التكنولوجيا تنقذنا من أنفسنا

عبد الكريم البليخ
قبل سنوات، وقبل أن أستقر في مدينة فيينا إلى جوار الأسرة، حملتني حاجةٌ عابرة ـ في ظاهرها ـ إلى أحد مباني الحكومة الفيدرالية في نيو اورليانز، في ولاية لويزيانا سحر الجنوب الأمريكي بنكهته الفرنسية. غير أنّ ما بدا إجراءً بسيطاً للحصول على وثيقة اقامة، كان، في عمقه، عبوراً خفياً بين عالمين: عالمٍ مُثقلٍ بتجارب الانتظار، وآخر يُعيد تعريف معنى العلاقة بين الإنسان والزمن.
كنتُ أدخل المكان وأنا أحمل داخلي ذاكرةً مزدحمة، لا تقل ضجيجاً عن الممرات التي اعتدتُها في أماكن أخرى. كنتُ أتوقع ذلك الاحتكاك القاسي بين الأجساد المتعبة، تلك النظرات المتوترة التي تُختصر فيها حكايات القلق، وصوت الأوراق وهي تُقلّب كأنها إعلانٌ عن بطءٍ لا نهاية له. في تلك البيئات، لا يكون الانتظار مجرد وقتٍ ضائع، بل تجربة نفسية تستنزف الكرامة قبل الجهد، وتضع الإنسان في مواجهةٍ دائمة مع شعوره بالعجز.
لكنّ المفاجأة لم تكن في غياب هذا المشهد فحسب، بل في انكشاف نقيضه الهادئ. كان الصمت هنا ليس فراغاً، بل امتلاءً بنظامٍ غير مرئي، كأنّ الأشياء قد رتّبت نفسها دون أن ترفع صوتها. اللوحات الإرشادية لم تكن أوامر، بل إشارات لطيفة تقودك دون أن تُربكك. وحتى الهواء بدا أخفّ، كأنّه لا يحمل آثار التوتر المتراكم في أماكن أخرى.
حين دخلتُ الغرفة، شعرتُ لوهلة أنّني أخطأت العنوان. مكاتب مصطفّة في هدوءٍ هندسي، أجهزة صامتة تشبه مرايا تترقب انعكاس الوجوه، ولا أثر لذلك الازدحام الذي كان يسكن مخيلتي. غياب الكراسي لم يكن تفصيلاً عابراً، بل إشارةٌ خفية إلى غياب الانتظار ذاته، كأنّ المكان قد صُمّم ليُنجز، لا ليؤجّل.
في تلك اللحظة، وبين الدهشة والتردد، انبثق صوتٌ نسائي هادئ من زاويةٍ بعيدة. لم يكن الصوت مجرد إجابة، بل كان امتداداً لذلك النظام الهادئ، يحمل في نبرته طمأنينةً غير مصطنعة. تقدّمتُ، لا كمن يطلب خدمة، بل كمن يدخل تجربةً غير مألوفة، تجربة لا يُختبر فيها صبره، بل يُحترم فيها وقته.
لم يستغرق الأمر سوى دقائق قليلة، لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب مفاهيمي كاملة. أسئلة بسيطة، نقرات خفيفة، شاشة تستدعي معلوماتي كأنها تعرفني منذ زمن. لم أشعر أنّني أُثبت شيئاً، بل كأنّ النظام نفسه يعترف بي دون مقاومة. ثم، وبسرعةٍ تكاد تُربك الإحساس بالزمن، خرجت الوثيقة. لم يكن الإنجاز في سرعته وحدها، بل في ذلك الشعور العميق بأنّ الإنسان هنا لا يحتاج إلى أن يُرهق نفسه ليحصل على حقّه.
في تلك اللحظة، تسللت إلى ذهني صورٌ من عوالم أخرى، حيث تتحول الأوراق إلى عبءٍ حيّ، وحيث يصبح الصوت العالي بديلاً عن الكفاءة، وحيث يُختبر الإنسان لا في حاجته، بل في قدرته على الاحتمال. هناك، يتخذ الزمن شكل خصمٍ عنيد، ويتحوّل الموظف إلى حارسٍ للبوابة، والمراجع إلى متهمٍ يسعى لإثبات براءته.
ذلك التباين لم يكن، في جوهره، تقنياً فقط، بل إنسانياً عميقاً. فالتكنولوجيا، حين تُدار بوعي، لا تُسرّع الإجراءات فحسب، بل تعيد تشكيل البنية النفسية للعلاقة بين الفرد والنظام. إنها تُخفف من حدّة القلق، تُعيد للإنسان إحساسه بقيمته، وتمنحه مساحةً ليكون إنساناً، لا مجرد رقمٍ ينتظر دوره في طابورٍ لا ينتهي.
لقد أدركتُ، في تلك التجربة، أنّ الآلة ليست نقيض الإنسان كما يُشاع، بل قد تكون امتداده الأكثر رحمة حين تُوضع في سياقٍ إنساني. فالكمبيوتر هنا لم يكن مجرد أداةٍ باردة، بل وسيطاً حضارياً يعكس فلسفة مجتمعٍ يؤمن بأنّ الكفاءة لا تُقاس بتعقيد الإجراءات، بل بقدرتها على تبسيط الحياة.
ومع اتساع حضور التكنولوجيا في تفاصيل يومنا ـ من أبسط الأجهزة المنزلية إلى أعقد أنظمة الفضاء ـ نجد أنفسنا أمام تحوّلٍ لا يمسّ أدواتنا فقط، بل وعينا ذاته. إنها ثورةٌ هادئة، لا تصدر ضجيجاً كالثورات القديمة، لكنها تعيد تشكيل الإنسان من الداخل: علاقته بوقته، بإنتاجه، وحتى بذاته.
وهنا، يتجاوز السؤال حدود التقنية ليصبح سؤالاً وجودياً: هل نحن نستخدم التكنولوجيا لنحيا بعمقٍ أكبر، أم نسمح لها بأن تُعيد تعريفنا وفق إيقاعها؟ وهل يمكن لهذا التقدم أن يكون جسراً نحو إنسانيةٍ أكثر رحمة، أم أنّه سيظل مجرد تسريعٍ لوتيرة عالمٍ لم يتعلّم بعد كيف يُنصت إلى الإنسان؟
ربما، في نهاية الأمر، لا تكمن قيمة هذه الثورة في سرعتها، بل في قدرتها على أن تُعيد إلينا ما فقدناه طويلاً: بساطة العيش، وكرامة الوقت، وهدوء النفس. إنها دعوةٌ خفية لإعادة التفكير في معنى الحياة اليومية… لا بوصفها سباقاً مع الزمن، بل كفرصةٍ للعيش بوعيٍ أعمق.
كاتب وصحافي سوري



