة وذاكرتها ومشهدها الثقافي، يفترض أن تتقدم من عدد إلى آخر، وأن تتضح هويتها أكثر، لا أن تبقى وكأنها ما تزال في مرحلة البحث عن نفسها.

المشكلة، في تقديري، لم تعد مجرد ملاحظة عابرة على تصميم صفحة أو حجم عنوان، بل أصبحت تتصل بالرؤية الكاملة للمجلة: ماذا تريد أن تقول؟ ولمن تتوجه؟ وما الذي يُميّزها عن أي ملف إلكتروني تُجمع فيه عدّة نصوص وصور، ثم يوضع لها غلاف وتسمى مجلة؟

هذا هو جوهر المسألة.

فالعدد الثالث، بصورته الحالية، لا يمنح القارئ إحساساً بوجود شخصية تحريرية واضحة. المواد محدودة، والتنوع أقل مما يُنتظر، والتوازن بين الموضوعات ضعيف، كما أن الإخراج الفني لم يساعد النصوص على الظهور بالقيمة التي تستحقها. والنتيجة صفحات تبدو وكأنها جُمعت أكثر مما حُررت، وصُفّت أكثر مما صُممت، من دون ذلك الإيقاع الذي يجعل القارئ يشعر بأنه أمام مجلة متكاملة لا مجرد مواد متجاورة.

وإذا كان بعضهم يرى أن هذه الملاحظات قاسية، فالأقسى منها أن نقبل بهذا المستوى ثم نمنحه تصفيقاً مجانياً.

الرّقة لا تحتاج إلى مجلة تصدر لمجرد أن يقال إن عدداً جديداً قد صدر، ولا تحتاج إلى أسماء كثيرة على ترويسة التحرير إذا لم يتحول هذا الحضور إلى قيمة واضحة داخل الصفحات. كثرة الأسماء لا تصنع مجلة، كما أن كثرة الصفات الثقافية لا تعوّض غياب الرؤية المهنية.

بل إن وجود عدد من المثقفين والكتّاب وأصحاب الخبرة في هيئة التحرير يجعل السؤال أكثر مشروعية: أين انعكاس هذه الخبرات على النتيجة النهائية؟ وأين أثرها في الاختيار والتحرير والمراجعة والتصميم؟

فالاسم المعروف لا يصنع جودة تلقائياً، والصفة الأكاديمية لا تمنح المنتج حصانة، كما أن الحضور الثقافي لا يعفي صاحبه من مساءلة النتيجة. العمل الثقافي، في النهاية، يُقاس بما يقدمه للقارئ، لا بسير الأشخاص الذين يقفون وراءه.

أما الإخراج الفني، فهو من أكثر نقاط الضعف وضوحاً. فالمجلة في عدد من صفحاتها تبدو وكأنها أُنجزت من دون تصور بصري متكامل. لا هوية ثابتة، ولا توازن مدروس بين العناوين والنصوص والصور، ولا استخدام مهني كافٍ للمساحات البيضاء والأعمدة والخطوط. وبعض الصفحات جاء أقرب إلى ملف مدرسي بسيط منه إلى مجلة ثقافية يفترض أنها تصدر باسم جهة رسمية معنية بالثقافة.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجنبه: أين مديرية الثقافة من كل ذلك؟

إذا كانت المديرية تتبنى المجلة وتشرف عليها، فمن حق القارئ أن ينتظر مستوى يليق باسم المؤسسة. أما أن يصدر عمل بهذا التواضع، ثم يُطلب من الجميع التعامل معه باعتباره إنجازاً ينبغي الاحتفاء به وعدم الاقتراب منه نقدياً، فذلك يحوّل العمل الثقافي من مساحة للتطوير إلى دائرة من المجاملات.

ولا يكفي، في المقابل، الاحتماء بفكرة أن العمل تطوعي. التطوع قيمة محترمة، لكنه لا يعني الفوضى، ولا يبرّر ضعف المعايير، بل لعل العمل التطوعي يحتاج إلى تنظيم أكثر دقّة؛ لأن الإمكانات محدودة، وبالتالي تصبح الخبرة والإدارة وحسن الاختيار أكثر أهمية. ومن يتطوع لإدارة مجلة أو تحريرها أو تصميمها، فإنه يقبل أيضاً بتحمّل مسؤولية النتيجة.

أما أن نطلب من القارئ أن يشكر الجهد فقط، بصرف النظر عن المستوى، فذلك يحوّل المجلة إلى نشاط تشجيعي لا إلى مشروع ثقافي. القارئ ليس موظف علاقات عامة، وليس مطلوباً منه أن يصفّق لمجرد أن العدد صدر.

وقد كان لافتاً أن بعض الردود على النقد بعد استصدار المجلة لم تذهب إلى مناقشة جوهر الملاحظات، بل اتجهت إلى وصف ما كُتب بأنه «كلام إنشائي لرواد الفيس»، مع التلويح بالأكاديمية والاختصاص، وكأنهما يمنحان صاحبهما حصانة من النقد. وهنا تصبح المشكلة أوسع من مجلة.

فحين يتحول النقاش الثقافي من مناقشة الرأي إلى التقليل من صاحب الرأي، نكون قد ابتعدنا عن جوهر الثقافة نفسها. الأكاديمي الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان أكاديميته في كل نقاش، لأن حجته تكفيه. والمتخصص لا يخشى الرأي الصحفي، بل يواجهه بالحجة والدليل والمثال.

أما القول إن «التهكم لا يتوجه لأمثالي»، فهو يفتح باباً أكثر خطورة: من الذي يحدّد من هم «أمثالك»؟ ومن يقرّر من يجوز نقده ومن لا يجوز؟ وهل أصبحت الثقافة طبقات، لبعضها حق الكلام ولبعضها حق الصمت؟

الثقافة التي نريدها للرّقة لا تحتاج إلى أحد فوق المساءلة.

نحن أمام مجلة عامة، تصدر باسم مؤسسة عامة، وتخاطب جمهوراً عاماً، وبالتالي فمن حق أي قارئ أن يقيّمها، وأن يعترض عليها، وأن يقول إنها ضعيفة إذا رأى ذلك.

وهذا ليس عداءً للمجلة، ولا خصومة مع القائمين عليها، ولا محاولة لهدم المشروع. بل إن الهدم الحقيقي هو أن نطوقه بالمجاملات حتى يقتنع أصحابه بأن كل شيء على ما يرام.

المشكلة في «صوت الرافقة» ليست مستعصية، لكنها تحتاج أولاً إلى الاعتراف بوجودها. فالمجلة بحاجة إلى مخرج صحفي محترف، لا إلى مجرد شخص يجيد ترتيب النصوص. وتحتاج إلى محرر يمتلك الجرأة على رفض المادة الضعيفة، مهما كان اسم صاحبها، وإلى أبواب ثابتة، وتنوع في الأجيال والآراء والأساليب، وحضور أوسع للأدب والفكر والفن والذاكرة المحلية والنقد والحوار.

كما تحتاج إلى تدقيق لغوي، ومراجعة تحريرية حقيقية، وهوية بصرية ثابتة يعرفها القارئ من الصفحة الأولى، بحيث يصبح لكل عدد طابع واضح لا أن يبدو مجرد تجميع جديد لمواد متفرقة. وفوق كل ذلك، تحتاج المجلة إلى عقلية مختلفة في التعامل مع النقد.

عقلية لا تعتبر الملاحظة إهانة، ولا السؤال مؤامرة، ولا الاعتراض إساءة شخصية، وإذا أردنا مجلة حقيقية، فعلينا أن نتوقف عن حمايتها من النقد، وأن نبدأ بحمايتها من الضعف.

فالرّقة أكبر من أن تمثلها مطبوعة متواضعة ثم نطلب من أبنائها الرضا بها، وكتّابها ومثقفوها أحق بأن تقدم نصوصهم في قالب يليق بهم، وقارئها أذكى من أن نطلب منه الاحتفاء بعدد لمجرد أنه يحمل رقماً جديداً.

«صوت الرافقة» ليست مشروعاً محكوماً بالفشل، لكنها في الوقت نفسه ليست فوق النقد والمساءلة. إما أن يبدأ العدد القادم من مراجعة حقيقية تظهر في المضمون والشكل والاختيار، وإما أن تبقى التجربة تدور في الدائرة نفسها: عدد يصدر، وتهنئة تُكتب، وصور تُنشر، ثم يعود السؤال نفسه من جديد:

أين المجلة؟

فالصحافة والثقافة لا تعيشان بالأسماء، ولا بالمجاملات، ولا بالحصانات، بل بالمحتوى، والمهنية، واحترام القارئ. وما عدا ذلك مجرد صفحات، ولو حملت اسم مدينة كاملة.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى