لماذا يُصبح الأديب بوقاً؟
عبد الكريم البليخ

ثمّة لحظة يسقط فيها بعض الأدباء من مقام الكاتب إلى وظيفة المبرّر. لا يحتاج الأمر إلى قرار مُعلن، ولا إلى بيان ولاء، يكفي أن يقترب الأديب قليلاً من أبواب السلطة حتى تبدأ لغته بالتبدل: تختفي الكلمات الحادّة، تلين العبارات، تتكاثر الأعذار، ويصبح المستبدّ فجأة «رجل دولة»، والقمع «ضرورة»، والسجن «إجراءً أمنياً»، والدم الذي تسفكه السلطة مجرد رقم في هامش الحكاية.
في المقابل، يحتفظ هذا الأديب بكل شجاعته للجماعات الدينية المتشدّدة. هناك يصبح فارساً لا يشق له غبار، يكتب عن الإرهاب والتكفير والظلامية والقتل باسم الدين، وكل ذلك صحيح ومشروع وضروري. لكن المدهش أن هذه الشجاعة تتبخر عندما يكون القاتل دولة، والسجّان جهازاً أمنياً، والضحية مواطناً لا يملك من أمره شيئاً. وهنا تبدأ المشكلة.
لا أحد عاقل يُبرّئ جماعة تقتل باسم الدين، ولا أحد يستطيع أن يمنح الإرهاب غطاءً أخلاقياً أو سياسياً. القتل جريمة، والتكفير جريمة، واستباحة الناس باسم المقدس جريمة مضاعفة. لكن الجريمة لا تصبح أقل بشاعة إذا ارتكبتها دولة، ولا يتحول التعذيب إلى فضيلة لأنه جرى داخل مبنى رسمي، ولا يصبح التهجير مقبولاً لمجرد أن من أصدر الأمر يرتدي ربطة عنق بدلاً من عَمامة.
السؤال الذي يتهرّب منه بعض المثقفين هو: لماذا تكون لديهم عين واحدة فقط؟ لماذا يرون التطرف ولا يرون الاستبداد؟ لماذا يحاكمون الوحش الصغير ويغضون النظر عن الوحش الأكبر الذي صنع شروط ظهوره؟
الجماعات المتطرفة لا تهبط من السماء. إنها تنمو في بيئات يختنق فيها المجتمع، وتغلق فيها السياسة، وتتحول السجون إلى مدارس للقهر، ويصبح الأمن أعلى من القانون، ويُعامل الإنسان كمتهم لأنه فكر أو تكلم أو اعترض.
هذا ليس تبريراً للإرهاب، بل توصيف لعلاقة السبب بالنتيجة. ومن يرفض النظر إلى السبب لا يريد حلاً، بل يريد رواية مريحة.
لقد اعتدنا في منطقتنا أن نحاكم الدخان ونمنح النار حصانة. نلعن الانفجار، لكننا لا نسأل من خزّن البارود. نهاجم المتطرف الذي خرج من السجن محمّلاً بالكراهية، ولا نسأل من صنع السجن ومن جعل الإهانة أسلوب حكم.
وهنا يأتي دور الأديب. الأديب ليس زينة في صالون السلطة، ولا شاهداً أجيراً يكتب ما يرضي أصحاب المنابر. مهمّته، إن بقي للأدب معنى، أن يقلق اليقين، وأن يطرح السؤال الذي يخشاه الآخرون، وأن يرفض اختصار الحقيقة بما يناسب مصالحه.
لكن بعض الأدباء اختاروا لأنفسهم دوراً آخر: دور المثقف المأمون. ذلك الذي لا يزعج أحداً في الأعلى. ذلك الذي يعرف أين يرفع صوته وأين يخفضه.
ذلك الذي يصير شرساً أمام جماعة لا تملك أن تمنحه جائزة، ووديعاً أمام نظام يملك المهرجان والمنصب والسفر والتكريم.
وهكذا تتحول الشجاعة إلى حساب مصرفي. يصبح الكلام مرتبطاً بثمنه، والصمت مرتبطاً بمكافأته. وحين يصل المثقف إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال عن قيمة نصوصه، بل عن قيمة ضميره.
فالقتل باسم الدين جريمة، نعم. والقتل باسم الدولة جريمة أيضاً. التعذيب في قبو جماعة إرهابية جريمة، والتعذيب في فرع أمني جريمة كذلك.
التهجير الذي ترتكبه ميليشيا جريمة، والتهجير الذي تمارسه سلطة جريمة.
المعيار الأخلاقي الذي يتغير بتغير هوية الجلاد ليس معياراً أخلاقياً، بل انتهازية مغطاة باللغة.
وليس مطلوباً من الأديب أن يكون معارضاً دائماً، ولا أن يحول كل نص إلى منشور سياسي. لكن المطلوب منه ألا يكذب. وألا يتظاهر بأن نصف الحقيقة هو الحقيقة كلها.
أما الغرب، فهو الآخر ليس بريئاً ولا شيطاناً مطلقاً. فقد استقبل ملايين الهاربين من الحروب والقمع، وفتح أمامهم أبواب الحماية والتعليم والعمل، وفي الوقت ذاته دعّمت حكومات غربية أنظمة مستبدة، وعقدت صفقات سلاح، وغضت الطرف عن انتهاكات عندما خدمت مصالحها.
المثقف الحقيقي لا يبيعنا أسطورة الغرب المنقذ، ولا أسطورة الغرب المتآمر على كل شيء. إنه يرى الوقائع كما هي، بكل تناقضاتها. ولهذا تبدو أزمة بعض الأدباء أعمق من خلاف سياسي عابر. إنها أزمة أخلاقية.
فحين يصبح الكاتب أكثر خوفاً على علاقته بالسلطة من خوفه على الحقيقة، يكون قد فقد شيئاً أساسياً من صفته ككاتب. وحين يصفّق لمن يسجن، ثم يكتب قصيدة عن الحرية، يصبح الأمر مثيراً للشفقة. وحين يبرّر القمع، ثم يحدثنا عن الكرامة، تتحول اللغة إلى نفاق.
وحين يدافع عن حاكم لأنه كرّمه، أو صمت عن جرائمه لأنه فتح له باباً، فالمشكلة لم تعد في الحاكم وحده، بل في المثقف الذي قبل أن يكون جزءاً من المشهد.
الأديب الحقيقي لا يجب أن يكون بطلاً، لكنه على الأقل يجب ألا يكون بوقاً. لا نطلب منه أن يهدم القصور، بل ألا يُزيّن جدرانها بدم الضحايا. لا نطلب منه أن يقود الثورات، بل ألا يُهين من ثار على الظلم. ولا نطلب منه أن يكون قديساً، بل أن يمتلك ميزاناً واحداً للعدالة.
رحم الله الدكتور عبد السلام العجيلي، الذي بقي مثالاً على المثقف الذي يرى الإنسان قبل الاصطفاف، ويحترم عقله قبل أن يطمع في رضا أحد.
أمّا الذين يصرّون على تلميع المستبدّ، ثم يرفعون أصواتهم ضد من هو أضعف منهم، فمشكلتهم ليست في موقف سياسي فحسب، بل في سقوط أخلاقي واضح.
ويبقى السؤال:
لماذا يُصرّ بعض الأدباء العرب على التصفيق للطغاة، فيما كان يفترض بالأدب أن يكون اليد التي تكسر الصمت، لا اليد التي تدقّ الطبول؟
كاتب وناقد أدبي سوري




